حميدي العبدالله

واضح جداً أن معدلات النمو على مستوى الاقتصاد العالمي، لم تعد وقفاً على اقتصاد دولة بعينها، مهما بلغت مكانة هذه الدولة الاقتصادية. بل أكثر من ذلك إن معدل نمو الاقتصاد العالمي لم يعد رهناً باقتصادات قارة بعينها، كما كان عليه الحال حتى عقود قريبة، عندما كانت الدول الصناعية السبع هي التي تقرر أكثر من غيرها آفاق النمو على المستوى العالمي .

اليوم بات إجمالي الناتج الدولي موزعاً بين الدول السبع التي تربعت على عرش الاقتصاد الدولي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا، وبين ما يعرف بمجموعة «البريكس» أي الأسواق الصاعدة التي تضم الصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل، إضافةً إلى دول أخرى ليست من مجموعة البريكس، ولكن باتت لها حصة مهمة من الناتج العالمي مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا وتركيا.

معروف أن الاقتصاد العالمي بات مترابطاً على نحو لا تعبّر عنه الشركات متعددة الجنسيات، ولا انتقال الاستثمارات عبر الحدود وعدم انحصارها في حدود الدولة القومية وحسب، بل وأيضاً وأهم من ذلك تحرير التجارة الدولية وفق معايير محددة، تم بلورتها في إطار اتفاقات ترعاها منظمة التجارة الدولية.

بديهي أنه في ضوء توزع الإنتاج العالمي على أنحاء مختلفة من العالم، وفي ظل ترابط الاقتصاد العالمي، فإن معدلات النمو الاقتصادي لم تعد مرتبطة فقط بالعوامل القومية، أو الأوضاع الخاصة لهذا البلد أو ذاك.

فما هي العوامل التي تؤثر اليوم في معدلات نمو الاقتصاد العالمي؟

تبعاً لصندوق النقد الدولي في أحدث تقرير لـه حول آفاق نمو الاقتصاد العالمي والذي يصدره مرتين في العام الواحد ، وصدر هذا العام في شهر نيسان الحالي، فإن العوامل التي تؤثر في معدلات النمو الاقتصادي العالمي تتدرج على النحو الآتي:

أولاً، تشدد حاد في المالية العامة. هذا يقود بالضرورة إلى تأثر الدورة الاقتصادية لأن الأسواق سوف تعاني من نقص في السيولة وتراجع استثمارات الدولة، ولاسيما في قطاعات البنية التحتية، إضافةً إلى تأثيرات مقيدة لحركة الاستثمار والتمويل، تنجم عن التشدد المالي. معروف أن النظرية الكنزية، كانت تكافح الركود الاقتصادي عبر زيادة الإنفاق العام لتنشيط وتحفيز الدورة الاقتصادية، على عكس وصفات صندوق النقد الدولي التقليدية التي تقيّد حركة الإنفاق، ويبدو أن خبراء الصندوق يعترفون هذه المرة بعجز اقتراحاتهم عن معالجة انخفاض معدلات النمو، ولذلك رأوا في التشدد المالي عنصراً سلبياً في تأثيره على النمو الاقتصادي.

ثانياً، انحسار الدعم الشعبي للاندماج الاقتصادي العالمي. واضح أن هذا العامل جديد منذ انطلاق مسيرة العولمة وتحرير التجارة الدولية، بل إن هذا العامل هو ثمرة ونتيجة لتداعيات تحرير التجارة الدولية. فتحرير التجارة الدولية وانتقال الاستثمارات ونشاط الشركات الكبرى إلى المناطق حيث المدخلات الأرخص، ساهم في تعاظم معدلات البطالة، وتراجع مستوى الأجور في بعض البلدان، وهذا ما أدى إلى ردة فعل عكسية، جرى التعبير عنها بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نتيجة للتصويت الشعبي، وفوز الرئيس الأميركي الحالي استناداً إلى شعارات دغدغت مشاعر الجمهور المتضرر من العولمة وتحرير التجارة الدولية. وبديهي أن أي قيود تفرض على حرية التجارة الدولية والعودة إلى الحمائية، وهو ما برزت مؤشراته بقوة في الفترة الأخيرة، يؤثر سلباً على معدلات نمو الاقتصاد العالمي، ولعله من خلال تبادل الإجراءات التقييدية بين الصين والولايات المتحدة فإن هذا المسار الجديد يؤثر سلباً على معدلات نمو الاقتصادي العالمي. ولهذا وضع صندوق الدولي «تصاعد التوترات التجارية ومخاطر حدوث تحول نحو السياسات الحمائية» بين العوامل المؤثرة بقوة على نمو الاقتصاد الدولي.

ثالثاً، «التوترات الجغرافية- السياسية». أي الحروب والاضطرابات التي شملت وغطت مناطق واسعة في العالم، سواء في البلاد العربية، أو في أفريقيا أو بعض أنحاء القارة الآسيوية.

هذه الحروب أثرت بشكل ملحوظ على أداء الاقتصاد العالمي. ويمكن أن يضاف إلى الحروب تأثير التوتر السياسي بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وروسيا من جهة أخرى، على خلفية ملفات سياسية عديدة، ولجوء الحكومات الغربية إلى سلاح العقوبات الاقتصادية ضد روسيا الذي لعب ويلعب دوراً يؤثر سلباً على أداء الاقتصاد العالمي كون روسيا باتت جزءاً من هذا الاقتصاد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

مجمل هذه العوامل تؤثر على معدلات نمو الاقتصاد العالمي، ولهذا لم يكن مستغرباً إطلاقاً أن يخلص تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في نيسان الحالي إلى نتيجة مفادها «أن ميزان المخاطر يرجح الكفة السلبية بشكل واضح».