Get Adobe Flash player

رابعاً، الثروة الحيوانية، لا شك أن الثروة الحيوانية التي تقع في منزلة يصنفها البعض بأنها جزء من القطاع الزراعي هامة جداً في سورية ومصدر هام للدخل الوطني وأساس ومصدر لمجموعة من الصناعات في مقدمتها صناعة الألبان والأجبان وصناعة الجلود وصناعة اللحوم، ومعروف أن هذه الصناعات بعضها صناعات غذائية وبعضها صناعات تعود إلى قطاع الألبسة، ولكن سورية يمكنها أن تمتلك على هذا الصعيد ميزة تنافسية تؤهلها لاستغلال هذه الميزة لتحقيق دخل وطني لا يقل عن ما تمثله قطاعات أخرى مثل الزراعة والصناعة.

جغرافية سورية الواسعة تؤهلها لتطوير قطاع الثروة الحيوانية وتأمين الازدهار الدائم له، سيما وأن مناخ سورية المعتدل، وانتشار السدود فيها في جميع المناطق بما في ذلك البادية، حيث يقل معدل الأمطار، وكثرة الأنهار والأراضي الخصبة، لاسيما في مناطق الجزيرة والمناطق الساحلية وإدلب ومناطق الغاب وحتى المنطقة الشمالية، تجعل سورية في كل شبر منها مهيأة لتربية أنواع محددة من الثروة الحيوانية، مثل الأغنام والماعز والأبقار.

لا شك أن هذه البيئة التي يندر وجود مثيل لها على الأقل في الوطن العربي لم يتم استثمارها بشكل جيد في فترات سابقة، وظل القطاع الحيواني، في تقدمه وتقهقره مرتبط بمبادرات المواطنين الفردية وتشجيع محدود من قبل أجهزة الدولة المختلفة، كما أن الظروف المناخية كانت تؤثر عليه سلباً أو إيجاباً تبعاً لتقلبات المناخ. أما الصناعات المرتبطة بهذا القطاع، فهي الأخرى كانت تعبير عن مبادرات فردية ولا تعكس وجود اهتمام خاص ومميز من قبل الدولة يأخذ بعين الاعتبار ما لدى سورية في هذا القطاع من ميزة تنافسية هامة. جاءت الحرب لتلحق ضرراً كبيراً في هذا القطاع. ربما كانت أضراره أفدح من كل الأضرار التي أصابت القطاعات الاقتصادية الأخرى، الحرب دارت في الأرياف، وسيطرة الجماعات المسلحة على كامل الأرياف والبادية، وأدت الحرب إلى تقهقر قطاع الثروة الحيوانية، بل يمكن القول إن هذا القطاع تراجع بنسب تتجاوز (70)%، ومعروف أن إعادة وضع هذا القطاع إلى ما كان عليه قبل الحرب يحتاج إلى جهد كبير، ومبادرات من قبل الدولة، حيث لم تعد مبادرات المواطنين كافية لإعادة بناء هذا القطاع وإعادته إلى العمل إلى مستوى ما كان عليه قبل الحرب، في حين أن الدولة بحاجة إلى استثمار هذا القطاع ومزاياه الخاصة للتغلب على التركة الثقيلة التي خلفتها الحرب المدمرة التي شنت على سورية.

لقد بدأت الحكومة السورية ببعض المبادرات الصغيرة مثل شراء بعض الأبقار وتوزيعها على بعض الأسر بقروض طويلة الأمد وميسرة، قد تكون هذه الخطوة في البداية مقبولة، ولكنها بكل تأكيد غير كافية للتعويض على الضرر الفادح الذي لحق بالثروة الحيوانية، وما نجم عنه من نقص في مواد تصنيع الألبان والأجبان واللحوم، قد تكون أولوية الانفاق الآن في الموازنة تتجه نحو تمويل المجهود الحربي للقضاء على الإرهاب، وإعادة بناء بعض مرافق البنية التحتية التي تشكل شرطاً مسبقاً لعودة العمل الاقتصادي والخدمي، لكن ذلك مقبول فقط في البداية، بسبب ندرة الموارد، ولكن عند انطلاق عملية إعادة الإعمار بزخمها المطلوب فإنه يجب أن يحتل قطاع الثروة الحيوانية، إن لجهة إعادة بناء وعودة العمل فيه إلى مستوى ما كان عليه الوضع قبل الحرب، أو لجهة تطوير هذا القطاع ليكون قطاعاً رائداً في نهضة اقتصادية جديدة كون سورية تمتلك ميزة تنافسية في هذا القطاع، أهمية استثنائية وخاصة في خطط الدولة لإعادة إعمار وبناء سورية لأن هذا القطاع يوفر فرصة نادرة لتعزيز معدلات النمو، ودعم الميزانين التجاري والمدفوعات بما يساعد سورية على التغلب على الكثير من المصاعب التي خلفتها الحرب.

كانت سورية قبل الحرب تمتلك أحسن وأفضل أنواع الأغنام، (العواس) وهذا النوع من الأغنام مرغوب جداً في الخارج، وكان تصدير جزء منه يعزز خزينة الدولة بالعملات الصعبة، اليوم هذا القطاع يكاد أن ينقرض بفعل الحرب وبفعل ما تركته إن لجهة التخلص من قطعان واسعة لعدم قدرة أصحابها على مواصلة تربيتها بسبب عدم وجود المناطق الآمنة، أو بسبب نهب المجموعات المسلحة التي استولت عليها واستهلكتها، ولم تراع الحاجة إلى إنماء هذا القطاع وتقديم الرعاية له. الدولة السورية، وليس مبادرات المواطنين وحدها القادرة في البداية على إعادة عمل هذا القطاع إلى مستوى ما كان عليه قبل الحرب وتوفير مستلزمات ازدهاره، وجهد الدولة يجب أن ينصب على عدة اتجاهات من بين هذه الاتجاهات رعاية ما تبقى من قطعان غنم العواس، وتقديم الدعم لأصحابها، سواء عبر القروض، أو توفير المراعي والأعلاف، أو توفير الرعاية الصحية، لأن الإهمال الذي تجاوز الثماني سنوات فعل فعله بالنسبة لهذا القطاع. استيراد أغنام جديدة للتعويض عن النقص، وتسهيل شرائها من الخارج من دون فرض رسوم جمركية، ومعاملة هذا القطاع كما تعامل الصناعة الوطنية لجهة الإعفاءات. الاهتمام بالمراعي والعمل على إنعاشها. وإعادة إعمار ما خرّبه الإرهابيون في السنوات الماضية.

هذا القطاع ربما لا يحتاج إلى تخصيص موازنات ضخمة سنوية، كل ما يحتاجه من الدولة وضع خطة للعمل تقوم على المحاور الآتية:

1-        ترميم المراعي وتوفير مستلزمات ذلك، بل توفير مراعي إضافية لتشجيع المواطنين على الاستثمار في هذا القطاع بعيداً عن التحديات التي خلفتها الحرب والتي لا يملك المواطنون القدرة الذاتية على مواجهتها من دون تدخل الدولة.

2-        قروض ميسرة من مصارف الدولة، وتشجيع المصارف الخاصة على تقديم هذه القروض إلى العاملين في هذا القطاع.

3-        توفير وتنشيط الرعاية الطبية (الطب البيطري).

4-        تشجيع إقامة مصانع اللحوم والألبان والأجبان وصناعة الجلود بالقرب من مواقع انتشار الثروة الحيوانية، وتقديم إغراءات للقطاع الصناعي للعمل بالقرب من مراكز الثروة الحيوانية، لما ينطوي عليه ذلك من مزايا إن لجهة تشجيع العاملين في هذا القطاع من خلال الحصول على عائد مجزي لعملهم، أو لجهة خفض كلفة نقل المنتجات الحيوانية إلى المعامل التي تقع في مناطق بعيدة عن انتشار مراكز الثروة الحيوانية.