ليس مكافحة الفساد وحده شرطٌ مسبقٌ لجذب الاستثمارات وتفعيل الادّخار للإسهام في عملية إعادة الإعمار بل إن «البنية التشريعية والشفافية هي الأخرى شرط لا يقل أهمية عن شرط مكافحة الفساد». العدو اللدود لجذب الاستثمارات من الخارج، أو دفع الادّخار للإسهام في النشاط الاقتصادي، وأكثر حتى من الحرب، هو غياب البنية التشريعية التي تشجع الاستثمارات الخارجية والادّخار المحلي وتقدم له الحماية الكافية.

هذه حقيقة أكدها رئيس مجلس مفوضية هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية عابد فضيلة بقوله «إن عملية جذب المستثمرين والممولين من الخارج، سواء كانت أموالاً سورية مهاجرة أم عربية أو أجنبية تتم عبر إيجاد البنية التشريعية المناسبة والتي يجب أن تكون واضحة وشفافة ومطمئنة ومشجعة»، ومسؤولية إيجاد هذه البيئة تقع حصراً على الدولة السورية بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية، وليس على أي جهة مهما بلغ إغراء الاستثمار، وفي سورية هناك إغراء حقيقي للمستثمرين، سواء كانوا أجانب أم سوريين للتوظيف والعمل لأن جميع التقديرات تشير إلى أن إعادة إعمار سورية تحتاج إلى استثمارات ما بين 250 مليار و750 مليار دولار، وبديهي أن سورية لديها الكثير من القطاعات الواعدة بالنسبة للمستثمرين، ليس فقط في مرافق وقطاعات الطاقة (الغاز والنفط وبعض الثروات المعدنية مثل الفوسفات)، بل إعادة إعمار مدن وأحياء بكاملها، وشق طرق إضافية وإعادة بناء سكك الحديد، إضافة إلى ترميم ما تهدم في الحرب.

بديهي أن توجه استثمارات تتراوح بين 250 و750 مليار دولار لن يحدث من دون أن يحصل المستثمرون سواء كانوا سوريين أو عرب أو أجانب على ضمانات وهذه الضمانات تقدمها الدولة من خلال إيجاد البيئة التشريعية الملائمة والشفافية وإبعاد نشاط المستثمرين عن أي مضايقات تحصل، سواء كانت ناجمة عن تعقيد الروتين، أو عن تدخلات نافذين في الدولة يريدون الحصول على مكاسب وامتيازات على حساب المستثمرين.

لكن ما المقصود بالبيئة التشريعية الجاذبة للاستثمار التي يتوجب على الدولة السورية توفيرها كي تنطلق عملية إعادة الإعمار بزخم ٍكبير، وتحقق النتائج المرجوة منها بالسرعة التي يأملها السوريون، وبما يحقق طموحات الدولة السورية؟

يؤكد فضيلة من موقعه كمسؤول في الدولة بالحاجة إلى تشريعات جديدة تساعد على إيجاد هذه البيئة المطلوبة ويقول «من الناحية النظرية البيئة التشريعية في سورية مناسبة لجذب الاستثمارات والتمويل»، ولكنه يستدرك قائلاً «المشكلة في التنسيق، حيث يجب إيجاد طريقة لمنح التراخيص الاستثمارية المناسبة ضمن السرعة والضوابط المناسبة وضمن الحوافز المشجعة، وإلغاء البيروقراطية التي تنفّر المستثمر».

المطلوب من أجل توفير شروط البيئة الجاذبة للاستثمار للإسهام في عملية إعادة الإعمار، أولاً وبالدرجة الأولى وضع القوانين التي تنظم الحقوق والواجبات بالنسبة للمستثمرين, على أن تكون هذه القوانين محددة وواضحة وليس فيها أي غموض يمكن استغلاله للتأثير سلباً على جاذبية سورية للاستثمارات, وأن تنص أيضاً القوانين على تسهيلات محددة، وتقديم الحماية الكاملة للمستثمرين.

على أية حال يعرف الأكاديميون البيئة الاستثمارية الصالحة لجذب الاستثمار ولاسيما في بلد مثل سورية عانى كثيراً من حربٍ مدمرة من خلال التركيز على بعض شروطها أو مقوماتها. وفي مقدمة ذلك الاستقرار لاسيما في دولة عانت من حربٍ ضروس اتسعت لتشمل معظم مدنها الكبرى وغالبية أريافها, وهذا الشرط على أية حال وفرته القوات المسلحة من خلال فرض سيطرة الدولة وتأمين الاستقرار الأمني والحؤول دون حصول أي اضطرابات من أي نوعٍ كان. كما أن من شروط البيئة الجاذبة للاستثمار التشريعات الضريبية، على هذا الصعيد لا يزال أمام الدولة السورية والجهات المعنية فيها عمل كبير من أجل تحقيق هذا الشرط، فالمستثمر ورجل الأعمال، بمعزل عن جنسيته, يسعى إلى تحقيق الأرباح من الاستثمار, وبديهي أن مستوى الضريبة يؤثر على وجهة الاستثمار، إذ من المعروف أن دولاً كثيرة لم تكن بحاجة للاستثمارات الخارجية لمواجهة تركة حربٍ ثقيلة مثل الحرب على سورية، لجأت إلى ما يعرف بالجنة الضريبية لجذب استثمارات ساعدتها على إطلاق تنمية اقتصادية والارتقاء بمستوى أداء اقتصادها. وبديهي أن سورية تحتاج إلى سنّ تشريعات تتعلق بالضريبة على عائدات الاستثمار في عملية إعادة الإعمار تأخذ بعين الاعتبار الظروف الضاغطة وحاجة سورية إلى الاستثمارات لأنها فقدت الكثير من مدخراتها ولا يمكن للاستثمار أن يأتي بالسرعة التي تطلبها الدولة السورية والمساهمة بعملية إعادة الإعمار إذا لم تكن هناك إغراءات ومن بين هذه الإغراءات مستوى الضريبة، وبالتالي تحتاج القوانين الضريبية في سورية إلى تعديل يأخذ بعين الاعتبار احتياج سورية لاستثمارات لا يمكن جذبها عبر القوانين الضريبية المعمولة بها قبل الحرب.

كما أن جذب الاستثمارات الخارجية يحتاج إلى تكييف بنية الخدمات لتسمح وتساعد على الاتصال مع مختلف الأسواق الإقليمية والدولية والعالمية لتبادل المعلومات وربما البيانات المساعدة، وهذا كله يحتاج إلى تعديل بعض القوانين والإجراءات المتعلقة بهذا الشأن، كما أن البيئة الصالحة لجذب الاستثمار تتطلب حصر التعامل مع المستثمرين بأجهزة الدولة المكلفة إدارة عملية الإعمار بعيداً عن ضغوط جماعات نافذة تحاول فرض شروطها الخاصة، وبديهي أن ذلك يتطلب أيضاً تشريعات وقوانين. ومطلوب أيضاً تفعيل أسواق مالية كفوءة تسهل عملية تداول الأوراق المالية، إذ من المعروف أن البورصة السورية متواضعة إلى درجةٍ كبيرة, ومن الصعب عليها الإسهام بدورٍ كبير في عملية إعادة الإعمار إذا لم يكن هناك جهد لتفعيلها والارتقاء بأدائها، وتعديل القوانين التي تساعد على تحقيق هذه الغاية، وإزالة العراقيل التي تحول دون وجود أسواقٍ مالية سورية كفوءة قادرة على إدارة عملية إعادة الإعمار التي يطمح السوريون أن تكون مدخلاً لولادة سورية جديدة ومتجددة تكون أفضل مما كانت عليه قبل الحرب التي شنت عليها.

إذن هناك إجماع لدى الخبراء والأكاديميين المعنيين بجذب الاستثمار سواء من أجل التنمية الاقتصادية أو من أجل إعادة بناء وإعمار دول تعرضت لحرب مدمرة مثل سورية على أن «البيئة التشريعية والقانونية تلعب دوراً أساسياً» لجذب الاستثمار وتحفيز ممارسة الأعمال «من خلال تفعيل القوانين والتشريعات لتقوم بدورها الرقابي والتنظيمي» ومن المفيد التأكيد على أن التشريعات المتعلقة بتنظيم عمل الاستثمار في مرحلة إعادة الإعمار عليه أن يراعي خدمة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، لا أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى عملية نهب لثروات البلاد من قبل المستثمرين، سواء كانوا أجانب أو عرب أو سوريين على غرار ما يحصل في دول عديدة، حيث بذريعة عملية التنمية أو إعادة الإعمار يتم نهب ثروات بلدان عديدة.

لكن كل ذلك يحتّم وضع قوانين وتشريعات واضحة، من جهة تقود إلى جذب الاستثمار ومن بين هذه التشريعات تشريعات تتضمن آلية متعارف عليها لفض المنازعات, ومن جهة أخرى حفظ حقوق سورية الدولة والمجتمع.

من نافل القول إن مثل هذه البيئة التشريعية لم تكن موجودة في سورية التي كانت تعتمد في عملية التنمية على قدراتها الذاتية ومدخرات القطاعين العام والخاص, ولكن بعد الحرب لم تعد لدى سورية القدرات الذاتية، وبالتالي باتت بحاجةٍ ماسة إلى استقطاب وجذب استثمارات خارجية, وتحفيز المستثمرين السوريين، المقيمين في سورية والذين يقيمون خارجها، وذلك لن يتحقق من دون تشريعات جديدة.

هذا أول عمل يجب أن تقوم به مؤسسات الدولة لتأمين مصادر تمويل عملية إعادة الإعمار.