القطاع الخاص السوري، وتحديداً المستثمرين السوريين الموجودين في عالم الاغتراب، سواء قبل الحرب الإرهابية على سورية أو الذين اضطروا إلى ترك البلاد أثناء الحرب واستثمروا في الخارج لديهم رؤوس أموال كبيرة تستطيع أن تلعب دوراً هاماً في تمويل عملية إعادة الإعمار، سواء في القطاع السكني أو في القطاع السياحي أو القطاع الصناعي، وسورية بحاجة لاستثمارات القطاع الخاص المقيم في الخارج بسبب اتساع عملية إعادة الإعمار نتيجة لما أسفرت عنه الحرب من دمار شامل وتبديد لمدخرات الدولة والمواطنين طيلة ثمان سنوات.

لا شك أن القطاع الخاص السوري، أو المستثمرين السوريين في الخارج هم ثلاث فئات:

•          فئة أولى، رأسماليون أشهروا عداءهم للدولة ووقفوا إلى جانب الدول التي شنّت الحرب الإرهابية على سورية وهذه الفئة تمثل أقلية، حتى لا يكاد يمكن التعرف إلى رأسمالي واحد من هذه الفئة، لكن في مطلق الأحوال هؤلاء مستبعدون من المشاركة في عملية إعادة الإعمار حتى لو أرادوا ذلك، أولاً لأنهم أقلية ولن يؤثر غيابهم كثيراً في الإسهام في عملية إعادة الإعمار, وثانياً عداء هؤلاء للدولة والشعب السوري يستوجب معاقبتهم وأقل عقاب ممكن هو حرمانهم من الإسهام في عملية إعادة الإعمار كي لا يحصلوا على الأرباح والمنافع من هذه العملية، وثالثاً، هؤلاء يشكلون خطراً على الدولة السورية وعلى الاستقرار بسبب ارتباطاتهم الخارجية.

•          فئة ثانية، وهي الفئة الأكبر والأكثر اتساعاً, هذه الفئة لم تكن طرفاً في الصراع، بعضها موالٍ للدولة وظل موالياً للدولة ولكنه للحفاظ على استثماراته وعدم خسارة الأسواق التي كان يصدّر إليها، نزح عن سورية وأقام إما في مصر أو لبنان أو الأردن أو تركيا، سيما وأن بعض أفراد هذه الفئة كانت مصانعهم تحت سيطرة المجموعات المسلحة، وبالتالي خسروا معاملهم، ولم يكن بمقدورهم إعادة بنائها في المناطق الآمنة، لأن تصدير ما ينتجوه إلى المحافظات السورية أو إلى خارج سورية، والحفاظ على طاقتهم الإنتاجية كاملة كان صعباً ومتعذراً, أولاً بسبب عدم توفر الكهرباء والفيول، وثانياً، بسبب ندرة الأيدي العاملة لأن الشباب السوري إما انه التحق بالجيش لمكافحة الإرهاب، أو نزح مع ذويه إلى خارج سورية، وثالثاً بسبب انقطاع منافذ تصريف المنتجات داخل سورية وخارجها بسبب سيطرة الإرهابيين على معظم الطرق التي تربط بين المحافظات أو تشكل منافذ حدودية إلى خارج سورية، ومما لا شك فيه أن غالبية هذه المعوقات لا تزال قائمة حتى اليوم، وجميع الصناعيين يشكون من وجودها.

في مثل هذه الظروف وقياساً إلى تجارب دولية أخرى لم يكن مفاجئاً أن يهاجر المستثمرون السوريون إلى خارج سورية رغماً عنهم وبسبب ما ترتب على الحرب الإرهابية التي استمرت ثماني سنوات ودارت بالدرجة الأولى في المناطق التي تقع فيها المدن الصناعية.

هذه الفئة من المستثمرين السوريين، سواء كانوا موالين للدولة السورية وجاهروا بولائهم حتى في الخارج، أو وقفوا على الحياد لأنهم بالأساس لا يهتمون بالعمل السياسي واهتمامهم منصبّ على أعمالهم واستثماراتهم، يجب أن يلعبوا دوراً كبيراً وهاماً في عملية إعادة الإعمار ولا يمكن الاستغناء عنهم في هذه العملية لأسباب كثيرة أبرزها:

أولاً، لأن لديهم استثمارات كبيرة، وعمدوا إلى تعظيمها أثناء عملهم في الخارج، وسورية اليوم بحاجة ماسة إلى استثماراتهم بسبب اتساع عملية إعادة الإعمار نتيجة الخراب الواسع الذي تسببت به الحرب، واستنزاف مدخرات الدولة والقطاع الخاص المقيم في سورية، بما في ذلك قطاع الأعمال نتيجة لتقلّص حجم العملية الإنتاجية بسبب الوضع الذي نشأ عن الحرب. وبكل تأكيد إمكانية الاعتماد على هؤلاء المستثمرين والعمل على إعادتهم إلى سورية هي أسهل من جلب واستقطاب استثمارات خارجية من مصادر أخرى.

ثانياً، حافظ هؤلاء المستثمرون، سواء كانوا صناعيين أو في مجالات أعمال أخرى، على الخبرات وجودة الإنتاج والكادر الغني الكفؤ، وهو ما يعاني منه قطاع الأعمال الخاص والعام داخل سورية، ولا يمكن لقطاع الأعمال استعادة المكانة التي كان عليها قبل الحرب إذا لم يتم إعادة هذه الفئة من المستثمرين السوريين إلى داخل البلاد من جديد.

مما لا شك فيه أن هؤلاء بعضهم سيعود من تلقاء ذاته وتحت تأثير رغبته في توسيع استثماراته في بيئة يعرفها جيداً، وفي بلد يقدم له مزايا قد لا تتوفر في البلد الذي نزح إليه، والبعض الآخر قد يتردد في العودة إلى سورية والإسهام في إعادة الإعمار، وإزاء هذا البعض لا بد للدولة بمؤسساتها المختلفة، الحكومية والأهلية مثل غرف الصناعة والتجارة، أن تقوم بدور خاص لحث هؤلاء المستثمرين للعودة إلى بلادهم وتقديم الضمانات التي يتطلعون إليها. ولا بد من أن تضع الحكومة وأجهزة الدولة الأخرى وغرف الصناعة والتجارة خططاً عملية محددة للعمل على استعادة هؤلاء المستثمرين وتقديم الإغراءات لهم للعودة وإزالة العقبات والعراقيل التي تعترض عودتهم.

الفئة الثالثة، هي المستثمرين السوريين الموجودين خارج سورية قبل الحرب، منهم من غادر سورية بعد التأميم في سنوات الوحدة مع مصر، ومنهم من غادر سورية قبل ذلك بوقتٍ طويل. لا شك أن لدى هذه الفئة قدرات استثمارية هائلة، وبعضهم يتطلع بحماس وشغف للإسهام بإعادة إعمار سورية ليس فقط لأن أصله سوري، بل لأنه يسعى إلى تحقيق الربح وتعظيم عائدات استثماره. لدى هذه الفئة ليس فقط استثمارات كبيرة تحتاجها سورية في عملية إعادة الإعمار وتغنيها عن الديون وعن مساهمة دول أجنبية، بل لديها قدرات وكفاءات لا تتوفر للمستثمرين السوريين المقيمين أو الذين نزحوا خلال الحرب، كما أن لديهم علاقات مع الأسواق ومصادر التمويل لا تتوفر للدولة السورية، والمستثمرين السوريين، كل ذلك يجعل من الملح والضروري والهام العمل على استقطاب هؤلاء المستثمرين، وتقديم التسهيلات لهم، وإزالة العراقيل التي تعترضهم، وتسوية أوضاع من يحتاج إلى تسوية.

إذا ما قامت الدولة وغرف الصناعة والتجارية بدورها، وإزاء هؤلاء المستثمرين تحديداً فإن دورهم سيكون عظيماً في عملية إعادة الإعمار وإعادة سورية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بل أكثر من ذلك يساعد في تحقيق تنمية اقتصادية تقود إلى استغلال وتعظيم القدرات الكامنة التي تحوز عليها سورية في مجالات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والطاقة.

من خلال كل ما تقدم يتضح أن القطاع الخاص يستطيع أن يلعب دوراً في تمويل عملية إعادة الإعمار يفوق الدور الذي تلعبه الدولة، ويساعدها على توجيه مقدراتها إلى مجالات أخرى مثل البنية الأساسية والمجهود الحربي.