Get Adobe Flash player

541506624863e

حميدي العبدالله

مقدمة: يدور في أوساط عديدة حوار حول التوجه شرقاً في ضوء مجموعة من العوامل والتحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها منطقة الشرق, أو ما يعرف بالأوراسيا, حيث بدأت تنشأ تكتلات اقتصادية تأخذ منحى سياسي مثل «منظمة شنغهاي». كما أن انتقال ثقل التجارة الدولية إلى منطقة الشرق, وتحديداً الصين والهند وجنوب شرق آسيا, ساهم بدورة في إذكاء النقاش حول هذه المسألة في ضوء حقيقة أن حصة دول الشرق في التجارة العالمية وصل إلى معدلات مهمة دفعت بكثير من المفكرين والمخططين في الدول الغربية, ولاسيما في الولايات المتحدة، إلى لفت الانتباه إلى هذا التحول, ومطالبة المسؤولين الغربيين بأخذه على محمل الجد, ووضع السياسات المناسبة.

قوة هذا التحول نحو الشرق, الذي بات مسلماً به لدى النخب المتنورة في الغرب, يؤكد أن جاذبية الشرق ليست جاذبية سياسية وحسب. بمعنى آخر ليس تقارب دول فاعلة في الشرق سياسياً في مواجهة سياسة الهيمنة الغربية وحده الذي يدفع دول هذه المنطقة إلى التعاون, بل أن المصالح التجارية والاقتصادية المشتركة, ولاسيما خطوط نقل النفط والغاز, هي عوامل رئيسية تعزز فعل العوامل السياسية، وتفسر التقارب بين دول منطقة الشرق.

على أية حال التوجه شرقاً, وهو شعار رفعه الرئيس بشار الأسد, في ضوء تجارب سورية المريرة مع الغرب الذي يسعى إلى الهيمنة والسيطرة، ويرفض إقامة علاقات تعاون ندية، يطرح سؤالاً عن القاطرة التي ستقود إلى ولادة هذا التكتل الدولي الكبير التي بدأت ملامحه بالتكون من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسية:

  • المؤشر الأول, ولادة «منظمة شنغهاي» التي كانت في البداية مجرد تكتل للتعاون حول بعض القضايا ذات البعد الجيوسياسي, مثل مكافحة الإرهاب, والجريمة المنظمة, وتهريب المخدرات, وتحولت لاحقاً إلى منظمة اقتصادية سياسية, تزمع إقامة بنك استثمار مشترك, وتصدر بيانات تشبه البيانات التي تصدر سياسياً في أعقاب اجتماعات الدول السبع الغربية بزعامة الولايات المتحدة.
  • المؤشر الثاني, بدء دول منطقة الشرق بإقامة شبكة من خطوط نقل الطاقة, سواء بين دول المنطقة أو من المنطقة إلى المنافذ البحرية للوصول إلى مناطق أبعد.
  • المؤشر الثالث, نمو العلاقات التجارية والاقتصادية بين دول المنطقة بمعدلات أسرع مما كانت عليه في أوقات سابقة, وبديهي أن نمو هذه العلاقات التجارية والاقتصادية يسرع في خلق الأطر اللازمة لمواكبة عملية النمو هذه, ولعل ولادة «منظمة شنغهاي»كان نتيجة حتمية، لمثل هذا التحول غير المسبوق منذ أكثر من (300) عام بين دول المنطقة.

تشكل المؤشرات الثلاث قاطرة تؤدي إلى تشكل منطقة الشرق، في موازاة الغرب، والتحالف الدولي والتكتل الاقتصادي على ضفتي الأطلسي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة.

واضح إذن أن فكرة الشرق كقوة جاذبة, أو قوة منافسة للكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، ليست خياراً يعبر عن حلم أو طموح سياسي لا يرتكز إلى أي أساس، بل هي تعبير عن وقائع آخذة بالتشكل، يمثل الاقتصاد القوة الحافزة الرئيسية والمحرك الأساسي لهذه العملية. وكما كان للدور الاقتصادي, متمثلاً بالمصالح الاقتصادية للرأسمالية الناشئة (السوق الواسعة) في الغرب, دوراً هاماً في تشكل الدولة القومية، وتجاوز الدويلات والتقسيمات الإدارية الإقطاعية، وكما كان للعامل الاقتصادي والحاجة إلى النمو والرفاه دوره في نشوء «الاتحاد الأوروبي», بدءاً من اتفاقية التعاون حول الصلب والحديد في نهاية عقد الخمسينات من القرن الماضي وصولاً إلى العملة الموحدة، فإن للعوامل التجارية والاقتصادية الأخرى دورها الكبير في ولادة التكتل الشرقي الذي يجري التعبير عنه في تقارب سياسي بين غالبية دوله، وولادة أطر تعاون لم تكن موجودة حتى وقت قريب.