Get Adobe Flash player

 

الدول الأوروبية تشكل هي الأخرى مصدراً من مصادر تمويل عملية إعادة الإعمار، وربما بمرتبة توازي المرتبة التي يمكن أن يحتلها التمويل العربي.

للوهلة الأولى، يبدو أن الدول الغربية مستبعدة من عملية إعادة الإعمار لأسباب سياسية، ولكن التدقيق في هذا الاستنتاج يسمح بالخروج بخلاصة مختلفة. هناك أربعة عوامل تؤهل دولاً في الاتحاد الأوروبي لتكون مساهمة في عملية تمويل إعادة الإعمار في سورية.

العامل الأول، الدول الغربية تحوز على إمكانيات وقدرات تكنولوجية وعلمية تجعل من الصعب على أي دولة في العالم مقاطعة التعامل الاقتصادي والتجاري مع هذه الدول.

فمهما بلغ مستوى الخلاف والعداء السياسي بين سورية وبين بعض الحكومات الأوروبية، إلا أن سورية تحتاج لتكنولوجيا هذه الدول وقدراتها العلمية والمعرفية، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فثمة علوم ومعدات لا يمكن الحصول عليها إلا من هذه الدول، ومن الصعب الحصول على استثمارات في مجالات علمية ومعرفية من دون التعاون مع شركات تعود ملكيتها إلى مواطنين من هذه الدول، وتطبق عليها قوانين هذه الدول. معروف أن سورية تأثرت كثيراً جراء العقوبات الغربية المفروضة عليها، وقد شملت التأثيرات الضارة القطاع الصحي والقطاع الصناعي، ولم توفر حليب الأطفال. وبديهي أن واجب الدولة السورية السعي لإلغاء هذه العقوبات، تمهيداً للحصول على ما تحتاجه سورية من هذه الدول. بهذا المعنى، فإن رفض مساهمة هذه الدول في عملية إعادة الإعمار ليس من مصلحة سورية أن يكون رفضاً شاملاً وإلا ألحقت الضرر بنفسها وطبقت العقوبات والحصار على ذاتها بعد أن تزول أسبابه ودوافعه التي حدت بالحكومات الغربية لاتخاذ قرارات فرض عقوبات على سورية والسعي لمحاصرتها.

العامل الثاني، كثيرٌ من الدول الأوروبية شريك تجاري واقتصادي لسورية، ومن المعروف أن جزءاً كبيراً من الصناعات السورية، ولاسيما في قطاعي الملابس والمواد الغذائية، وحتى بعض الصناعات التحويلية, هي البلدان الأوروبية، وكانت علاقات سورية التجارية مع الدول الأوروبية قبل الحرب هي الأكثر اتساعاً بالمقارنة مع علاقاتها العربية، أو مع دول مثل روسيا والصين، وبكل تأكيد تلعب عوامل جغرافية بينها سهولة النقل، ولاسيما النقل البحري، وكلفته الأقل بالمقارنة مع الدول أبعد، دوراً كبيراً وهاماً في جعل سورية والدول الأوروبية شركاء تجاريين.

الشراكة التجارية بين سورية وبعض البلدان الأوروبية، وعلى الرغم من العقوبات والحصار، لا زالت قائمة وإن كان ذلك بشكل محدود. فكثير من معامل الألبسة وبعض الصناعات الغذائية لا تزال تعمل وهي تحمل العلامة التجارية لماركات معروفة في الدول الأوروبية.

من الضروري والملح أن تقوم الدولة السورية بجهدٍ خاص لاستعادة العلاقة القديمة لاسيما وأن الحصار الاقتصادي على وشك أن ينهار, والحكومات الغربية جميعها مضطرة لإعادة علاقاتها مع سورية، وبالتالي الدولة السورية معنية بجعل شروط التطبيع السياسي مع الحكومات الغربية مرهونةً ومرتبطةً بإعادة العمل بالشراكة التجارية، والحصول أولاً على رفع العقوبات، وثانياً، السماح للشركات الغربية الاستثمار في سورية بعيداً عن الضغوط والاملاءات والتأثير السياسي، والأرجح أن سورية كونها الآن ساحة استثمار هامة بفعل ما خلفته الحرب، وبسبب ما تواجهه الاقتصادات الغربية من مصاعب، مرشحة لأن تكون ساحةً جاذبة لبعض الاستثمارات الأوروبية، والمطلوب من الدولة السورية بذل جهدٍ خاص لإزالة العراقيل من وجه هذه الاستثمارات لتحقيق غرضين أساسيين، الأول الاستفادة من عوامل التكنولوجيا المتقدمة التي يصعب الحصول عليها من مصادر أخرى، وثانياً، الحصول على إسهامٍ إضافي في تمويل عملية إعادة الإعمار.

العامل الثالث، ليست كل الدول الأوروبية ساهمت ودعمت الحرب الإرهابية على سورية. فرنسا وبريطانيا وحدهما اللتان لعبتا دوراً كبيراً وخطيراً وساهمتا في الاعتداءات التي شنتها الولايات المتحدة على مواقع الجيش العربي السوري وقدمتا الدعم للجماعات الإرهابية. ولكن دولاً أوروبية عديدة لم تشهر عدائها ضد سورية ولم يكن لها دور في دعم الحرب الإرهابية، وإن كانت قد لاذت بالصمت خشية ردة فعل الولايات المتحدة, والتزاماً بقوانين الاتحاد الأوروبي التي تلزم جميع دوله بالقرارات التي يتخذها، ومن بين هذه القرارات العقوبات التي فرضت على سورية.

لكن دولاً كثيرةً مثل تشيكيا وإيطاليا وحتى إسبانيا لم تشارك في الأعمال العدائية التي استهدفت سورية، وسيكون من السهل إعادة العلاقة مع هذه الدول ما إن تتراخى العقوبات الأوروبية، وما إن تسعى الحكومات الأوروبية المعادية لتطبيع علاقاتها مع سورية. بهذا المعنى فإن دولاً كثيرة في الاتحاد الأوروبي لا يشملها الاعتراض السوري على مشاركتها في إعادة الإعمار عقاباً لها على مواقفها المعادية لسورية، وربما تشكل هذه الدول قاطرةً لدول أخرى في الاتحاد الأوروبي للإسهام في عملية الإعمار عبر استثمارات مشتركة، لاسيما وأن كل دول الاتحاد الأوروبي أقامت شراكات بين شركاتها الكبرى، ويمكن لشركات تعمل في دول لم تناهض سورية ولم تنخرط في الحرب الإرهابية أن تساهم في عملية إعادة الإعمار وتخطي الحظر المفروض من قبل سورية على بعض الحكومات الغربية التي كان لها دور كبير في الحرب الإرهابية والدمار الهائل الذي لحق بالسوريين.

العامل الرابع، في الدول الأوروبية، وحتى في الولايات المتحدة, ثمة شركات كثيرة ليس لها ارتباط بالسياسات الحكومية، بل هي متضررة من هذه السياسات، وتحديداً سياسة العقوبات، سواء ضد سورية أو ضد دول أخرى، وتتطلع هذه الشركات إلى الاستثمار في الدول المستهدفة في العقوبات. ومن المعروف أن كثيراً من الشركات الغربية، الأوروبية والأميركية، التفت على العقوبات التي اتخذتها الحكومات ضد بعض البلدان، وحافظت على استثماراتها, والأرجح أن هذا الالتفاف ينطبق على سورية مثلها مثل دول أخرى استهدفت بالعقوبات.

واضحٌ أن على الدولة السورية والمؤسسات المعنية بعملية إعادة الإعمار وتوفير التمويل، البحث عن هذه الشركات حتى في الدول المعادية لسورية والسعي لجذب استثماراتها ودفعها للإسهام في تمويل عملية إعادة الإعمار، والعوامل الأربعة مجتمعة تؤهل الدول الغربية للإسهام في إعادة إعمار سورية، والمشاركة بعملية التمويل على قاعدة تحقيق مصالح مشتركة.

قد لا تكون المساهمات الغربية في عملية إعادة الإعمار كبيرةً وواسعة، توازي الدور الذي سوف تضطلع به الدول التي وقفت إلى جانب سورية في حربها ضد الإرهاب، مثل روسيا والصين وإيران والهند وجنوب إفريقيا، ولكن المساهمات الغربية ستكون مساهمات نوعية لا يمكن الاستغناء عنها لما تمثله هذه المساهمة من جهد في المجالات المتقدمة التي تتوفر للدول الغربية لكنها غير موجودة في الدول الصديقة لسورية، حيث أن هذه الدول الصديقة، تبني عادةً شراكة تجارية واستثمارية مع شركات غربية بهدف الحصول منها على القدرات التكنولوجية التي تحتاجها. وبديهي أن الدول الصديقة ليست مؤهلة لتقديم هذه التكنولوجيا في مرحلة إعادة إعمار سورية، بل إن مصدرها الحصري الدول الغربية، ولهذا فإن إسهام هذه الدول في عملية إعادة الإعمار هو إسهام نوعي لا يمكن الاستغناء عنه، ويجب على الجهات المعنية في الدولة السورية بذل كل جهدٍ مستطاع للحصول عليه.