Get Adobe Flash player

ثانياً، ثمّة عوامل إضافية أخرى تحتّم وتفرض على الدولة السورية اعتماد مبدأ الأولويات في إعادة الإعمار, من هذه العوامل عدم توفر الاستثمارات الكافية دفعةً واحدة لإطلاق عملية إعادة الإعمار.

الأرقام والمعطيات الإحصائية، بما في ذلك احصائيات هيئات دولية تشير إلى أن الدولة السورية تحتاج إلى أكثر من (250) مليار دولار لإنجاز عملية الإعمار. بديهي القول إن الدولة السورية التي عانت من حرب استمرت ثماني سنوات حتى الآن، وقد استهدفت هذه الحرب ضرب الاقتصاد السوري، خسرت الكثير من مواردها، وأنفقت ادّخاراتها، سواء كانت ادّخارات فردية، أو ادّخارات دولة في سنوات الحرب الطويلة. كما أن المجهود الحربيّ ما زال مستمراً، وقبل جلاء آخر جندي أجنبي, دخل الأراضي السورية من دون موافقة الدولة السورية، لا يمكن القول إن الحرب انتهت، وبالتالي باتت موارد الدولة مسخرةً فقط لإعادة الإعمار، لأن المجهود الحربي تظل له الأولوية, لأن أي انتكاسةٍ أمنية توقف عملية إعادة الإعمار وقد تهدد ما تم إنفاقه، ثم أن الجيش العربي السوري خسر الكثير بسبب الحرب الإرهابية الدولية التي شنّت على سورية، وثمة حاجة للانفاق على عملية تسليح الجيش وتوفير ما يحتاجه في ظل استمرار التهديدات في وضع قلق يسود المنطقة برمتها وسورية في قلب هذه المنطقة المضطربة.

كما أن استقطاب استثمارات بــ 250 مليار دولار، سواء من مصادر دولية، أو مصادر سورية، مغتربة أو مقيمة, هو أمر في غاية الصعوبة، بل الاستحالة, فليس لدى السوريين سيولة تصل إلى مستوى هذا المبلغ، كما أن الاستثمارات الأجنبية لن تأتي دفعةً واحدة لأسباب تتعلق أولاً بتوفر السيولة، وثانياً بأسباب تتعلق بجدوى وعائدات الاستثمار، وثالثاً بحرص الاستثمارات الأجنبية على انتقاء مشاريع إعادة البناء، وضمان الحصول على ربح سريع والتأكد من جدوى الاستثمار، وكل ذلك يساهم, أولاً، في تأخير وصول الاستثمارات اللازمة والكافية، وثانياً, ترجيح وصولها على مراحل.

كل ما تقدّم يعني أن الدولة السورية ملزمة في سياق وضعها المخطط التوجيهي لإعادة الإعمار برسم أولويات، بمعنى توجيه الاستثمار، سواء من عائدات الدولة، أو من ادّخار السوريين المقيمين أوالمغتربين، أو الاستثمارات الخارجية, باتجاه التوظيف في مجالات ترى الدولة السورية أنها تحتل الأولوية ويجب الانطلاق منها قبل غيرها من المجالات.

ثالثاً، عدم توفر الموارد التي تحتاجها عملية إعادة البناء دفعةً واحدة، فعملية إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد غير متوفرة بالقدر الذي يسمح بانطلاق هذه العملية دفعةً واحدة. إن إعمار ما خرّبته الحرب يتطلب على الأقل في قطاع الإسكان توفر الاسمنت والحديد ومواد أخرى متصلة بالبناء. ومعروف أن المعامل التي تنتج هذه المواد كان عديدها مصمّم لتلبية احتياجات سورية ما قبل الحرب وقبل هذا الدمار الواسع والكبير. ومعروف أيضاً أن بعض المصانع قد توقف عن العمل بسبب الحرب والاعتداءات الإرهابية، وبالتالي ثمّة حاجة أولاً، لإعادة بناء المصانع المهدّمة، وبناء مصانع جديدة قادرة على تلبية طلب واسع بحجم الطلب الذي سببه الخراب العظيم، وهذا يعني الانفاق على بناء معامل الاسمنت، سواء المعامل التي تضررت بالحرب، أو المعامل الجديدة لتلبية الطلب الطارئ, وهذا يحتاج أولاً لبعض الوقت، ويحتاج ثانياً لاستثمارات في هذا القطاع، وهذا يلعب دوراً كبيراً في فرض واقع يرغم الدولة السورية على ترتيب أولوياتها، كما أن ما تحتاجه عملية إعادة إعمار المدن والبلدات والقرى التي تضررت في الحرب من حديد ومواد بناء أخرى يحتاج إلى عملية استيراد واسعة تبلغ كلفتها عشرات مليارات الدولارات ولن يكون من السهل توفير التمويل على هذا المستوى دفعةً واحدة، سواء كان الأمر متعلقاً بالدولة السورية، أو بالقطاع الخاص، أو بالاستثمار الأجنبي، هذه عملية كبيرة وضخمة وتحتاج إلى تنظيم ورسم أولويات، ومن الصعب أن تنظم من تلقاء ذاتها، لأن الوضع في ظل الخراب الواسع يختلف عن الظروف العادية، أو عن خراب جزئي يطال هذا المرفق أو ذاك أو هذا القطاع أو غيره.

لا شك أن إعادة الإعمار هي بحدّ ذاتها سوف تطلق عملية نهوض اقتصادي في جميع المجالات، لأن الطلب الاستثنائي يولد حوافز لدى جميع قطاعات الاقتصاد السوري لتلبية هذا الطلب وتحقيق الأرباح، ولكن هذه العملية تحتاج إلى استثمارات ضخمة لن يكون متيسراً الحصول عليها دفعةً واحدة. مثلاً استيراد الحديد, الذي يدخل في عملية إعادة الإعمار, يحتاج إلى ملايين الدولارات، وغالباً سيتم استيراده من الخارج، كما أن توفير المستلزمات الأخرى مثل الإسمنت إما أن يتم استيراده من الخارج لتلبية الطلب الذي تعجز القدرات الداخلية على تلبيته، وهذا سيكلف الكثير ويحتاج إلى استثمارات كبيرة وهائلة، وإما انتظار بناء المعامل الجديدة، وكل ذلك يصب في واقع يفرض على الدولة السورية وضع برنامج أولويات، وعدم الانطلاق في عملية الإعمار دفعةً واحدة وبشكل أفقيّ.