Get Adobe Flash player

حميدي العبدالله

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيفرض ضرائب على السيارات الأوروبية المستوردة، في حال أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على رفع الرسوم الجمركية ضد الشركات الأمريكية. ومعروف أن دول الاتحاد الأوروبي هددت برفع الرسوم الجمركية رداً على توجه إدارة ترامب لفرض رسوم إضافية على واردات الولايات المتحدة من مواد الصلب والألمنيوم من بلدان الاتحاد الأوروبي تصل إلى 25% من القيمة العامة للمشتريات.

واضح أن توجه ترامب لفرض المزيد من الرسوم الجمركية على مستوردات الصلب والألمنيوم بقدر ما يفيد الشركات الأميركية التي تنتج في الولايات المتحدة هذه السلع، إلا أنه يلحق الضرر بكثير من الشركات الأميركية التي يدخل الصلب والألمنيوم في إنتاج سلعها، لأن رفع الضريبة الجمركية لحماية صناعة الصلب والألمنيوم في الولايات المتحدة يرفع سعر هذه السلعة التي تشكل مادة أولية لكثير من الصناعات ولاسيما صناعة السيارات.

لكن هذه المسألة ، وقبلها ما طرحه الرئيس الأمريكي في برنامجه الانتخابي، يكشف النقاب عن وجود تيارين داخل الشركات الأمريكية، التيار الأول تمثله الشركات التي تستفيد من العولمة وتحرير التجارة الدولية، إن لجهة الحصول على المواد الأولية بأسعار رخيصة، أو لجهة الوصول إلى الأسواق الخارجية من دون عوائق، أو حتى لجهة انتقال عمل الشركات الأميركية إلى الخارج بحثاً عن المدخلات الأقل كلفة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 60% من إجمالي الناتج القومي الأميركي بات ينتج خارج الولايات المتحدة عبر فروع الشركات الأميركية متعددة الجنسيات.

التيار الثاني، تمثله الشركات ذات الطابع المحلي التي تضررت من سياسة تحرير التجارة والعولمة، وهذه الشركات هي المسؤولة عن إيجاد فرص العمل للأميركيين، وبالتالي أمام تراجع حصة هذه الشركات بدأت تتضرر على نحو واضح قطاعات واسعة من العمال نظراً لتدني أجورها وتراجع وجود فرص عمل إضافية، ولعل حملة ترامب الانتخابية قد تركزت على مصالح هذه الفئة من أبناء الشعب الأميركي المتضررة من العولمة وتحرير التجارة الدولية.

ظاهرة العودة للحمائية وإدارة الظهر للعولمة لم تبرز في أوقات سابقة بقوة لأن الحكومات الغربية، ومن خلال هيمنتها السياسية على العالم ولاسيما بعد عام 1990، فرضت أسلوباً في تحرير التجارة قائم على الاستنسابية. مثلاً لم ُيصر إلى تحرير الزراعة حتى الآن لأن الدول النامية تمتلك ميزة تنافسية. وحتى قطاع النسيج أو الملبوسات لم يسمح بتحريره إلا ابتداءً من عام 2005، وحتى عندما بدأت عملية تحرير هذا القطاع لجأت الحكومات الغربية إلى اعتماد قوانين استنسابية لفرض قيود على منتجات الدول النامية للحد من تدفقها إلى الأسواق الغربية، واكتساح هذه الأسواق بفضل أسعارها التي تناسب غالبية الشعوب الغربية، ومرة أخرى برز الأسلوب الاستنسابي في تحرير التجارة، بمعنى ما يلائم الاقتصادات الغربية يجري تحريره، طالما أنه يصب في دعم تطوير هذه الاقتصادات، وما يلحق الأذى بها تجري عرقلة تنفيذه حتى وإن تعارض ذلك مع قوانين تحرير التجارة الدولية التي جرى التوافق عليها، وإلحاق الأذى بالاقتصادات النامية. لكن هذا الأسلوب الاستنسابي لم يعد مقبولاً بالنسبة للكثير من الدول النامية، ولاسيما مجموعة البريكس، وبالتالي بات توازن القوى الاقتصادي يقيد سياسة الاستنساب، وهذا هو الذي يدفع اليوم إلى عودة الحمائية.

بدء العودة إلى الحمائية من قطاع الصلب والألمنيوم، وهي القطاعات التي بدأ عبرها تحرير التجارة وإقامة السوق الاقتصادية المشتركة في أوروبا يوحي بأن العولمة وتحرير التجارة بدأت مسيرة معاكسة لما حدث ما بعد عام 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي باتجاه العودة إلى السوق القومية، وحماية هذه السوق من المنافسة الخارجية.