Get Adobe Flash player

 

حميدي العبدالله

معروف أن الاقتصاد الأمريكي عانى من ركود طويل بعد أفضل وأطول مرحلة شهد فيها نمواً متواصلاً طيلة عقد التسعينات .

البعض أرجع نمو عقد التسعينات إلى عاملين رئيسيين، الأول والأساسي «اقتصاد المعرفة» الذي نما بمعدلات كبيرة، وشكل قاطرة نمو الاقتصاد الأمريكي، حيث لعب الاقتصاد الأمريكي استناداً إلى ذلك دور قاطرة الاقتصاد العالمي. والمقصود باقتصاد المعرفة عالم «هاي تك» أي الاستخدام الواسع للشبكة العنكبوتية، وما مكنته من استحداث وسائل اتصال اجتماعية واسعة النطاق عبر محركات مثل غوغل وغيره، وما تفرع عنه من شبكات وخدمات أخرى ذات طابع اجتماعي، مثل "فيس بوك" و"تويتر"...الخ. العامل الثاني حصافة وكفاءة الفريق الاقتصادي الذي شكله الرئيس بيل كلينتون، والذي كان على رأسه جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد والمعروف بمواقفه المنحازة ضد الليبرالية المتوحشة.

لكن البعض الآخر أرجع أطول فترة نمو مستمرة للاقتصاد الأمريكي في عقد التسعينات إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، وبالتالي المكاسب الجيوسياسية التي حققتها الولايات المتحدة وفتحت أمامها آفاق للاستثمار في مناطق جديدة من العالم، وبديهي أن ينعكس ذلك إيجاباً على الاقتصاد الأمريكي، وهو ما انعكس بالنمو المتواصل لمدة عقد بكامله، وهو حالة نادرة في الاقتصاد الأمريكي ما بعد الحرب العالمية. لكن ما إن رحلت إدارة كلينتون ورحل معها جوزيف ستيغليتز، وما إن جاءت إدارة بوش الابن، وعادت إلى الواجهة الرأسمالية المتوحشة، حتى عاد الاقتصاد الأمريكي إلى مسيرة التباطؤ إلى حد الركود، وكانت أكثر الفترات صعوبة، هي فترة عام 2008 حيث شهد الاقتصاد الأمريكي ليس فقط ركوداً حاداً، بل انهياراً مالياً مدوياً. ومنذ ذلك الوقت لم ينحسر الركود بشكل كامل، ولم يستعيد الاقتصاد الأمريكي وتيرة النمو التي كان عليها في عقد التسعينات، وتراوح أداء الاقتصاد الأمريكي بين النمو بمعدل متدنٍ للغاية وبين الركود.

اليوم يلوح من جديد شبح الركود تحت تأثير عوامل متعددة، منها ما هو متعلق بعوامل بنيوية سببت الركود الذي عصف بالاقتصادات الغربية وفي مقدمتها الاقتصاد الأمريكي، وهذه العوامل البنيوية تمثلت بنهوض مراكز إنتاجية جديدة على المستوى العالمي، اقتطعت حصة من الاقتصاد الأمريكي والغربي، مثل مجموعة بريكس التي باتت منافساً حقيقياً للاقتصادات الغربية في مجالات عديدة. وهذه المنافسة وما يترتب عليها من نتائج لا يمكن على الإطلاق إلغاؤها.

في مطلق الأحوال هناك عامل آخر يضاف إلى ما تقدم سيكون له تأثير على معدل نمو الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي الاقتصادات الغربية، هذا العامل يتمثل بسياسة ترامب القائمة على إعادة الحمائية التجارية، وهي سياسة قومية على المستوى الاقتصادي. ومعروف أن معدلات النمو المرتفعة التي حققها الاقتصاد الأمريكي تعود بالدرجة الأولى إلى العولمة التي استفاد منها الاقتصاد الأمريكي أكثر من أي دولة أخرى نظراً لحجم الاقتصاد الأمريكي الكبير، ونظراً لهيمنة الولايات المتحدة على المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية التي ساعدتها كثيراً في الحصول على مزايا صبّت في مصلحة الاقتصاد الأمريكي.

بفعل كل ما تقدم يبدو أن مستقبل أداء الاقتصاد الأمريكي لا يبشر بالخير. صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت مقالاً كتبه خبير اقتصادي هو "ديفيد ليون" كرسه للبحث في آفاق الاقتصاد الأمريكي، ومما خلص إليه «نعيش في زمن اقتصادي مظلم، حيث عرف دخل وثروة معظم الأسر الأمريكية ركوداً لا تخطئه العين في العقود الأخيرة، وأصبحا بالكاد يستطيعان مواكبة التضخم، وذهبت كل ثمار النمو إلى الأغنياء». وحول الركود الذي عصف بالاقتصاد الأمريكي يقول الخبير الأمريكي: «في الواقع إن الولايات المتحدة لم تعرف فترة بمثل هذا الركود القوي منذ فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي».

وحول ما إذا كان ثمة إمكانية لمواجهة هذا الركود والتخلص منه، ووقف مسيرة انحدار الاقتصاد الأمريكي بسببه التي «تضعف تفاؤل الأمريكيين الذي طالما تم التبجح به» يشكك الخبير بما أسماه «الأجوبة المألوفة» التي تشدد على «التغييرات التكنوقراطية لقانون الضرائب، وشبكة الأمان الاجتماعي» ويصف هذه الأجوبة بأنها «لا ترق إلى حجم المشكلة التي تتلخص باقتصاد لم يعد يحقق مستوى معيشياً مرتفعاً بشكل مستمر».

ولا يرى الباحث في الأفق بارقة أمل للخروج من الركود الذي بات ركوداً مزمناً.