Get Adobe Flash player

لا شك أنّ الاحتجاجات التي يشهدها الأردن الآن، والتي تشكّل حالة نادرة تحدث كلّ عشرين عاماً أو أكثر مرة واحدة، إذ إنّ الاحتجاجات التي تشبه ما يجري الآن، باستثناء تلك المرتبطة ببداية ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، تعود إلى عام 1988 .

لا شك أنّ هذه الاحتجاجات دوافعها اقتصادية وليست سياسية، وأيّ محاولة لإضفاء الدوافع السياسية المباشرة كمحرك لهذه الاحتجاجات ستكون أقرب إلى التعسّف والتأويل منها إلى أيّ شيء آخر. لا نجد في هذه الاحتجاجات شعارات سياسية شبيهة بتلك التي رفعها المتظاهرون في عام 2011، وحتى شعار إسقاط الحكومة الأردنية، وهو شعار سياسي بكلّ تأكيد، رُفع رداً على تعنّت الحكومة الأردنية ورفضها الاستجابة لمطالب المحتجّين الاقتصادية.

لكن هذه الاحتجاجات لها دوافع يصعب فصلها عن الدوافع التي تحمل أبعاداً سياسية، حتى لو كانت هذه الأبعاد السياسية مباشرة، وظهر معها وكأنّ الدوافع هي دوافع اقتصادية صرفة.

مثلاً استجابة الحكومة الأردنية الحالية والحكومات السابقة لإملاءات صندوق النقد الدولي، هذه الاستجابة مرتبطة بماهية النظام الاقتصادي، أيّ هل النظام الاقتصادي يأخذ بعين الاعتبار مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية، أم مفهوم الدولة الليبرالية، التي تؤمن بيد الاقتصاد الخفية التي تصلح كلّ شيء حسب نظرية آدم سميث؟

لا شك أنّ هذا بُعد سياسي حتى وإنْ تلاشى هذا البُعد في الإطار الاقتصادي، وقد سلّط الضوء على هذا البُعد فائز أرشيدات، نقيب المحامين الأردنيين، باعتبار أنّ مجلس النّقباء للنقابات المهنية هو الذي أطلق شرارة هذا الحراك، ويرفض مشروع الحكومة الأردنية بوصفه مشروعاً مطروحاً من جهات أجنبية، وهي صندوق النقد الدولي.

مثالٌ ثانٍ عن الأبعاد السياسية لدوافع الاحتجاجات التي يشهدها الأردن، ويتلخص هذا المثال بتأثر الأردن بالأزمة المالية التي تعصف بالدول الخليجية جراء انخراطها في حروب المنطقة والعمل على تمويل هذه الحروب التي باتت كلفتها عالية جداً، إضافةً إلى النهب الأميركي لثروات هذه الدول، ولا سيما بعد وصول دونالد ترامب إلى سُدّة الرئاسة في الولايات المتحدة، وقد أشار إلى تأثير هذا العامل، وهو بُعد سياسي بامتياز، الملك الأردني عبد الله الثاني الذي أنحى باللوم في ما يجري بالأردن الآن على ما أسماه «الاضطرابات الإقليمية» التي «فاقمت المعاناة المالية للأردن».

مثال ثالث، انعكاس الحرب الإرهابية التي شُنّت على سورية على الأوضاع الاقتصادية في الأردن، إنْ لجهة تدفق اللاجئين أو لجهة إغلاق نوافذ تصدير مهمة، وثمّة خبراء أردنيون أشاروا إلى أنّ مصادر تمويل الأردن غير القروض والمعونات الخليجية والغربية وتحويلات العاملين الأردنيين في الخارج، هي التصدير إلى سورية والعراق، وتأثير هذا العامل لحظه الملك الأردني عندما قال إنّ «تفاقم المعاناة المالية للأردن ناجم عن كون الأردن يحدّه من الشمال سورية التي تمزقها الحرب، ومن الشرق العراق»، ومعروف حالة اللا استقرار في العراق منذ الاحتلال الأميركي عام 2003.

هذه عوامل سياسية تقف في خلفية مشهد الاحتجاجات الأردنية ذات الطابع الاقتصادي.