Get Adobe Flash player

سادساً، السياحة. من الناحية النظرية تحتل السياحة المرتبة السادسة في أولويات إعادة البناء، ولكن إذا ما أخذ بعين الاعتبار سهولة النهوض في هذا القطاع، وتوجه الاستثمارات نحوه، والإمكانات المتوفرة موضوعياً، والإقبال المحتمل للسياح، وما يدره من عملة صعبة، وما يتركه من تأثير على مجمل الدورة الاقتصادية، فيمكن القول إن إعادة بناء وإنهاض هذا القطاع، والتوسع به يضعه في المرتبة الأولى بالتوازي مع القطاعات الأخرى، سواء إعادة بناء البنية الأساسية، أو إنهاض قطاع الطاقة ( النفط والغاز، والكهرباء). وفعلاً من تلقاء ذاتها بدأت السياحة بالنهوض تحت ضغط الحاجات ومبادرات ذاتية ولاسيما السياحة الثقافية، حيث سجل حوالي 750 ألف زائر أجنبي إلى سورية في عام 2018.

لكن قبل عرض إمكانات وقدرات سورية السياحية من الناحية الموضوعية، والمجالات التي يجب التركيز عليها في عملية إعادة إعمار هذا القطاع، وضرورة التوسع في عمله، لا بد من التوقف بدايةً أمام رأي لا يزال يهيمن على عقول عدد من الكتّاب والمختصين بالشأن الاقتصادي، حيث يجحد هؤلاء أهمية هذا القطاع، ولا زالوا يضعونه في إطار الاقتصاد الريعي، ويقدمون عليه القطاعات الإنتاجية الأخرى، ولاسيما الصناعة والزراعة.

في الواقع يبدو تصنيف قطاع السياحة وكأنه فعلاً قطاعاً ريعياً كونه لا ينتج سلعاً مادية بشكل مباشر تصنيفاً صحيحاً، ولكن هذا التصنيف غير دقيق على الإطلاق. منشآت القطاع السياحي، سواء الفنادق وأماكن الترفيه الأخرى تحتاج إلى مواد أولية هي مصنّعة، الاسمنت مصنّع في الداخل، وبالتالي التوسع في هذا القطاع يزيد الطلب على صناعة الاسمنت، تأثيث المرافق السياحية يشغّل معامل الموبيليا، ويزيد الطلب على مواد أولية أخرى، ومن نافل القول إن قطاع السياحة من خلال مئات آلاف، بل ملايين الزوار، في حال ازدهار القطاع السياحي، الذين يأكلون ويشربون في سورية، يزيد الطلب على السلع الغذائية كما أن غالبية السياح، لا يكتفون بالأكل والشرب والإقامة، بل إن السياحة فرصة للتبضع، أي شراء الحاجات المصنعة من ملابس ومنتجات أخرى صناعية وزراعية، وكل ذلك يقود إلى تنشيط القطاعات الإنتاجية، وبهذا المعنى السياحة قطاع مستهلك للمنتجات السلعية، ولكنها تعزّز الطلب على هذه المنتجات، وهي تلعب دور الرافعة لقطاعات ثلاثة هي الصناعة والزراعة والخدمات.

فضلاً عن ذلك إن المبيت في الفنادق لقاء بدلات باتت معروفة أسعارها تدر مئات ملايين الدولارات والعملات الصعبة الأخرى التي تحتاجها سورية، ويكون لها انعكاسٌ إيجابيٌّ على ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وعلى سعر العملة الوطنية. إذا ما أخذ كل ذلك بعين الاعتبار فإنه من الصعب التعامل مع القطاع السياحي بازدراء من خلال وصفه بأنه قطاع ريعي والتقليل من أهمية وقيمة التركيز عليه في إطار الأولويات في عملية إعادة الإعمار. بات تأثير القطاع السياحي في مجمل عملية التنمية أمراً مسلماً به من قبل الخبراء والمختصين بالشأن الاقتصادي، في هذا السياق يؤكد         يحي سعيدي الأستاذ في كلية العلوم الاقتصادية والتجارية في الجزائر «إن الدلائل العلمية، وتجارب الدول تشير إلى التزايد الملحوظ في الدور الهام الذي تلعبه السياحة بصفة عامة في قضايا التنمية بمفهومها الشامل في اقتصادات الدول» ويعدّد ذلك مشدداً على تدفق رؤوس الأموال، ونقل التقنيات الحديثة، وتشغيل الأيدي العاملة، والمساهمة في تحقيق وتنمية التوازن الاقتصادي بين المناطق، وتحسين ميزان المدفوعات.

على أية حال السياحة باتت اليوم، إذا أُحسن التركيز عليها، وتوفرت الاستثمارات المطلوبة، نقطة انطلاق لازدهار الكثير من الدول والمجتمعات. مثلاً اليوم مدينة دبي في الإمارات العربية ارتكز نهوضها وازدهارها، بل مكانتها العالمية، على قطاع السياحة، وليس من النفط أو أي قطاع آخر، فالطبيعة القاسية في منطقة الخليج التي تجعل السياحة مكلفة، ويتردد السياح في التوجه إلى هذا الإقليم، لم يحل دون نهوض هذه المدينة واحتلالها مكانةً متقدّمة في خارطة الدول السياحية, ويقود القطاع السياحي إلى حصول الإمارات على عشرات مليارات الدولارات.

أما سلطنة عمان، فإنها تسير بخطىً سريعة على الطريق الذي سارت عليه مدينة دبي وتحقق نجاحات واضحة، وبات ازدهار المدن في السلطنة أمراً لافتاً للزوار على الرغم من أن السلطنة فقيرة في مواردها الاقتصادية. يمكن الاستنتاج أن القطاع السياحي في دول لا تتوفر لها مقومات موضوعية، أقصد المناخ والبيئة المتنوعة، وحتى ندرة المواقع والآثار التاريخية، هو قاطرة وأساس ازدهار ونهوض هذه البلدان.

أما البلدان المتقدّمة الصناعية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، لم تعد في هذه الدول مساهمة قطاع السياحة في الإنتاج الوطني مساهمة محدودة بالقياس إلى مساهمة قطاعات أخرى مثل الزراعة والصناعة، بل يمكن القول إنه في بعض هذه الدول فإن عائدات القطاع السياحي، باتت أعلى من عائدات قطاع الزراعة، على الرغم من أن قطاع الزراعة يصنّف نظرياً قطاع منتج في حين يصنّف قطاع السياحة بأنه قطاع ريعي.

مثلاً إسبانيا جنت من عائدات قطاع السياحة في عام 2017 (83) مليار يورو. وبلغ مردود الولايات المتحدة من القطاع السياحي في عام 2008 حوالي (110) مليار دولار, وبكل تأكيد تجاوزت هذا الرقم بكثير منذ عام ذلك التاريخ. وقد بلغ عدد السياح حول العالم في عام 2017 مليار و322 مليون سائح، وتساعد سهولة المواصلات على ازدهار القطاع السياحي. على أية حال القطاع السياحي وقطاع الخدمات بات يهيمن على مجمل الدخل القومي في غالبية الدول التي تصنف بالدول الصناعية، أو الدول المتقدمة.

كل ما تقدم يؤكد أن استمرار بعض الكتّاب الاقتصاديين وبعض الجهات في الدولة السورية عدم إيلاء القطاع السياحي الأهمية التي تتناسب مع مكانته الموضوعية, ومع الدور الذي يمكن أن يلعبه في إعادة إعمار سورية، وتعزيز نهضتها الاقتصادية، يشكل عملاً خاطئاً ويلحق ضرراً كبيراً بمسيرة إعادة بناء إعمار سورية.

ثمة ما يشبه الإجماع لدى الخبراء والمختصين بشؤون التنمية على أن «السياحة أصبحت من المصادر الأساسية المشاركة في حركة التنمية الاقتصادية، وخصوصاً في الدول النامية، بحيث تمثل بديلاً هاماً للقطاعات الأخرى التي لا تمتلك فيها هذه الدول قدرةً تنافسية كبيرة» (1). والتنمية السياحية التي يجب أن تكون أحد محاور إعادة بناء وإعمار سورية تعني «استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة في المجتمع أحسن استخدام ممكن، بحيث تدر أكبر عائد، ويستفاد منها أكبر استفادة ممكنة لزيادة الدخل والتشغيل في المجتمع»(2).

ومما لاشك فيه أن التركيز على القطاع السياحي والتنمية السياحية له أهدافٌ محددة، وهي تحقيق نمو سياحي، وتدعيم المردودات الاقتصادية للسياحة، وزيادة فرص العمل وخفض البطالة، وزيادة عائدات الدولة من النشاط السياحي، وزيادة الدخل الوطني الإجمالي، وتنمية البنية الأساسية، وتوفير التسهيلات اللازمة للسائحين، وكل ذلك ينعكس إيجاباً على كل فروع عملية إعادة الإعمار، وتسهيل هذه العملية، وتشكيل رافد يساعد الدولة على تغذية الخزينة وتنشيط الدورة الاقتصادية بشكل عام.