Get Adobe Flash player

إذا كانت الدولة السورية والقطاع الخاص السوري سوف يشكلان المصدر الأساسي لمصادر تمويل عملية إعادة الإعمار من القدرات المتوفرة ومن الادخار الذي استطاع بعض السوريين تجميعه، وإن كان بمستويات أدنى مما كان عليه الحال قبل الحرب، سواء من خلال الحفاظ على أعمالهم بوتيرة مقبولة رغم الصعوبات والتحديات داخل سورية، أو من خلال نقل بعضهم الآخر, جزئياً أو كلياً، بعض منشآته إلى الخارج للحفاظ على الأسواق التي كانت تصدر إليها سورية، فإن الدول الصديقة التي لم تؤيد الحرب الإرهابية التي شنت على سورية، أو الدول الصديقة التي عاضدت سورية وساندتها في حربها على الإرهاب، سيكون لها دور كبير وهام في تمويل عملية إعادة الإعمار.

هنا قائمة طويلة من الدول المستعدة ولديها القدرات لتمويل عملية إعادة الإعمار، ولاسيما الجانب الاستثماري منها، ويمكن الإشارة إلى روسيا وإيران والصين ودول أخرى, معروف أن هذه الدول الثلاث التي ساندت سورية، سياسياً, مثل الصين في حربها على الإرهاب، وعسكرياً وسياسياً مثل روسيا وإيران، لدى الدول الثلاث قدرات مالية كبيرة يمكنها أن تساهم في عملية إعادة الإعمار.

مساهمة الدول الثلاث لا تعني بأي حال من الأحوال تحمل أي عبء، كما هو الحال مثلاً بالنسبة للدولة السورية، بل شأنها شأن القطاع الخاص السوري، فإن مساهمتها بإعادة الإعمار تنطوي عل فرص كبيرة للحصول على عائدات وأرباح قد لا تتوفر لشركات هذه الدول في مناطق أخرى من العالم، بسبب حدة المنافسة، أولاً مع شركات أخرى، لاسيما الشركات الغربية، وثانياً بفعل التسهيلات والدعم الذي يمكن أن تحصل عليه من الحكومة السورية.

بهذا المعنى فإن استثمارات القطاعين العام والخاص في الدول الثلاث لديها مصلحة وعندها حوافز قوية للإسهام على نطاق واسع بعمليات إعادة إعمار سورية، ولاسيما في مجالات البنية الأساسية مثل الكهرباء, (محطات التوليد خطوط النقل والمحولات) وهي فعلاً بدأت الاستثمار في هذا القطاع، وفي مجال إعادة بناء شبكة السكك الحديدية التي دمرتها العصابات الإرهابية بشكل كامل، ومعروف أن سورية كانت تحوز على شبكة سكك حديدية تغطي كل أنحاء البلاد من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، ومعروف أيضاً أن لدى الدولة السورية تطلعات قبل الحرب لتطوير وتوسيع هذه الشبكة، وتملك الدول الثلاث القدرات المالية , والخبرة الكافية للإسهام في عملية إعادة بناء شبكة السكك الحديدية.

كما تستطيع الدول الثلاث ولديها المصلحة والقدرة على الإسهام في إعادة إعمار قطاع النفط والغاز, ومعروف أن الاستثمار في هذين القطاعين، وحتى قبل الحرب الإرهابية التي شنت على سورية, كان للاستثمارات الخارجية دور كبير فيها، اليوم يمكن أن يتم التعاون مع الدول الثلاث بشكل رئيسي من أجل إعادة بناء هذه القطاعات. ومعروف أيضاً أن سورية لديها احتياطات بعضها مكتشف لكنه غير مستخرج، وبعضها الآخر غير مكتشف, وهي بعد هذه الحرب المدمرة بحاجة ماسة لاستخدام كل إمكاناتها، بما في ذلك تلك التي كانت في السابق الدولة تريد إرجاء العمل بها إلى وقت آخر بوصفها ادخاراً للمستقبل، لكن ظروف سورية ما بعد الحرب لم تبقِ مجالاً لاستمرار مثل هذه السياسة، وهي الآن بحاجة ماسة لمراجعتها، وفي مطلق الأحوال، فإن الاعتماد على كل القدرات الكامنة في سورية هو أفضل من الاستدانة. واضح أن بعض الشركات من الدول الثلاث بدأت العمل في هذين القطاعين ولاسيما لجهة التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية وفي المنطقة الاقتصادية الواقعة في البحر الأبيض المتوسط وهي من حق سورية دون غيرها من الدول التي تتشارك معها في اقتسام المنطقة الاقتصادية.

كما أن الدول الثلاث معنية بالإسهام بإعادة إعمار المصانع التابعة للدولة السورية، سواء من خلال تقديم المعدات، أو حتى بعض الاستثمارات, إضافة إلى الخبرة، مثل مصانع السيارات والاسمنت، وحتى المصانع التي لا تصنف عادة في إطار الصناعات الثقيلة، من مصلحة سورية اليوم اقتسام الأرباح مع شركات صديقة من الدول الثلاث أفضل من بقاء بعض المصانع مغلقة لأن الدولة السورية، وبفعل الاستنزاف الذي تسببت به الحرب، لا تتوفر لديها الموارد الآن لإعادة عمل هذه المصانع.

الزراعة في سورية، وقطاع السياحة، بحاجة أيضاً لاستثمارات من الدول الصديقة الثلاث، وتملك هذه الدول، إضافة إلى القدرات المالية، الخبرة في تطوير أداء هذين القطاعين لتكون مساحتها عالية جداً في مجمل الدخل الوطني.

من المعروف أن إسهام الزراعة قد تراجع في الدخل الوطني السوري، أما السياحة فكانت حصتها متواضعة على الرغم من أن سورية لديها قدرات سياحية هائلة لكن الاستثمار في هذا القطاع كان ضعيفاً، وكانت السياحة موجهة فقط لتلبية الطلب الداخلي، لكن يمكن تطوير قطاع السياحة من خلال تعاون فعال لاسيما بين سورية وكل من روسيا والصين اللتين باتت لديهما خبرات في هذا المجال، والاستثمارات في هذين البلدين، إضافة إلى الاستثمار في قطاع السياحة الدينية بالنسبة لإيران, يمكن أن يدفع الدول الثلاث للعب دور كبير في عملية إعادة إعمار قطاع السياحة، بل التوسع في هذا القطاع إلى مستوى لم تشهده سورية من قبل، لكن المطلوب من الدولة السورية أن تضع مخططاً توجيهياً، وأن تحدد دفتر الشروط، بما ينطوي عليه من تحفيز للاستثمار من الدول الثلاث للإسهام في إعادة إعمار سورية.

واضح أن ثمة مجالات كثيرة وفي جميع القطاعات تستطيع الدول الثلاث الصديقة المشاركة من خلالها في عملية إعادة إعمار سورية.

ليست المجالات التي تم ذكرها وحدها التي يمكن أن تستقطب الاستثمارات, الخاصة والعامة، من الدول الثلاث، بل إن قطاع البناء والتشييد هو الآخر مرشح للقيام بدور مماثل، لاسيما وأن هناك مدناً بأكملها يجري التخطيط لإعادة بنائها، وبديهي أن بناء هذه المدن, سواء بمبادرات من القطاع الخاص السوري، أو من خلال تعاون بين القطاعين العام والخاص بفعل الدمار الواسع الذي طال غالبية المدن الكبرى السورية، بما تحتويه من منشآت هامة ومدن صناعية، وبالتالي فإن سورية بحاجة ماسة لإسهام خارجي في تمويل عملية إعادة إعمار الكثير من المدن السورية، وبديهي أن المطلوب أن يجري تحفيز الدول الثلاث الصديقة، والقطاعين العام والخاص فيها للإسهام في عملية إعادة الإعمار على قاعدة المنفعة المشتركة، وهذا يتطلب من الدولة السورية على وجه الخصوص, وضع خطة لجذب الاستثمارات لصالح هذا القطاع، لأن الاستثمارات لن تأتي من تلقاء ذاتها، وبالتحديد إلى هذا القطاع الذي جرت العادة على أنه من اختصاص القطاع الخاص والعام السوري وأنه مجال عمله الحصري باستثناءات محدودة ظهرت قبل اندلاع الحرب في المناطق السورية، وتحديداً في منطقة يعفور جنوب دمشق.