حميدي العبدالله

 ألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن موسكو سوف تجري مشاورات في إطار قمة العشرين لمراجعة النظام المالي الدولي المعمول به حالياً. جاء هذا التصريح على أثر استسهال الولايات المتحدة وحلفائها في الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات اقتصادية على روسيا .

بات واضحاً أن سلاح العقوبات الاقتصادية الذي تعتمده الولايات المتحدة ضد دول صغيرة ومحدودة التأثير اقتصادياً مثل كوبا وإيران وسورية، ربما كان فعالاً ومؤثراً، ومن دون أي تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي وعلى النظام المالي الدولي لأن مساهمة هذه الدول في إجمالي الناتج العالمي هي مساهمة محدودة، فضلاً عن أن تلك العقوبات فرضت في الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي، وانقسام العالم إلى منظومتين، رأسمالية واشتراكية، لكن الجديد اليوم، أن سلاح العقوبات من قبل الولايات المتحدة التي تهمين على النظام المالي، يأتي في سياق يتميز بسمتين أساسيتين، السمة الأولى، لم يعد الانقسام على المستوى الدولي يعكس انقساماً بين نظامين اجتماعيين اقتصاديين مختلفين، إذ أصبحت كل دول العالم، بما في ذلك الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي، أنظمة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية أنظمة رأسمالية، وباتت مصالح الشركات متعددة الجنسيات موزعة في كل دول العالم، ولاسيما الدول الكبرى من حيث السوق وعدد السكان، مثل الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا وباكستان وإندونيسيا، وبفعل هذا العامل فإن «النزعة القومية الاقتصادية» لم تعد تمثل الشركات الكبرى والفاعلة، ولا تعكس الاتجاهات الرئيسية لعمل ومصالح الاقتصاد العالمي، وهي أقرب إلى الحنين إلى السوق القومية التي لا توفر الغرض المطلوب للحفاظ على معدلات نمو مضطردة. وأي محاولة من أي نوع لإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية على أساس قومي، ستمنى بالفشل، وستعمل على إفشالها الجهات المستفيدة من عولمة الاقتصاد والتجارة، وهي الجهات الأقوى في الموازين الاقتصادية.

السمة الثانية، أن العقوبات الاقتصادية المعتمدة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وبعض حلفائها الغربيين، مثل كندا وأحياناً استراليا، لم تعد محصورة في الدول الصغيرة ذات الاقتصادات المتواضعة، بل إن هذه العقوبات تستهدف دولاً كبرى مثل روسيا، وثمة تهديد تتعرض لـه الصين، وإن كان بشكل آخر من العقوبات الاقتصادية، أي عقوبات اقتصادية على خلفية تجارية وليس خلفية سياسية، مثل فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية بقيمة (60) مليار دولار على سلع مختلفة تستوردها الولايات المتحدة من الصين.

التمادي في فرض مثل هذه العقوبات والتوسع بها، وتوظيف النظام المالي الدولي الذي يسيطر على العقوبات، لا يمكنه أن يظل من دون رد، ولعل اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مناقشة هذه المسألة في إطار مجموعة العشرين، التي تجمع غالبية دولها هواجس من العقوبات الأميركية والغربية، ومن استغلال وتوظيف النظام المالي الحالي لفرض علاقات غير متكافئة على المستوى الاقتصادي، هي مجرد خطوة من بين مجموعة من الخطوات التي تحفّز دول عديدة وفي مقدمتها مجموعة «البريكس» للبحث عن بديل للنظام المالي العالمي الحالي.

معروف أن البريكس أنشأت مصرفاً دولياً لتمويل التجارة برأسمال (100) مليار دولار، وسوف ترصد أيضاً (150) مليار دولار أخرى لتمويل نشاطات تجارية واقتصادية وقررت الصين اعتماد اليوان في شرائها البترول بديلاً عن دولار.

قد تكون هذه الإجراءات وإجراءات أخرى متوقعة في المستقبل غير قادرة على تقويض النظام المالي والدولي الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ولكن بكل تأكيد فإنها تؤشر لولادة نظام دولي منافس سيحد ويكسر احتكار الولايات المتحدة للنظام المالي العالمي الحالي، وسيكون لذلك تداعيات سلبية على الزعامة الأميركية للنظام المالي العالمي، وكلما أوغلت واشنطن أكثر في سياسة العقوبات الاقتصادية ووسعت نطاق استخدامها، كلما سرعت أكثر بولادة نظام مالي دولي منافس للنظام المالي الدولي الحالي.