20170306155229

بقلم باسل الأعرج

أحاديث تلاحقك حيثما ذهبت؛ في المقاهي، السيارات، في انتظارك عند طبيب الأسنان، صباحًا وأنت تلقي التحية على عامل النظافة. تسمعها ساخرةً ممن يناولك علبة السجائر في البقالة، في استراحة شرب القهوة في مكان العمل، على طاولة العشاء، من زميلك أيام الدراسة الذي فاقت ثروته المليون خلال سنتين، يلقيها على مسمعك المريض وأنت تقدّم له مستعجلاً دواء ضعفه الجنسيّ .

تقرأ في الفيسبوك، التويتر، في الصحف، ومواقع الانترنت والمدونات، بالفصحى أو العاميّة الممتلئة بالأخطاء الأملائية، وبالحروف الانجليزية أحيانًا.

في الإعلان التجاري عند حاجز قلنديا، في ثورة البناء العقاري في قلب مدنٍ ممسوخة، في لوحة إعلان (بالعبرية) لمرآب تصليح السيارات، في قائمة الطعام في مطعمك المفضّل وفي عينيّ مسؤول مصاب بعقدة ستوكهولم.

أحاديث وأقوال، تلميحات وكتابات، كلها تسخر وتحقّر وتبخّس عمل وشخوص النشطاء ضد الاحتلال والفساد السياسي، لكن هذا كله عالم، والتحقير الساخر من نشاط الإناث، عالم آخر يوازيه.

في الأيام الأولى لإضراب الأسرى عن الطعام، تسلقت فتاة مركبة عسكرية إسرائيلية لتفريق المظاهرات (بوئيش) قاذفةً للمياه ذات الرائحة الكريهة. وغير الاعتداء الجسدي الذي تعرضت إليه، الفتاة ورفيقاتها، والأسلحة الكيماوية لتفريق المظاهرات وغيرها من أشكال التنكيل، تعرضوا أيضًا لسيلٍ هائل من التعليقات المستفزة من قبل أبناء شعبهنّ.

في ذات السياق انتشرت صور لصبايا يرشقن الجيش بالحجارة عند سجن عوفر، فاشتعلت على أثر هذه التعليقات موجة نقاشات (وكعادتنا، يتحول النقاش إلى السباب والشتم) واستفزتني تصريحات بعض النشطاء أكثر مما استفزتني التعليقات المسيئة.

تنشأ عند أبناء المجتمعات المقهورة، والواقعة تحت الاستعمار خاصةً، علاقة ازدراء ضمنيّة للذات والآخر (داخل المجتمع) فتصب على غيرهم من أفراد المجتمع، حيث يعكسون العار والمأساة ضمن منهجية

عندما يجاهر المقهور بمقولات مسيئة لغيره من الواقعين تحت القهر ذاته، إنما هو يعبّر عن مدى شعوره بالضعف والدونية والذنب، وذلك من أجل الحصول على توازن نفسي والتخلص مما يحيط به من توترٍ وانفعال.

ويمرّ المقهور في ثلاث مراحل حسبما يعرضها مصطفى حجازي:

أولاً، مرحلة الرضوخ والقهر؛ حيث تدوم هذه المرحلة لفترة طويلة نسبيًا، ويشكل زمن الرضوخ والاستكانة –الفترة المظلمة- في تاريخ المجتمع عصر انحطاط تكون فيه قوى التسلط الخارجي –الاستعمار- والتسلط الداخلي-سلطة أوسلو مثلاً- في أوج سطوتها، فيكره الإنسان ذاته ويوجّه عدوانيته تجاه نفسه ومن يقبع تحت ذات مستوى القهر.. ثم يزيح هذه العدوانية ليمارسها تجاه الأضعف منه، وفي حالتنا الاجتماعية تمثل المرأة رمزًا للضعف، وتصبح أكثر من تصب عليه عدوانية القول والفعل.

ثانيًا، الاضطهاد؛ يحوّل الإنسان حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهةً ضده إلى الآخرين بعد عدم تمكنه من كبتها أو التخلص منها، ويبحث عن مخطئ ليحمله وزر ذلك الشعور، ليتخلص من عقدة الذنب والدونية والعار، واضطراب الديمومة- أي عدم قدرة الإنسان على التمكن من قوى المكان والزمان، وبالتالي فقدان سيطرته على مصيره- لتخفيف التوترات الداخلية في نفسه.

ثالثًا، الانتفاض والتمرد؛ حيث يسعى المقهور للتخلص من كل هذه العُقَد عبر الانتفاض والرفض ومواجهة المتسلط والقهر، عبر الكفاح المسلح أو المقاومة غير العنيفة.

الوعي، كما يعرّفه علماء النفس- حالة عقلية يتميّز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقية، الذاتية، الإدراك الذاتي، الحالة الشعورية، الحكمة/العقلانية، القدرة على الإدراك الحسّي للعلاقة بين كيانه الشخصي والمحيط الطبيعي به.

بالمحصلة، إن الوعي هو ما يكون لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة حوله.

أما الوعي الزائف، فهو أن تكون أفكار الإنسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع، أو غير واقعيّة وتقتصر على جانبٍ معيّن.

إلا أنني أميل جدًا إلى تعريف الصديق خالد بركان للوعي: ليس بمقدار القراءة والكتابة وحفظ المعلومات بقدر ما هو الالتزام بالمسؤولية الفردية في الانحياز المطلق للحق والأفكار النبيلة والالتزام بقضايا وحقوق البشر والدفاع عنها.

عانى مجتمعنا من سياسات تجهيل وصهر وكيّ للوعي الفردي والجمعي مدة سنوات طويلة، وتم استبداله بوعيٍ زائف وساهمت إجراءات الاحتلال مساهمةً كبرى في سبيل ترسيخ هذه الأفكار، ولا ننكر مسؤولية السلطة والإعلام المتواطئ وأشباه المثقفين والكتاب ومؤسسات المجتمع المدني التابعة لمنظومة التمويل الخارجي، ولم يحظ المواطن الفلسطيني على حقه الكامل في صياغة وعيه السليم، فيولد ويعيش ويموت في ظروفٍ غير طبيعية، فكيف نطلب منه مواقف طبيعية؟

يقسم مصطفى حجازي الخصائص الذهنية المتخلفة للمقهورين على النحو التالي:

أولاً، الخصائص الذهنية المنهجية: وتتميز باضطراب منهجية التفكير من جهة وقصور للفكر الجدلي من جهة اخرى، ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المقهور من قصور الفكر النقدي، فهناك عجز في الجمع في سياق واحد بين الاوجه الموجبة والسالبة (المتضادات)، ويعجز عن الذهاب بعيدا في تحليل الامور لأنه لا يدرك ان لكل ظاهرة مستويات من العمق ويكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعا يخفي الحقيقة، ويطلق احكاما قطعية نهائية بشكل مضلل. اما ضعف الفكر الجدلي فهو لب الذهنية المقهورة فهي جامدة قطعية أحادية الجانب تخفق في ادراك الترابط والتفاعل بين الظواهر وما ينتج عنها من حركية وتغيير.

الخصائص الذهنية الانفعالية: طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في الازمات، ولكنها عند المقهور تكاد تكون هي الاسلوب الاساسي ويعيش في حالة من التوتر الانفعالي مما يمنع من التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية.

توضح الخصائص الذهنية للمقهورين طريقة التفكير والنقد والجدل، وتعطينا لمحة قوية عن كيفية النقاش الذي يحدث وعدم تمركزه حول الموضوع والتشتت وطبيعة الاستنتاجات الغريبة احيانا.

تُسَفَّل المرأة في ادوار الرضوخ تبعا لواقعها، فمن الرضوخ للأب والأخ، ثم للزوج.. ويُنظَر لها على أنها ذلك الكائن الضعيف الجاهل القاصر العاجز الذي يحتاج الى وصي وحماية.

يتم استلابها أشد أستلاب، بداية بالاستلاب العقائدي لدورها بالمجتمع، وإقناعها بواقعها المعاش ودفعها نحو تذويت القهر والحط من دورها وقدراتها ووظيفتها، ثم يأتي الاستلاب الاقتصادي بحيث تحاصر اقتصاديا وتمنع من الانتاج الذاتي الفردي المستقل عن الذكر لضمان عدم قدرتها على التحرر من اضطهادها، ثم استلاب جنسي، لتتحول الى وعاء لإشباع الرغبات الجنسية والنفسية للذكر ووعاء حاضن للإنجاب، وتغيب في هذه التركيبة المساواة بين الذاتية والغيرية من الذكر خوفا من بروز الحس الانساني الذي يتهدد نرجسية و”إيجو” الذكر، فيمارس عليها ما يمارسه عليه المتسلط.

يزرع المتسلط في عقل المقهورين ثلاث عقد رئيسية:

أولاً، عقدة النقص والدونية؛ وهي الشعور بالتسفيل وتحقير الذات وعدم انسانية الشخص ومدى الضعف والجهل مقارنة بالمتسلط القوي الجميل المنتج المتحضر.

ثانيًا، عقدة العار؛ عندما يبدأ المقهور بالشعور بواقعه الفعلي يعيش شعورا مليئا بالعار، ولا يستطيع ان يتحمل ذلك الواقع فيقوم بإسقاط وإزاحة ذلك العار على الاخر المشابه له.

ثالثًا، عقدة اضطراب الديمومة؛ يستحضر المقهور هنا كل تجارب الماضي ويعيش في خوف مستمر من أن يطاله تسلط وإجراءات المتسلط، فيميل الى الانعزال (امشي الحيط الحيط) او الى التماهي مع المحتل.

كل هذه العقد تُعكس فعليا وتصب على المرأة بحيث يقوم الذكر بتصوير المرأة على انها هي العار ويختصر معنى الشرف والكرامة في عضو جنسي بين الفخذين، فتتغير المفاهيم والقيم والأحكام، ويظل شاعرًا بالتهديد المستمر لشرفه المزعوم الذي تمثله تلك المرأة، فيحاصرها ويغلق عليها ويمنع حريتها، خوفه الأبدي من الفضيحة وسعيا وراء النمط الاجتماعي المناسب واللائق، فأكثر ما يستفز المقهورين ويهددهم هو تصرف يجرح ذلك الشكل الاجتماعي الزائف الذي يستعمله كغطاء لعاره وضعفه بغياب كرامته.

لذلك عندما تقوم فتاة ما بصفع ذلك الجندي او تتجرأ على فعل لا يتجرأ الذكر عليه، يقوم الذكر بقياس ذلك على نفسه وعدم قدرته على الفعل ذاته، ويقارن خضوعه امام ذلك الجندي بانتفاض تلك الفتاة فيشعر بالخزي مما يدفعه لاستحضار كل الاسقاطات السلبية عليها.

ومع هذا، يجب مراعاة الرأي العام وكسبه وعدم معاداته نهائيا، فان كنت تؤمن بالعنف الثوري والكفاح المسلح كطريق للوصول الى الانعتاق، اود ان اذكرك بأن فرانتز فانون اشهر منظري العنف الثوري قام بترتيب مراحل العمل الثوري واضعا مرحلة كسب العقول والقلوب بعد تحديد الهدف والاستعداد.

هي من المراحل الأكثر أهمية لانجاح أو فشل أية حركات، إذ أن التحرر لا يتم إلا من خلال النخب قليلة العدد ( أنتم ) ومن هنا تأتي الحاجة الى جماهير توفر للحركة الدعم والافراد والموارد والاستمرارية ولذا فان عملية اقناع الجمهور بالثورة وكسب تأييد ودعم ومشاركة المجتمع لا يتم بسهولة وعليه فان يستخدم القادة عوامل وتقنيات في توظيف الجماهير مثل الطاعة والاقناع والعدوى والتكرار والتاكيد والنرجسيات الجماعية وتأليفها واختلاقها وتوظيف الدين في التحرك واللجوء الى التبرير والعوامل النفسية الاخرى في اقناع الجمهور

وان كنت من المؤمنين باللاعنف الذي يعتبر جين شارب وغاندي من اشهر منظريه ، فقد اعتمد المذكوران في وضع مراحل التحرر عبر اللاعنف على نظرية العالم النفسي جان ماري موللر الذي يقول: “وفي نفس الوقت يكون هناك بناء للقدرات والتطوير الذاتي مثل مدراس بديلة ومؤسسات بديلة واعداد للكوادر ، وطرق التدخل وتوزيع الادوار اثناء التدخل وهنا يحصل القمع من قبل الطرف الاخر فتتوسع قاعدتهم الجماهيرية ويكسبون الرأي العام”،ويضيف: “قد يكون الرأي العام المحلي او الرأي العام الوطني او الرأي العام الدولي حسب طبيعة الصراع حاولت أن أجمع وأصنف وأحلل أسباب مثل هذه التعليقات والتصرفات، وأيقنت أن الاحتلال له الدور الأبرز عن طريق ممارساته وإجراءاته أضافة لوكلائه من المتسلطين الداخليين وأشباه المثقفين.

وأعتقد أن كثيرا من الناس ممن لم يصرحوا بمثل هذه الأقوال إنما يحملونها في عقولهم لكن لم يكن عندهم الجرأة الكافية ولا التوتر الانفعالي اللازم ليصرحوا بها.

لن أبرر ولكن سأتفهم وأحاول معرفة كيفية مواجهة هذه الظاهرة في المجتمع وأضع بين عيني استنتاج مهم (هنّ ضحايا فلا تكن مع الاحتلال عليهن ) فلا يجوز وليس من اللائق ممن وضعوا على أنفسهم الالتزام الاخلاقي بالدفاع عن الوطن والمجتمع لتحرير الارض والعقل اشعار الناس بدونيتهم والتبخيس فيهم مهما خرج منهم ما يسيء لك، فان لم تتفهم عقليات الناس وسلوكياتهم وأنت لا تملك الان سلطة عليهم فانا على يقين بأننا سنستبدل متسلطا بمتسلط آخر.

واقترح بعض الأفكار التي قد تصح كمادة للتفكير نحو إيجاد الحلول:

1-    حرر عقلك من كل هذه العقد التي سبق ذكرها.

2-    راعي ثقافة المجتمع و لا تعاديها.

3-    تعامل مع المحيط بواقعية وحاول المحافظة على الاتزان الانفعالي.

4-    عرفهم حقوقهم وواجباتهم.

5-    عرفهم قدراتهم الذاتية، وتقدير الفروقات الفردية.

6-    لا تناقشهم، فقصور الفكر الجدلي سيد الموقف، بل استخدم أسلوب سقراط في الطرح والسؤال.

7-    حوّل كل ذلك الغضب باتجاه الاحتلال.

8-    لا تبالغ بالشكوى والتذمر.

9-    لا تصبح مغناطيس للأفكار السيئة لأنك ستفسر كل ما يحدث بطريقة سلبية.

10-                       ساهم في تغيير هذه القناعات والقضاء على الوعي الزائف.

عن شبكة قدس الإخبارية