Get Adobe Flash player

حميدي العبدالله

وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدفاً لإدارته وهو خفض العجز في الميزان التجاري الذي يميل لصالح الصين بمبلغ (375) مليار دولار. وتعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية بتغيير هذا الواقع، وبدأ العمل فوراً بعد تسلمه سلطاته الدستورية بوضع تعهده موضع التطبيق وكانت بداية إجراءاته فرض ضرائب على بعض السلع الصينية بنسب عالية تمكّن الخزينة الأمريكية من الحصول على (60) مليار دولار جراء هذه الضرائب التي شملت سلع مستوردة من الصين يفوق عددها (80) سلعة.

كان من المفروض أن يبدأ سريان الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في نهاية الشهر الحالي. لكن الصين التي حذرّت في البداية من الإقدام على مثل هذه الإجراءات التي سوف تستدعي بالضرورة ردّاً صينياً، وبالتالي تُشعل حرباً تجارية، أقدمت على المعاملة بالمثل عندما لم تصغ إدارة ترامب لتحذيراتها، وحدّدت مجموعة من السلع الأمريكية وفرضت عليها ضرائب مماثلة بما يقود إلى تحصيل المالية الصينية مبلغاً يوازي ما ستحصل عليه الخزانة الأمريكية، وحدّدت موعداً للتنفيذ مرتبط بالموعد الذي حدّدته إدارة الرئيس ترامب. وبعد تبادل التحذيرات والإجراءات عقدت مفاوضات تجارية بين البلدين بهدف التوصل إلى اتفاق يحول دون اندلاع حرب تجارية بين شريكين تجاريين ربما هما الأكبر في العالم.

فعلاً مع حلول موعد دخول الإجراءات مرحلة التنفيذ، أُعلن عن التوصل إلى اتفاق، وتم تجميد الإجراءات المتبادلة، ونجا البلدان من حرب تجارية لو اندلعت لكانت لها آثار وتداعيات ليس فقط على أكبر اقتصادَين في العالم، بل على الاقتصاد العالمي بكامله. وكالة أنباء الصين الجديدة شينخوا نقلت عن رئيس الوزراء الصيني "ليوهي" تأكيده أن «الطرفين توصلا إلى توافق ينص على عدم خوض حرب تجارية، وعلى التوقف عن زيادة الرسوم الجمركية من قبل كل منهما»، وأضاف «يجب أن يؤخذ في الاعتبار في الوقت ذاته أنه لا يمكن كسر الجليد في يوم واحد، وأن تسوية المشكلات البنيوية في شأن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين سوف يستغرق بعض الوقت». لاشك أن التصريح فيه الكثير من الغموض فعبارة "التوقف عن زيادة الرسوم الجمركية" لم يعرف ما إذا كانت تعني التراجع عن الرسوم التي فرضها البلدان، أم التوقف عن الزيادة بعد هذه الجولة من الزيادات، كما أن إشارة المسؤول الصيني إلى أن ثمة مشكلات بنيوية في شأن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين يستغرق حلّها المزيد من الوقت، تشير إلى أن التفاهم الذي تم التوصل إليه هو تفاهم هش.

لكن السؤال المطروح حول ماهية الاتفاق، ومن الذي ربح معركة التحدّي المتبادلة، إدارة ترامب أم الصين؟

بعض الوقائع التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية تلقي الضوء على هذه المسألة، وتساعد على إعطاء جوابٍ واضحٍ وموضوعيّ بعيداً عن المواقف المسبقة والانحياز الدعائي إلى هذا الطرف أو ذاك.

صحيفة "واشنطن بوست" ودورية "بلومبيرغ" أكدتا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الذي فشل في الحرب التجارية التي كان ينوي إشعالها مع الصين، ويستشهدان على ذلك بـ: "تنازل ترامب بشأن الشركة الصينية" ويقصدان شركة "زد تي اي" للاتصالات التي كانت تواجه عقوبات أمريكية. وتقول الصحيفتان أن الرئيس الأمريكي أنقذ الشركة الصينية بتنازله أمام الصين، وجلّ ما أعلن عنه من قبل الإدارة الأمريكية ووفقاً للبيان المشترك أنه تم الاتفاق على زيادة الصادرات الأمريكية إلى الصين في قطاعي الزراعة والطاقة، وربما يكون هذا هو المدخل للتراجع عن التحديات المتبادلة التي ستقود لا محالة إلى اندلاع حرب تجارية واسعة النطاق. واضح أن زيادة الصادرات الأمريكية إلى الصين لا يعني بالضرورة تحقيق ما كان يسعى إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أي تعديل الميزان التجاري، فالقدرة الفعلية على زيادة الصادرات الأمريكية الزراعية وفي مجال الطاقة إلى الصين مرتبط بقدرة هذه السلع على المنافسة في سوق مفتوحة لأنه من غير الطبيعي أن يتم توفير تسهيلات للسلع الأمريكية خارج ما تفرضه قوانين منظمة التجارة الدولية.

لكن من الواضح أن إدارة ترامب، بعد قبولها التفاوض والتوصل إلى تفاهم مع الصين، قبل بدء نفاذ الإجراءات التي كانت متّخذة، قدّرت أن اندلاع حرب تجارية مع الصين ستكون لها انعكاسات سلبية حادة على الاقتصاد الأمريكي سيما وأن الصين هي الشريك التجاري الثاني للولايات المتحدة بعد الاتحاد الأوروبي، كما أن اندلاع حرب تجارية في ظل توتر علاقات الولايات المتحدة مع شركائها الاقتصاديين في أوروبا على خلفية الضرائب التي فرضتها إدارة ترامب على الصادرات الأوروبية إلى الأسواق الأمريكية من الحديد والصلب، إضافة إلى الحروب الاقتصادية على خلفية العقوبات التي تنفرد الولايات المتحدة بفرضها على دول عديدة مثل روسيا وإيران وفنزويلا وسورية وكوريا الشمالية، بدأ يترك الكثير من التداعيات التي تؤثر على توازن القوى في الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

لاشك أن هذه التطورات تجعل الولايات المتحدة في وضع أضعف من الصين في لعبة عض الأصابع، فضلاً عن أن الشركات الكبرى الأمريكية لا يمكنها الاستغناء عن الأسواق الصينية، وكل ما تقدّم يؤكد أن ترامب لم يربح الحرب التجارية مع الصين.