Get Adobe Flash player

بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إثر زيارته لقاعدة عين أسد في غرب العراق والتي أعلن فيها أنّ القوات الأميركية باقية في العراق لمراقبة إيران، بعد هذه التصريحات كانت هناك موجة انتقادات من قوى سياسية وازنة في العراق ترفض، أولاً هذه التصريحات وتحذر من تحويل العراق إلى طرف في صراعات المنطقة، وثانياً طالبت بعض القوى السياسية برحيل القوات الأميركية من العراق بعد أن لم يعد لوجودها مبرّر في ضوء الانتصار العسكري الذي حققه العراق ضدّ داعش .

وأوحت هذه التصريحات والمواقف المندّدة بالوجود العسكري الأميركي في العراق بقرب حدوث مواجهة بين الطرفين، فهل تقع هذه المواجهة، أم أنها تظلّ عاصفة سياسية تهدأ بعد توصل الوسطاء، العلنيّين والسريّين، إلى تفاهمات بعيداً عن الإعلام تبقي القديم على قدمه وتنزع فتيل التأجيج السياسي الذي أشعلته تصريحات الرئيس الأميركي؟

واضح أنّ البيان الذي صدر عن رئيس مجلس وزراء العراق وهو قاسم مشترك بين القوى السياسية المناهضة للوجود الأميركي والقوى الأخرى السياسية الموالية له، أوحت بأنّ سياسة بغداد إزاء الوجود الأميركي لا تزال على قِدمها، وأنّ ما أثارته تصريحات الرئيس الأميركي يجري العمل على احتوائها. رئيس الوزراء العراقي قال إن لا وجود عسكري كبير للأميركيين في العراق، وهو يعلم أنّ هذا الكلام غير دقيق، ولكن أن يصرح بذلك فهذا يعني أنه يعارض أيّ جهود جدية لإخراج القوات الأميركية من العراق. وبديهي أنه لا يمثل موقفه الشخصي عندما يعلن ذلك، ولا يعبّر عما لديه من صلاحيات كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية وحسب، بل إنّ موقفه هذا يعبّر بشكل أو بآخر عن مواقف قوى سياسية وازنة في العراق تهيمن على البرلمان وتشارك في الحكومة العراقية.

كلّ ذلك يعني أنّ الحملة التي تدعو إلى سحب القوات الأميركية من العراق، هي حملة دعائية وليست إجرائية، حتى لو تمّ عرض مشروع قرار على البرلمان يطلب سحب القوات الأجنبية، فالأرجح أن لا يقرّ هذا المشروع، وسيتمّ تعطيل الجلسات التي يعقدها البرلمان للتصويت على مشروع قرار يطالب بسحب القوات الأميركية من العراق، وسيتمّ خلال ذلك إجراء اتصالات لاحتواء الضرر الذي سبّبته تصريحات الرئيس الأميركي.

واضح حتى الآن أنّ ثمة تقاطع مصالح بين حلفاء الولايات المتحدة وخصومها وأعدائها حول الوجود الأميركي في العراق، يقود تقاطع المصالح هذا إلى استمرار وجود القوات الأميركية.

إيران مثلاً وهي المتضرّرة والمستهدفة من الوجود العسكري الأميركي في العراق والمنطقة، لا ترى أنّ هذا الوجود العسكري في العراق يشكل تهديداً جدياً لها، أولاً، بفعل التوازنات الداخلية العراقية، وثانياً لأنّ وجود القوات الأميركية في العراق يجعلها رهينة بين يدي إيران وحلفائها، وتشكل نقطة ضعف الولايات المتحدة الأساسية في حال أرادت الانتقال من الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى الضغوط العسكرية المباشرة ضدّ إيران.

وإذا كانت طهران وحلفاؤها لا ترى في الوجود الأميركي في العراق خطراً يستوجب التحرك لاقتلاعه، فإنّ قوى عراقية كثيرة أخرى تريد بقاء القوات الأميركية للاستقواء بها، وهكذا تتكوّن مصلحة مشتركة بخلفيات متباينة تعزز بقاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، وتجعل المواجهة احتمالاً ضعيفاً في المدى القريب على الأقلّ.

(البناء)