Get Adobe Flash player

ثالثاً، ليس كل ما تقدّم وحده يفرض على الدولة السورية وضع أولويات في عملية إعادة الإعمار، إضافةً إلى ما تقدّم ثمّة عوامل إضافية وربما تشكل خصوصية تميّز عملية إعادة الإعمار في سورية، والمقصود بذلك توفر العمالة. معروف أن جميع المناطق الصناعية تشكو الآن في سورية من نقص العمالة، وفي جميع عمليات المسح والاستطلاع والتحقيقات التي جرت مع أصحاب المصانع، فإن مطلبهم الأول توفر العمالة. ومعروف أن العمالة المطلوبة هي من الأعمار التي تقع ما فوق العشرين عاماً وما دون الخمسين عاماً. لكن العمال المصنفين في هذه المدة العمرية، بعضهم لا يزال يدرس ولم يصل بعد إلى سن العمل إلا من تسرب من الدراسة، وهم أقلية ولا يمثلون أكثرية هذه الفئة العمرية، وبعضهم الآخر التحق بالجيش العربي السوري، إما لأداء خدمة العلم، أو الخدمة الاحتياطية، وجزء ثالث من هذه الفئة العمرية, إما أنه التحق بالمجموعات الإرهابية المسلحة، وغالبية هذه الفئة هاجرت إما إلى دول الجوار مثل لبنان والأردن وتركيا وإما إلى أوروبا. وغالبية هؤلاء لا يريدون العودة في وقت مبكر لأن بعضهم حصل على فرص عمل تدر له عائداً مقبولاً، وحتى بعض الأسر تعود بعد تحرير الجيش العربي السوري لغالبية المناطق السورية، ولكن البعض الآخر من أبناء هذه الأسر، ولاسيما الذين هم في سن العمل, يفضلون البقاء في الخارج لأنهم يحصلون على عائد أعلى من العائد المتوقع في سورية الآن، سيما وأن عملية إعادة البناء لم تنطلق بعد بكل زخمها، وبالتالي لم تتحدد بعد مستويات الأجور لمعرفة ما إذا كان فيها جاذبية تدفع من هم في سن العمل لترك أعمالهم في لبنان والأردن وتركيا، وبالتالي العودة إلى سورية.

لكن في المقابل إن عملية إعادة إعمار واسعة وكبيرة بحجم عملية إعادة الإعمار في سورية تتطلب مئات ألوف الأيدي العاملة، ومن أين يمكن توفير هذه الأيدي العاملة لتغطي دفعةً واحدة كل مجالات إعادة الإعمار في القطاعات كافة، ولاسيما في قطاع الإسكان والصناعة والزراعة، والبنية الأساسية؟ كانت سورية ربما قبل الحرب تعاني من بطالة بمستوى معيّن، ولكنها الآن تعاني من نقص العمالة في مرحلة إعادة البناء الواسعة والشاملة. وهذه ليست مسألةً بسيطة، ولن يكون من السهل حلّها، وعلى الأرجح أنها هي التي ستلعب الدور الحاسم في فرض أولويات في عملية إعادة الإعمار في سورية حتى لو توفرت الشروط والعوامل الأخرى، بما في ذلك مصادر التمويل. فعلى فرض توفرت شروط إعادة الإعمار الأخرى التي يظن البعض أنها الشروط الأصعب والأكثر تعقيداً، مثل توفير الاستثمارات اللازمة لبلد خرج لتوّه من الحرب ولا يملك الكثير من الادّخار، وعلى فرض توفرت أيضاً المواد الأولية المطلوبة، فهل يمكن النهوض بعملية بناء واسعة بحجم عملية البناء في سورية في ظل عدد العمالة المتوفرة الآن؟ بكل تأكيد إن ذلك غير ممكن في وقت يشكو أصحاب المعامل من أنهم غير قادرين على تلبية الطلب، وحتى الطلب الداخلي بسبب نقص العمالة، وهم يعملون بأقل من نصف طاقتهم, في حين مطلوب توفر عمالة للعمل بكامل طاقتهم وعمالة أخرى لتغطية مجالات إعادة الإعمار الأخرى التي تتطلب مئات آلاف الأيدي العاملة.

هل تلجأ سورية للاستعانة بالعمالة الأجنبية في عملية إعادة البناء، وهذا يعني تحويلات مالية إلى خارج سورية؟ أم تعمد إلى وضع جدول أولويات في عملية إعادة البناء يأخذ بعين الاعتبار مستوى العمالة السورية المتوفرة؟.

هذه مسائل وتحديات هامة لا يمكن تجاهلها على أي نحو في عملية إعادة الإعمار. قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها قضية سهلة الحل بالمقارنة مع القضايا الأخرى التي تتطلبها عملية إعادة الإعمار، ولكن هذا فقط للوهلة الأولى، ولكن في واقع الحال الصورة تختلف جذرياً عن الرؤية التبسيطية لهذه العملية. فالدولة السورية لن تستغني حتى وقت طويل نسبياً عن الاحتفاظ بجيل من الشباب في الخدمة العسكرية، لأن سورية, حتى بعد أن تستكمل سيطرتها على كل الأراضي السورية ستظل تواجه تحدياتٍ خطيرة، وجبه هذه التحديات يفرض عليها الاحتفاظ بجيش قوي في العديد والعتاد. كما أنه لن يكون من السهل استقطاب الشباب السوري المقيم في الخارج دفعةً واحدة للأسباب التي مرّ ذكرها، والاستعانة بعمالة من الخارج دونه اعتبارات قانونية ومادية، وبالتالي فإنه لا مفر أمام الدولة من وضع برنامج أولويات في إعادة الإعمار، وتوجيه الموارد والقدرات المتوفرة نحو قطاعات محددة في البداية دون غيرها من القطاعات ضمن برنامج أولويات يفرض منطقه، ولا يمكن على الإطلاق تجاهل هذا المنطق.