Get Adobe Flash player

القطاع الخاص, أو الاستثمارات والمدخرات التي يمتلكها المواطنون السوريون، يمكنها أن تلعب دوراً لا يقل عن دور الدولة السورية في عملية إعادة إعمار سورية، سواء تعلق الأمر بإعادة بناء المصانع, أو تنشيط الدورة الاقتصادية، أو الاستثمار في الزراعة. لا شك أن مدخرات المواطنين واستثماراتهم قد لا تكون معنية بتمويل عملية إعادة الإعمار المتعلقة بالبنية الأساسية وبعض المرافق الخدمية، ولكن لها دور كبير ومهم في إنهاض القطاعين الإنتاجيين الهامين، الصناعة والزراعة، كما لها دور مهم في التوسع في بناء قطاع سياحي قادر على جلب ملايين السياح إلى سورية مع ما يقود إليه ذلك من الحصول على عملات صعبة وتشغيل أيدٍ عاملة سورية وتنشيط الطلب على السلع التي يستهلكها ويرغب في الحصول عليها السياح. كما أن القطاع الخاص يمكنه أن يلعب دوراً هاماً في عملية إعادة الإعمار وتمويل كلفة إعادة الإعمار بالنسبة لقطاع السكن سواء عبر التعاونيات السكنية، أو عبر المبادرات الفردية بقدرات المواطنين الذاتية.

على صعيد إعادة ترميم وبناء ما هدّمته الحرب في القرى والأحياء فإن المواطنين ما إن نهضت الدولة بواجبها في إعادة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء وتشغيل الأفران وترميم المدارس، حتى بدأ آلاف المواطنين بترميم بيوتهم أو إعادة بنائها من ادّخاراتهم الشخصية. كما أن الكثير من التعاونيات السكنية التي كانت تمول بناء شقق للسكن وتوقفت أثناء الحرب، ما إن انتهت الحرب في الجزء الأكبر من الأراضي السورية حتى عادت من جديد إلى العمل، وتقوم بتجميع رأسمالها اللازم من خلال مساهمات المكتتبين بهذه التعاونيات.

يمكن لحث المواطنين وتقديم التسهيلات لهم، ونهوض الدولة بواجبها في قطاع الخدمات، أن توفر فرصاً لمساهمة فاعلة في عملية إعادة الإعمار، وتمويلها من قبل القطاع الخاص، وهي عملية بدأت فعلاً في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة، وفي قطاع الخدمات مثل السياحة والنقل، وفي عملية إعمار البيوت والأسواق المهدمة في الأرياف وبعض المدن، ويشكل ذلك مساهمة فعالة من قبل القطاع الخاص في تمويل إعادة الإعمار، سيما وأن غالبية السوريين حافظ أثناء الحرب على بعض مدخراته، وبعض آخر لم يؤثر عليه انخفاض سعر الليرة لأنه حافظ على مستوى الأرباح التي كان يحصل عليها قبل الحرب، وبالتالي لم تتأثر مدخراته، ويسعى الآن إلى وضع هذه المدخرات في إطار عملية إعادة الإعمار عبر مبادرات فردية مثل ترميم بيوت، وإعادة بناء بيوت أو محال تجارية تهدمت كلياً أو تنشيط عمله في الحقول الزراعية.

كما أن ملايين السوريين المقيمين في الخارج بسبب ظروف الحرب وبدأ بعضهم بالعودة، فإن غالبية هؤلاء جمعوا مدخرات ويعملون اليوم على توظيفها في عملية إعادة الإعمار، سواء لبناء بيوتهم التي تضررت أثناء الحرب، أو تنشيط أعمالهم الأخرى، سواء كانت تجارية أو زراعية من خلال الأموال التي ادخروها أثناء وجودهم في الخارج.

على أية حال تمويل الجزء الأكبر من إعادة الإعمار في بعض القرى والبلدات، وحتى في بعض الأحياء في المدن التي تهدمت خلال الحرب تأتي من هذه المصادر، وقد بلغت تحويلات السوريين في الخارج في ذروة الحرب، وحتى قبل عودتهم أكثر من (7) ملايين دولار يومياً، وغالبية هذه التحويلات كان ينفق على عمليات الترميم، وتصاعدت هذه العملية بعد انحسار الحرب عن حوالي (80)% من المناطق السكنية.

لقد برهنت تجارب كثيرة، وبينها تجربة سورية في السنتين الماضيتين، أن تمويل إعادة الإعمار من قبل مواطنين، وحتى من دون وجود مساندة ودعم من الدولة، بل عرقلة في بعض الأحيان من بعض الأجهزة المعنية والموجودة على الأرض بهدف الحصول على الرشوة، هي عنصر فاعل في عملية إعادة الإعمار وهي أكثر دينامية وبساطة من خطط الدولة ومبادراتها التي غالباً ما يتحكم بها الروتين والبيروقراطية.

المطلوب اليوم في عملية إعادة الإعمار للحصول على نتيجة أفضل وأكثر تأثيراً واتساعاً والحصول على دفق مالي فعال لتمويل هذه العملية, التوقف عن عرقلة مبادرات المواطنين التي تأتي في غالب الأحيان من السلطات المحلية بهدف الحصول على الرشوة، وهو أمر يلعب دوراً كبيراً في عرقلة انسياب الأموال اللازمة للقطاع الخاص لتمويل إعادة الإعمار.

ويمكن لمبادرات ومساهمة القطاع الخاص أن تكون عملية شاملة وليست جزئية، فهناك مئات المستثمرين الذين أعادوا بناء مصانعهم في المدن الكبرى ولاسيما في مدينة حلب وكان لهم الفضل الكبير في دوران العجلة الصناعية على الرغم من أنهم يشكون من مضايقات السلطات المحلية وقصور القوانين المعنية بتنظيم عملية إعادة الإعمار وتيسير هذه العملية، كما أن هناك آلاف المزارعين الذين عادوا إلى قراهم ورمموا بيوتهم من حسابهم الخاص، وبدأت دورة العمل في القطاع الزراعي بالعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب, كما أن هناك عشرات التعاونيات السكنية التي استأنفت عملها من خلال اكتتاب المواطنين، إضافة إلى بناء الكثير من الورش الصغيرة وإعادة تأهيلها، وبالتالي يمكن الاستنتاج أن القطاع الخاص يقوم الآن عملياً بتمويل عمليات لإعادة إعمار ما هدمته الحرب وتنشيط أداء فروع الاقتصاد المختلفة وهذا لا يقل أهمية عن ما تقوم به الدولة على صعيد إعادة ترميم وبناء البنية الأساسية.

عشرات المؤتمرات التي ضمت رجال أعمال سوريين عقدت في دمشق وحلب ومدن أخرى بمبادرة من القطاع الخاص ناقشت خطط إعادة الإعمار ومصادر تمويلها، ويمكن القول بدون تردد أن القطاع الخاص سبق الدولة في هذا المضمار. صحيح أن حوافز القطاع الخاص هي الربح، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية الدور الذي لعبه عملياً القطاع الخاص السوري في انطلاق عملية إعادة الإعمار وتمويل هذه العملية وتحقيق نجاحات كبيرة وتجنيب الدولة تحمل أعباء هائلة.

المصارف السورية، الخاصة بشكل رئيسي بمقدورها أن تلعب دوراً هاماً في تمويل إعادة الإعمار من خلال منح القروض للتعاونيات السكنية ولرجال الأعمال في جميع القطاعات، وللمشاريع الصغيرة. صحيح أن قطاع المصارف تضرر كثيراً أثناء الحرب، ولكنه لا زال موجوداً ويقوم بتجميع مدخرات بعض السوريين، وعلى قطاع المصارف أن يبحث عن الوسائل لاستثمار هذه المدخرات، وتمويل عملية إعادة الإعمار هي من أهم مجالات التوظيف بالنسبة للمصارف السورية، سيما وأن هناك تحفز لدى المصارف العربية والأجنبية للمساهمة في عملية إعادة الإعمار, ويمكن للمصارف السورية أن تكون بوابة المصارف العربية للقيام بهذه العملية، ولكن ذلك لن يتحقق طالما أن تفكير قطاع المصارف السورية والقيمين عليه محصورة بأعمالهم الضيقة الحالية, وعاجزين عن وضع استراتيجيات فاعلة للإسهام بقوة في عملية إعادة الإعمار. تنمية دور المصارف السورية في عملية إعادة الإعمار وتعزيزه مرتبطة بمبادرات تقوم بها المصارف, ومرتبط بإجراءات تقوم بها أجهزة الدولة السورية المعنية بالقطاع المصرفي والمعنية بالإشراف على عملية إعادة الإعمار.

مبادرات المواطنين الخاصة، حتى لو كانوا عمال ومن ذوي الدخل المحدود في إعادة إعمار منازلهم وتنشيط أعمالهم الاقتصادية، ومبادرات قطاع الأعمال الصناعي والزراعي والسياحي، والدور الذي يتوجب على المصارف السورية الخاصة القيام به، كل ذلك يشكل مصدراً هاماً ومتوفراً الآن لتمويل عملية إعادة الإعمار.

المطلوب الآن من قبل الدولة تنظيم هذه العملية والتنسيق بين أطرافها الفاعلة وتقديم التسهيلات لهم وإزالة العراقيل التي تضعها السلطات المحلية وبعض مراكز النفوذ والتي تلعب دوراً هاماً في عرقلة الحصول على نتائج, لا يمكن أن تتحقق في وجود هذه العراقيل.