ما زال سير الأمور السياسية في إسرائيل، بعد يومين من انتخابات الكنيست، ليس واضحا، وما زال المأزق السياسي، بتعادل معسكري اليمين – الحريديين والوسط – يسار وتفوق طفيف للأخير، دون حصد أحدهما أغلبية واضحة، على حاله. وتوجه زعيم حزب الليكود ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى رئيس كتلة "كاحول لافان"، بيني غانتس، بتشكيل حكومة وحدة، قوبل برفض الأخير وشكوك واسعة حيال جدية ونوايا نتنياهو.

وتدل النتائج النهائية للانتخابات، صباح اليوم الجمعة، أن قوة معسكر اليمين – الحريديين، الذي شكل كتلة واحدة، هي 55 مقعدا في الكنيست، بينما قوة الوسط – يسار 44 مقعدا، رغم أن "كاحول لافان" خرج أكبر حزب. يضاف إلى ذلك 13 مقعدا للقائمة المشتركة، التي لا تشارك في لعبة تشكيل الحكومة، وحزب "يسرائيل بيتينو" برئاسة أفيغدور ليبرمان، الذي ينأى بنفسه عن المعسكرين ويدعو إلى حكومة وحدة "علمانية" من دون الحريديين.

وبدأت تتردد أنباء وسيناريوهات، مساء أمس، تحدث أحدها عن إمكان موافقة الحريديين على الجلوس في حكومة واحدة مع "كاحول لافان"، بعدما رفضوا ذلك في السابق بسبب مواقف المرشح الثاني في هذه الكتلة، يائير لبيد. وبينما يفسر الحريديون خطوة كهذه بأنها ستسمح لنتنياهو بضم "كاحول لافان" لحكومة برئاسته، إلا أن قرار كهذا يمكن أن يسمح للحريديين بالانضمام إلى حكومة برئاسة غانتس أيضا، بحال استمر الأخير برفض دعوة نتنياهو وأصر على أن يكون هو رئيس الحكومة.

ويبدو أنه يصعب توقع سيناريو كهذا، خاصة وأن أحد أهم رسائل "كاحول لافان" لجمهور الناخبين كانت "علمانية الحكومة" أو "حكومة ليبرالية"، أي بدون الحريديين، وهي أهم أسباب فوزها كأكبر كتلة، ولن تستطيع التراجع عن هذه الرسالة، في ظل احتمال التوجه إلى انتخابات ثالثة، وفيما يطوقها ليبرمان بالرسائل "العلمانية" ويرفض الجلوس مع الحريديين، الذين ارتفعت قوتهم في هذه الانتخابات. ويرى محللون أن حل هذا المأزق يكمن في المسار القضائي وتوجيه لوائح اتهام بشبهات الفساد ضد نتنياهو وخروجه من الحلبة السياسية، بعد جلسة الاستجواب، لدى المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، في الثاني والثالث من تشرين الأول/أكتوبر المقبل. 

فيما تتجه آمال نصف الجمهور في إسرائيل، على الأقل، إلى السلطة القضائية كي تحل المأزق الحاصل، كتب محلل الشؤون الحزبية في صحيفة "هآرتس"، يوسي فيرطر، أن "ساعة نتنياهو تدق مع اقتراب جلسة الاستجواب في مكتب المستشار القضائي للحكومة، والتي بعدها ستكون بانتظاره، بالتأكيد، لوائح اتهام".

وأضاف فيرطر أن نتنياهو "يستل الآن الأرنب الأخير والوحيد الذي تبقى في جعبته، وهي لعبة الاتهامات القديمة والجيدة، من أجل الوصول، ربما، إلى جولة انتخابات ثالثة مدعومة بتأييد شعبي ما. وهذا وهم مطلق. فهو رئيس حكومة مشتبه بمخالفات جنائية ويرفض إخلاء كرسيه والتفرغ لشؤونه، كما أنه ليس مرشحا شرعيا".

ووصف فيرطر أقوال نتنياهو بعد رفض غانتس لدعوته بأنه فوجئ وخاب أمله، بأنها "فرفرة الموت". "وهو يحاول خلق مشهد كاذب بأنه يسيطر على الوضع، لكن خدعته مكشوف". وأضاف أنه لا يوجد مخرج لهذا المأزق غير المسبوق، "ربما فقط صفقة ادعاء لنتنياهو، تسمح له باعتزال محترم، قياسا بوضعه، من دون عقوبة السجن، يمكن أن تشق طريق للنجاة. وخيار آخر هو تغيير نتنياهو في رئاسة الليكود. وهذه عملية صعبة ومعقدة ومليئة بالعقبات. وثمة شك إذا كان المدى الزمني يسمح بذلك".

اعتبرت محللة الشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، سيما كدمون، أن "استيعاب أن المؤسسة السياسية موجودة مقابل طريق مسدود، بدأ يتغلغل. والآن، خيار حكومة الوحدة الذي بدا طبيعيا ليلة الانتخابات، آخذ بالابتعاد في أعقاب الحلف الذي أبرمه نتنياهو مع شركائه" اليمينيين والحريديين.

وتطرقت كدمون هي الأخرى إلى المستشار القضائي ضد نتنياهو، وأن "من شأنه تغيير مسار الأمور. فبعد أسبوعين ستجري جلسة الاستجواب ضد نتنياهو. وقد أوضحت له نتائج الانتخابات أنه ليس قادرا على كل شيء، وأن ليس بحوزته تفويضا عاما لإخضاع سلطة القانون لمصلحته. ووفقا لتقارير، في السلطة القضائية لا تعتزم مساعدته في صفقة ادعاء تمكنه من التهرب من المحاكمة. بل على العكس. مندلبليت عازم على تسريع القرار، وثمة شك إذا سيكون في الاستجواب شيئا دراماتيكيا سيغير الاتجاه، ألا وهو لوائح اتهام بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة". 

وأضافت أن "هذه هي الأجواء السائدة في وزارة القضاء أيضا. وليس فقط أن نصف الجمهور سئم الوضع. ويبدو أن هناك خيارات أمام نتنياهو: التوجه إلى محاكمة طويلة، يخوضها في الصباح ويدير شؤون الدولة في المساء، أو محاولة التوصل إلى صفقة ادعاء. لكن نتنياهو لن يقدم على خطوة كهذه".     

وبدا المحلل السياسي في صحيفة "معاريف"، بن كسبيت، حاسما حيال مصير نتنياهو. "لقد انتهى عهده. وقد قضى على نفسه بيديه. كان لديه كل شيء، وسيكتشف قريبا أن لا شيء لديه. الفائز تحول إلى خاسر. وناشطو الليكود أداروا ظهرهم له. فقد بقيت أعداد كبير منهم في البيت أو ذهبوا إلى شاطئ البحر (أي لم يصوتوا). وقال الجمهور له "حتى هنا". الذي اعتبر كمن "يجلب الحكم"، تحول إلى من "يبعد الحكم".

وتابع كسبيت أن "بنيامين نتنياهو أنهى دوره التاريخي. وهذه حقيقة. لن يتمكن من تشكيل حكومة ولن يتمكن من الفوز في معركة انتخابية أخرى، في آذار/مارس 2020". وحسب كسبيت، فإنه لا توجد أغلبية داخل الليكود تؤيد حل الكنيست مرة أخرى. لكن إذا نجح في حل الكنيست، "فإن الدولة التي تجمدت لسنة ونصف السنة ستفرغ غضبها عليه. وهو سيفكك الليكود إلى أشلاء، تماما مثل فعل في العام 2006. وسيدرك الليكود ذلك قريبا. الآن هم يسكتون، ويمنحونه حبلا".

ومضى كسبيت أن "أريئيل شارون اعتاد على قول الجملة التالية عن نتنياهو: "أعطوه حبلا، وسوف يشنق نفسه". وبعد أن نضج مع مرور السنين، عاد نتنياهو إلى حالته السابقة. ويرتكب جميع الأخطاء الممكنة ويسقط في جميع الحفر الفارغة. وهو لا يدرك أن لافتة ’الخروج’، التي مرت قبالة نظره للتو، كانت الأخيرة".