Get Adobe Flash player

خامساً، الصناعة. الصناعة بفروعها وأقسامها المختلفة هي عماد الاقتصاد السوري، وهي الأساس في عملية إعادة الإعمار، إن لجهة استعادة معدلات النمو، أو لجهة تعظيم الناتج الوطني الإجمالي، أو لجهة استدراك ما فات سورية بسبب الحرب، إضافة إلى التعويض عن ما خلفته الحرب من دمار.

معروف أن الصناعة السورية كانت من أكثر القطاعات التي تضررت جراء الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية، لأن غالبية المدن والمنشآت الصناعية كانت في ضواحي المدن الكبرى. ومعروف أن مناطق وجود المنشآت الصناعية سيطرت عليها الجماعات الإرهابية وكانت مسرحاً للحرب على الإرهاب لاستعادة هذه المناطق إلى كنف الدولة، وتمت عملية نهب وتخريب ممنهجة للمؤسسات الصناعية، فبعضها تم تفكيكه ونقله إلى تركيا، وبعضها الآخر تم تخريبه، وبالتالي فإن إعادة إعمار القطاع الصناعي الذي تضرر أكثر من غيره من القطاعات، ربما باستثناء قطاع الزراعة والبنية التحتية تحتل مرتبةً استثنائية ويتوجب على الدولة بأجهزتها المختلفة، إيلاء الصناعة أهمية استثنائية ووضعها في مرتبة متقدمة.

لكن من المعروف أن إعادة إعمار القطاع الصناعي ليست محصورة بإعادة بناء ما هدمته الحرب، بل استدراك خلل هيكلي كانت توجه له الانتقادات حتى قبل اندلاع الحرب، وقبل هذا الخراب العظيم الذي أصاب القطاع الصناعي.

الخلل الأول، أن قطاع الصناعة تطور بشكلٍ عفوي ومن خلال مبادرات فردية، على الرغم من المساهمات الكبيرة والكثيرة من قبل الدولة التي اكتفت بمساندة هذا القطاع بتوفير البنية التحتية (المدن الصناعية).

كان ينبغي أن يتم بناء وتنمية القطاع الصناعي في سورية مع الأخذ بعين الاعتبار أي نوع من الصناعات التي تحوز فيها سورية على «ميزة تنافسية» كي يكون لها دور كبير ورائد في الأسواق العالمية. كانت الصناعات السورية قائمة على مبدأ تلبية الطلب الداخلي، ومما لا شك فيه أن هذا عامل مهم بالنسبة لدولة مثل سورية أصرت على صيانة واستقلال قرارها وإرادتها الوطنية، وبالتالي فإن التحسب للعقوبات والحصار الاقتصادي دفعها لتصميم أداء اقتصادها في جميع القطاعات بما في ذلك القطاع الصناعي لتوفير متطلبات الطلب الداخلي وعدم الحاجة إلى الاستيراد من الخارج، فلا عجب أن الميزان التجاري في سورية لم يشهد على امتداد أكثر من عقد أي اختلال كبير، لأن الدولة كانت مصممةً على الحصول على اكتفاء ذاتي في قطاعي الزراعة والصناعة، وقد نجحت إلى حد بعيد في تحقيق هذه الأهداف، ولاسيما في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي. لكن هذه السياسات حرمت سورية من الاستفادة من ما تملكه من مزايا تنافسية في بعض السلع الزراعية أو الصناعية، ولم تسعى إلى تطوير وتوسيع عملية الإنتاج آخذةً بعيين الاعتبار ضرورة التصدير إلى الأسواق الخارجية، وظل جلّ ما تصدره سورية إلى الخارج محدوداً بنسبةٍ كبيرة، ولهذا شهد الميزان التجاري اختلالاً كبيراً في العقدَين الماضيين، بسبب سياسة تحرير الأسواق والسماح للصناعيين والزراعيين بتصدير جزء من إنتاجهم إلى الخارج.

واضح الآن أن سورية تحتاج إلى تصحيح هذا الخلل تحت تأثير عاملين اثنين، العامل الأول، الاستفادة من ميزات سورية التنافسية، وعدم حصر هذه الاستفادة في السوق المحلية، وهي على أية حال سوقٌ صغيرة إذ لا يتجاوز عدد سكان سورية الـ 24 مليون نسمة، ولكن ما لدى سورية من قدرات وميزات تنافسية في بعض السلع يمكنه أن يوفر لخزينة الدولة ولمجمل الناتج الوطني مصادر دخل إضافية, الدولة بحاجة كبيرة لهالرفع مستوى معيشة السوريين. العامل الثاني، أن سورية في مرحلة إعادة الإعمار تحتاج إلى أموال واستثمارات كثيرة، وتحتاج بالدرجة الأولى إلى العملة الصعبة لتغطية الانفاق على المستوردات المرتبطة بعملية إعادة الإعمار. وليس من المناسب أن يتم تأمين موارد إعادة الإعمار كلها من القروض أو الاستثمارات الأجنبية التي ستحول عائدات الأرباح إلى خارج سورية. إن تنشيط قطاع التصدير من شأنه أن يحد من سلبيات هذه العملية، وبديهي أن القطاع الصناعي المرشح للإسهام في حركة التصدير هو القطاع الذي تحوز فيه سورية على ميزة تنافسية ليس كمواد أولية، بل وأساساً مواد أولية مصنّعة داخلياً، ومعظم الميزة التنافسية في سورية توجد في القطاعَين الزراعي والحيواني.

معروف أن دول نمور آسيا بدأت نهضتها من هذا القطاع (راجع كتاب محمود عبد الفضيل العرب والتجربة الآسيوية). ومن الطبيعي أن يتم معالجة هذا الخلل الهيكلي الآن قبل بدء انطلاق عملية إعادة إعمار القطاع الصناعي، بالاستناد إلى الظروف الضاغطة التي ولّدتها نتائج الحرب.

الخلل الثاني، يكمن في ضعف القيمة المضافة في الصناعة السورية حتى قبل اندلاع الحرب، إذ أن الكثير من المواد الأولية التي تحوز فيها سورية على ميزة تنافسية، كان مستوى تصنيعها محدوداً، وبالتالي كانت القيمة المضافة تهدر (حيان سلمان، دراسة محدودة التداول).

عملية إعادة بناء وإعمار القطاع الصناعي تتطلب بالدرجة الأولى تصحيح هذا الخلل كي يتم الاستفادة بقوة من مزايا سورية التنافسية، ويجب أن يبنى التخطيط الصناعي في كافة مجالات الصناعة انطلاقاً من استدراك هذا الخلل. هذا يعني يجب توطين كل مراحل تصنيع المواد الأولية التي تمتلك فيها سورية ميزة تنافسية، ومن شأن مثل هذه العملية ليس فقط تعظيم القيمة المضافة، بل توفير فرص عمل إضافية، وتوسيع قاعدة القطاع الصناعي، ووقف نزيف العملات الصعبة، وتصحيح الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وبكل تأكيد مثل هذا العمل الكبير والمهم يحتاج إلى استحداث مؤسسات قادرة على وضع مثل هذه الخطط وتوجيه عمل القطاع الصناعي الوجهة المطلوبة، وربما يستدعي ذلك إنشاء مجلس يضم خبراء ومندوبين عن الدولة وعن القطاع الصناعي تكون وظيفته التخطيط لهذه العملية وعدم الاكتفاء بالمؤسسات والأطر التقليدية القائمة الآن، والتي لم تستطع قبل الحرب استدراك الخلل الثاني عندما كانت الظروف ملائمة، والتي قد تعجز الآن عن رسم الخطط المطلوبة في ضوء ضغوط وإلحاح أولويات عملية إعادة الإعمار.