Get Adobe Flash player

حميدي العبدالله

خاتمة

إذا ما وضع بعين الاعتبار عوامل الدفع الاقتصادية والسياسة التي تجعل سياسة التوجه شرقاً وقيام كتلة شرقية تشبه الكتلة الغربية أمراً أكيداً، وإذا ما أخذ بعين الاعتبار العوامل التي تعيق ولادة هذه الكتلة وتؤثر على سرعة ولادتها، يمكن الاستنتاج أنه في نهاية المطاف ستولد هذه الكتلة، ليس فقط بفعل العوامل الموضوعية الناجمة عن التحول العميق والمتصاعد الذي تشهده التجارة الدولية، وتزايد حصة دول الشرق من الناتج الإجمالي الدولي، وانتقال ثقل التجارة الدولية إلى الشرق، بل بسبب تركز العملية الإنتاجية للغرب ذاته في دول الشرق، مثل الصين والهند، وحتى أندونيسيا وكوريا الجنوبية، وإنما أيضاً إضافةً إلى ذلك، من واقع أن الصراع على الموارد والمواد الأولية، والأسواق، وخطوط نقل الطاقة التي تغذي الآلة الاقتصادية، وتحافظ على مستوى التقدم الحضاري عادت بقوة من جديد، ولكن هذه المرة في إطار صراع مركب: صراع وتنافس بين الدول الغربية على غرار ما كان قائماً على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين. وصراع وتنافس بين الشرق والغرب، وهنا مفهوم الشرق والغرب بات مرادفاً لمفهوم الشمال الغني والجنوب الفقير، ولكن هذه المرة الغرب المتقهقر اقتصادياً، وحتى سياسياً، والشرق النامي والصاعد اقتصادياً وسياسياً، ومن هنا أطلقت تسمية البريكس على نواة الكتلة الشرقية وهي عبارة عن اختصار لعبارة «الأسواق البازغة»، وثمة الكثير من الوقائع والأدلة التي تحفل بها وسائل الإعلام الغربية وتصريحات المسؤولين في الغرب التي تلحظ وتشدد على هذه الصيرورة المستقبلية.

أحدث ما كشف عن هذا الواقع التاريخي الجديد ما جاء في العقيدة، أو استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي نشرت في شهر كانون الثاني عام 2018، حيث ورد حرفياً على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند تقديم هذه الاستراتيجية «نواجه أنظمة تهدد أميركا، وجماعات إرهابية، وشبكات إجرامية، وقوى مثل روسيا والصين». وزير الدفاع الأميركي قال بدوره أثناء تقديم استراتيجية الأمن القومي الأميركي حرفياً «نحن نواجه تهديدات متزايدة من قبل مختلف الدول الضالة مثل الصين وروسيا، التي تسعى لبناء عالم يتوافق مع نماذجها الاستبدادية، وتسعى لفرض الفيتو على القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية لدول أخرى». ليس هناك أوضح من ذلك لجهة تأكيد الولايات المتحدة على أولوية التصدي للصين وروسيا بوصفهما خطراً سياسياً واقتصادياً على الهيمنة الأميركية، إذ يقول وزير الدفاع الأميركي «إن المنافسة الاستراتيجية الطويلة الأمد مع الصين وروسيا تعتبر الأولوية الرئيسية لوزارة الدفاع». والحقيقة أن وزير الدفاع الأميركي أكد بوضوح ما بعده وضوح تأثير العوامل الاقتصادية على العلاقة بين الشرق والغرب، وبالتالي حتمية ولادة الكتلة الشرقية في تأكيده على المنافسة، أي أن الصين وروسيا تريدان أن يكون لهما مكانة متكافئة مع الولايات المتحدة والدول الغربية في الحصول على الموارد، والوصول إلى الأسواق، ولكن الولايات المتحدة ترفض ذلك ولا تقبل التسليم به بذريعة سعي موسكو وبكين «لبناء عالم يتوافق مع نماذجها الاستبدادية»، أو بعبارة أخرى وردت في متن وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» تؤكد أن «الصين وروسيا تريدان صوغ عالم يمثل نقيض القيم والمصالح الأميركية»، وهنا المهم هو المصالح الأميركية. وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك فتؤكد أن الصين وروسيا «تتحديان القوة والنفوذ والمصالح الأميركية»، هذا يعني أن الصراع، سياسياً واقتصادياً، بين الصين وروسيا وهما نواة أي كتلة شرقية، والولايات المتحدة يسير باتجاه تصاعدي وتحفزه مصالح يصعب التوفيق بينها، لهذا تدعو استراتيجية الأمن القومي الجديدة إلى «إعادة النظر في سياسة العقدين الماضيين، القائمة على افتراض أن المشاركة مع منافسيها وإدراجهم في المؤسسات الدولية والتجارة العالمية ستحولهم إلى جهات فاعلة حميدة وشركاء جديرين بالثقة».

وتلخّص «استراتيجية الأمن القومي» الأميركي كل هذه المسألة بعبارة لها الكثير من الدلالات والأبعاد وسيترتب عليها نتائج كثيرة، وتؤكد تصاعد الصراع بين الشرق والغرب، أو على الأقل بين دول الشرق والولايات المتحدة، هذه العبارة جاء فيها حرفياً «الأمن الاقتصادي الأميركي، هو الأمن القومي»، وهذا يعني أن على دول العالم أن تظل مجرد أسواق لتصريف البضائع الأميركية، ومصدراً للمواد الأولية، وأي دولة تخرج عن ذلك تهدد الأمن القومي الأميركي لأنها تتحدى الهيمنة الاقتصادية الأميركية وتطلق تنافساً في مواجهتها.

بتاريخ 14/1/2018 سلط مقالٌ نشر في صحيفة «واشنطن بوست» و«بلومبيرغ نيوز سيرفيس»، الضوء على أسباب الصراع أو التنافس بين الولايات المتحدة والصين على وجه الخصوص، يقول كاتب المقال «تستهدف الصين رفع ناتجها الإجمالي بحيث يتجاوز نظيره الأميركي قبل نهاية العقد المقبل» وتسعى الصين لتحقيق هذا الهدف من خلال إجراءات متنوعة وعديدة بينها «مبادرة حزام واحد، طريق واحد، التي تهدف لتطوير البنى التحتية على طول وعرض منطقة الأوراسيا، والتي تهدف من ورائها إلى تكريس دور بكين كقوة تجارية رائدة في العالم الآسيوي». يقيناً أن هذا هو الذي يقود إلى ولادة الكتلة الشرقية بين عوامل أخرى، ويقيناً أيضاً أن هذا ما لا تريده الولايات المتحدة وتعتبره تهديداً لمصالحها، لهذا تخلص «واشنطن بوست» نقلاً عن «إيد وونج» الرئيس السابق لمكتب بكين في صحيفة «نيويورك تايمز» مفسّراً صعود الصين اقتصادياً وسياسياً وتبعات هذا الصعود «يمكن لهذا النفوذ (النفوذ الصيني في الأوراسيا) أن يتسع أكثر من ذلك، إذ بدأت الصين في الوقت الحالي استخدام قوتها العسكرية بجس نبض القوى الغربية والآسيوية». وتختم «واشنطن بوست» قائلةً «مع تثبيت الصين لنفوذها الاقتصادي في بلدان منطقة آسيا والهادئ الواسعة، فإن تلك البلدان تشعر بأن الولايات المتحدة تعاني حالة من العزلة الاقتصادية في آسيا».

من الصعب استعراض كل الوقائع التي تؤكد حتمية ولادة الكتلة الشرقية، ودخولها بمواجهة متعددة الأشكال مع الكتلة الغربية، لأن ذلك يحتاج إلى مساحات أكثر، ولكن الوقائع التي مرّ ذكرها تؤكد هذه الحقيقة، وتؤكد أن ما يجري هو ميل تاريخي تحفزه عوامل موضوعية كثيرة يصعب معاندتها.