Get Adobe Flash player

ثالثاً، الصناعات المنبثقة من النفط ومشتقاته. لا شك أن ثمّة صناعات واسعة الاستخدامات يمكن استخراجها من المواد النفطية. معروف أن دول منتجة للنفط، مثل المملكة العربية السعودية وإيران، طوّرت صناعات من المشتقات النفطية، حولت من خلالها هذه الصناعات إلى ميزة تنافسية نظراً لسهولة الحصول على المواد الأولية ورخص هذه المواد بالمقارنة مع صناعات الدول غير النفطية التي كانت تحتاج إلى استيراد (النفط) وبعد ذلك إنشاء صناعات من مشتقاته.

الصناعات المشتقة من النفط ليست وقفاً على غاز السيارات ووقود الطائرات، والاستخدامات الأخرى مثل المازوت في التدفئة وفي الزراعة. بل إن المشتقات البترولية تستخدم في صناعات أخرى. فحسب موقع «كيد 2» إن ما يعادل برميل بترول يساوي 159 ليتراً، وان نسبة 46% فقط من كل برميل بترول هي التي تستخدم لاستخلاص البنزين ومشتقات أخرى، أما الباقي فيدخل في صناعات أخرى.

مثلاً مادة الفازلين تستخرج من النفط، ومن الصناعات المرتبطة بمشتقات النفط الزيوت المعدنية، وكذلك بعض الجوارب مشتقة من المواد النفطية وأيضاً مستحضرات التجميل، أو بعضها على الأقل ومغلفات الأواني التي لا تلتصق وأقلام التلوين، والأقمشة الصناعية مثل البولستر، وهي بالأساس من المشتقات النفطية، وحتى الأسبرين «يبدأ معظم تصنيعه اليوم من مادة البنزين، وهو مادة هيدركونية مشتقة عادة من البترول». أيضاً الكثير من معدات الرياضة تم تصنيعها من المشتقات البترولية مثل كرات الغولف، وكرات السلة ومضارب التنس والزلاجات. كذلك أطقم الأسنان الصناعية تستخرج من مشتقات النفط، وحتى معجون الأسنان يعتمد على «عدد كبير من المكونات القائمة على النفط أكثر من أي منتج آخر», وأيضاً بعض إطارات السيارات يتم تصنيعه من المشتقات النفطية، ومعروف أن البلاستيك مصنوع من المنتجات البترولية وخاصة النفط. كثير من الأواني المنزلية تنتج من المواد النفطية، ولعل هذا من أبرز ما اشتهرت به إيران حيث هناك أجنحة في معارضها تلاقي إقبالاً كبيراً هي صناعة هذه الأواني المنزلية وبأسعار مقبولة تتناسب مع مستويات المعيشة المختلفة.

على أية حال صناعة البتروكيميائية تقوم على مشتقات النفط أكثر من أي مادة أولية أخرى. وتدخل صناعة المواد الخام من مشتقات البترول مثل الشمع والإسفلت والهيدروجين الصناعي، وكذلك اللدائن والصباغ، والأسمدة والمبيدات الحشرية، والقوارير البلاستيكية، والألياف والمتفجرات والأمونيا والمذيبات والحبر والطلاء والمطاط الصناعي ومساحيق التجميل والكحول.

تعدّد وكثرة الصناعات المشتقة من البترول، يتيح فرصةً أمام الدولة السورية في مرحلة إعادة الإعمار والبناء للتركيز على هذه الصناعات كون سورية دولة منتجه للنفط.

اليوم وقبل الحرب كان إنتاج النفط السوري ينقسم إلى قسمين، القسم الأول يصدّر كمادة خام إلى الأسواق الخارجية, والقسم الثاني يجري تكريره في المصافي السورية ويستخدم على هيئة بنزين ومازوت وكاز وإسفلت في الاحتياجات والاستخدامات المعروفة. أما الصناعات الأخرى المشتقة من المواد البترولية، فإنها إما غير موجودة بشكل كامل في سورية، أو أنها موجودة بشكل جزئيٍ.

ومعروف أن المشتقات البترولية المصنعة تنتج قيمة مضافة أعلى بكثير من تصدير النفط الخام أو اقتصار العملية على التكرير المتعارف عليه تقليدياً في سورية والعالم.

سورية في مرحلة إعادة الإعمار والبناء تحتاج إلى مراجعة سياستها على هذا الصعيد، وإيلاء الصناعات المشتقة من المواد البترولية أهميةً خاصة لتطوير ميزة تنافسية تمكنها من تطوير صناعات تلبي احتياجات السوق المحلية وتحدّ من نزيف العملة الصعبة المكرسة لفرض استيراد مواد مصنعة من الخارج, وتصدير جزء من إنتاج هذه الصناعات الذي يفيض عن حاجة السوق الداخلي من أجل تعزيز مخزون سورية من العملة الصعبة، وغنيٌّ عن البيان أن إشادة صناعات قائمة على البترول من شأنها أن تساهم في مكافحة البطالة وتعزيز أداء الاقتصاد بشكل عام.

واضحٌ أن سورية لا تواجه أي مشاكل كبيرة إذا وضعت في إطار المخطط التوجيهي لعملية إعادة الإعمار التركيز على هذا النوع من الصناعات، فهي تستطيع الاعتماد على دولٍ حليفة وصديقة لسورية مثل روسيا وإيران والصين، وهذه الدول الثلاث لديها تجربةٌ واسعة وتمتلك خبرات في هذه الصناعات، ويمكن لكثيرٍ من الشركات الإيرانية والروسية والصينية أن تفتح فروعاً لها في سورية في إطار عملية إعادة الإعمار، وحتى لو كانت المعامل هي ملك الدول الثلاث صاحبة الاستثمار فإن سورية تستفيد من ذلك من خلال أولاً، تشغيل آلاف العاملين من مهندسين وعمال عاديين، ثانياً، تستفيد من عائدات تزويد المعامل بالمادة الأولية. وثالثاً، تستفيد بأنها لا تحتاج إلى استيراد المواد المصنّعة من الخارج، إضافة إلى ذلك تستطيع سورية امتلاك خبرة وتشييد مصانع خاصة بها عندما تصبح لديها القدرة من ناحية الاستثمار والتوظيف ومن ناحية الخبرة.

سورية في مرحلة إعادة الإعمار تمتلك فرصة تقديم عرض للمستثمرين من الدول الثلاث الصديقة في مجال الصناعات البتروكيماوية، لسدّ الثغرات التي لم تستطع الصناعات البتروكيماوية سدّها حتى قبل الحرب، وبديهي بعد الحرب والدمار الكبير بات نهوض هذا القطاع من خلال مبادرات محلية وبدعمٍ محدود من الدولة التي تتنوع احتياجات دعمها في مجالات أخرى، وهي غير قادرة على تلبية كل هذه الاحتياجات، بات الرهان على الاستثمار الخارجي، وتحديداً من الدول الصديقة، أمراً في غاية الأهمية والإلحاح، ويتوجب على الدولة بأجهزتها المختلفة وضع مخططٍ توجيهي لإرشاد المستثمرين في هذا القطاع، وتقديم الدعم المطلوب الذي يكفل التشجيع على الاستثمار في هذا القطاع من الصناعة السورية.