Get Adobe Flash player

za2ifi

باسل الأعرج    

في مثل هذا اليوم قبل بضع سنين كان ذلك الشاب يقضي نهاره صعودًا ونزولًا على درج فندق ريجينسي في القدس, ليقيس كم من الوقت يحتاج للانسحاب بعد تنفيذ الاغتيال .

ارتدى أجمل ما عنده, تعمد أن يلبس في قدمه حذاء غير مريح ليزيد من وضوح إصابته في الانتفاضة ووضع أوراق الصليب الأحمر التي تثبت قضاءه عدة شهور في السجن, بحث عن الكوفية المزينة من طرفها بشعار الحركة, توجه إلى مكتب الحركة ليأخذ بطاقة عضوية وجد الرتبة: مبرراتي (من التبرير) سخط واعترض وشتم قالوا له: ارض بنصيبك غيرك أخذ رتبة (سحيج).

تسلم ذلك الشاب وزملاؤه أمر تنفيذ الاغتيال، مع مسدسين بكاتم صوت وقسمت المهام وتم الكشف لهم عن الهدف, آخر اجتماع قبل التنفيذ ، وقف ذلك الشاب الوسيم أمام عاملة الاستقبال في الفندق, ابتسمت له, كان عمال الاستقبال قد اعتادوا عليه من الأيام السابقة, طلب حجز غرفة، أخذ المفتاح, وتوجه إلى المصعد, استكشف الثلاث مصاعد في الفندق حسب ما هو مطلوب منه توّجه إلى الغرفة, كان قد وضع سيارته الذهبية من نوع ( كيا ) في موقف الفندق, لا يدري بعد من أين أحضرها مجدي , جلس ليتفحص مدى دقة تزوير الهوية التي أعطاه اياه أيضًا مجدي, رفع سماعة الهاتف وطلب من عاملة الاستقبال أرقام بنات ليل ليمنع الشكوك من حوله في مثل هذه اللحظة كان حمدي يفحص الطابق الثامن, قاس المسافة ما بين غرفة زئيفي والدرج, صدم من دقة المعلومات, نعم كما قالوا لي خمسة أمتار فقط.

باقي أفراد الخلية كانوا قد استأجروا سيارة تحمل نمرة مقدسية بهوية مزورة من نوع فونتو ويتدربون على طريق الانسحاب من الفندق الى رام الله. واستأجروا سيارة أخرى باسم لؤي عودة لتكون سيارة رصد الطريق بعد تنفيذ العملية .

في مثل هذه اللحظة كان قد أنهى حمدي فحص الفندق وذهب لسبح قليلا في بركة الفندق ومن ثم خرج ودفع أجرة الغرفة وعاد إلى رام الله، وصل حمدي قرعان الى رام الله, واجتمع مع رفيقيه باسل الأسمر ومحمد الريماوي في المقهى العربي.

سأل حمدي: باسل ماذا فعلت؟

أجاب باسل: حضرت السيارة الفان ووضعت فيها الوسائل القتالية التي أعطيتني اياها, عدة قنابل يدوية و3 مسدسات ورشاش من نوع سكوربيون, فحصت الطريق من الفندق الى رام الله ومن الفندق إلى العيزرية.

حمدي: وأنت يا محمد هل أمّنت البيت في العيزرية؟

محمد الريماوي: أمنت البيت الذي سيستخدم كبيت آمن في العيزرية

نحن مكلفون من قبل القائد العام للجهاز العسكري للجبهة الشعبية باغتيال رحبعام زئيفي ردًا على اغتيال أبو علي مصطفي , زئيفي أب لاربع أطفال ويشغل منصب وزير السياحة عمره 75 سنة وصاحب مشروع الترانسفير, ينزل في فندق حياة ريجينسي في الطابق الثامن الساعة السادسة ونصف يغادر غرفته لقاعة الفطور ثم بعد ربع ساعة يعود إلى الغرفة هناك بووم بووم.

أنا من سيطلق النار على زئيفي, وأنت يا باسل ستكون برفقتي في حال كان هناك من يرافق زئيفي, وأنت يا محمد ستنتظرنا على باب الفندق بالسيارة المجهز.

في حال فشلت الخطة سننتقل للخطة البديلة, علينا أن نفتح جبهة في القدس الشرقية بالأسلحة المتوفرة معنا في إطار سلسلة عمليات ردًا على اغتيال أبو علي.

علينا أن ننطلق إلى الفندق الآن.

وصل الثلاثة إلى البيت الامن في العيزرية, تفقده حمدي, تفقد المداخل والمخارج, طلب من محمد أن يوفر الشمع والطعام وراديو وأن يتخلص من هاتفه النقال إلى الأبد.

ركب حمدي وباسل السيارة وتوجهوا إلى باب العامود في القدس, مؤكد أنهم زاروا فرن المصرارة ليتذوقوا طعم القدس، أغلق محمد الريماوي البيت على نفسه, أطفأ كل الأضواء واغلق الستائر والشبابيك, البيت لرفيق آخر يدعى محمد.

يجب أن لا يثير البيت أي شكوك أبدًا, محمد الريماوي موالد 66 في مخيم سوف في جرش, له أربع بنات يسكن مع زوجته وبناته في بيت ريما في رام الله, كان كهربائي سيارات تعلمها في أثناء خدمته في الجيش الاردني.

لا نعرف أبدا كيف قضى محمد ليلته وحيدا, بماذا كان يفكر, شوقه لبناته, لكن دعونا نرسم نحن بعضا من تفاصيل تلك الليلة.

كان قد مر وهو في طريقه على بائع الكتب في شارع ركب, بالقرب من الكوكيرز, توقف وتفحص الكتب, لاحظ أن احدى الروايات قد قدمها الحكيم. رواية الأقانيم الثلاثة كانت رفيقته تلك الليلة, نعم فهي أفضل ما كتب لمن قد أصبح التخفي رفيقه.

مؤكد أن نوح ابراهيم وقصائده الثورية كان لها نصيب في ليلته, غناها أكثر من مرة, كانوا ثلاثة رجال تسابقوا عالموت, أقدامهم عليت فوق رقبة الجلاد.

حاول الوهن أن يتسلل له عبر زوجته وبناته, طرد الفكرة بسرعة, حاول أن يتخيل منظر النشوة على وجه كل فلسطيني عندما ستأتي الأخبار العاجلة على قناة الجزيرة. زاد اصراره.حاول محمد أن يتخيل خطبة الجمعة المقبلة, لم يجد ما يناسب أكثر من “أن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون،هكذا خطب إمام صلاتنا في القرية في ذلك اليوم.

تقدم حمدي وباسل الى مكتب الاستقبال في حياة ريجنسي, نفس الموظفة التي كانت في الأيام السابقة , قالت له مرحبا: أهلا بك أستاذ سامر شحادة يبدو أن الاقامة قد طابت لك عندنا.

قال لها وهو يستعرض أمامها باقي الألف دولار التي أعطاه إياه عاهد أبو غلمة كميزانية للعملية وقد أظهر لها بعضًا من البطاقات المصرفية: أريد غرفة بسريرين أرجو أن تكون في الطابق الثالث فأنا لا أحب الأماكن المرتفعة.

الساعة الثامنة, انتهت الموظفة الجميلة من اعداد كامل الاجراءات, نعم يبدو أنها حاولت أن تقضي وقتا أكثر علّ هذا الشاب الوسيم يدعوها للخرو , سلمته المفتاح للغرفة في الطابق الثالث.

قال حمدي لباسل, اذهب للغرفة ثم اصعد عن طريق الدرج وانزل اكثر من مرة لتعتاد الطريق إلى الطابق الثامن, على بعد خمس إمتار من باب سلالم الطوارئ هناك تقع الغرفة 816 حيث يرقد الهدف.

توجه حمدي إلى موقف السيارات التابع للفندق، نعم الهدف في الفندق, السيارة الفولفو البيضاء المخصصة لتنقلات الوزير ترقد في مكانها، عاد ليجلس في ردهة الفندق منتظرا رفيق باسل.

وصل باسل الأسمر ذو 29 عامًا إلى الغرفة في الطابق الثالث, كان أعزبا حاد الطباع, مؤكد أن له محبوبة كانت تنتظره, دخل الغرفة, نظر في زواياها وخرج إلى الشرفة المطلة على المدينة المنهوبة, وضع الحقيبة التي معه تحت السرير ففيها مسدسان مع كاتم صوت، خرج باسل من الغرفة , استحضر تصرفات رجال العمل السري في الأفلام , نظرا يمينًا ويسارًا , أغلق الباب وابتعد قليلًا, عاد ليتأكد أن الباب مغلق باحكام فهو لم يعتد على المفاتيح الالكترونية , قال في خلده ” مفاتيحنا غير عن مفاتيحكم ” وتوجه إلى سلالم الطوارئ، وصل باسل إلى الطابق الثامن الممنوع على العامة دخوله عبر سلالم الطوارئ المخصصة لعمال الفندق, مرّ من أمام غرفة الهدف.

نزل وصعد السلالم من الطابق الثامن إلى موقف السيارات 3 مرات, ينزل راكضا ويصعد بهدوء, هل لي أن اتخيل عرقه المنساب على خديه, نبضات قلبه التي ترتفع بتواتر, شعره الأسود الطويل نسبيًا الناعم يغطي عينيه كجوادٍ أصيل.أيقن أنّه يستطيع الآن أن ينزل الدرج مغمض العينين عندما كان باسل ينزل راكضًا عن السلالم كان يشجع نفسه بجملة يكررها طوال الطريق (طاب الموت طاب الموت طاب الموت) وفي الصعود لاهثا متعبا يردد: فلسطيني عربي أممي فلسطيني عربي أممي.

كان يجلس ذلك الرجل الهادئ الدمث ذو الشعر المختلط بين البياض والسواد, عاهد, نعم اسمه عاهد أبو غلمة, كان قد كلف من قبل القيادة بترؤس الجهاز العسكري في الضفة الغربية لما له من خبرة عسكرية وتجارب اعتقالية ولما يتمتع به من ذكاء حاد وعين فاحصة وسرعة بديهة, مثقف مشتبك بكل معنى الكلمة طلب قهوته, كان يحبها بلا سكر, أراد هذه الليلة أن يتذكر الرفاق في كوبا فقال للشاب العامل في المقهى: أريدها سكر زيادة.

لم يكن قد قابل الثلاثة من قبل الا في الاجتماع الذي جمعهم في ذلك المقهى المنزوي بالقرب من منتزه رام الله.حدق فيهم, رأى علي والحسين وابو ذر, سبارتاكوس, لوممبا, عمر الزين, جيفارا, وديع حداد, أبطال ميونخ, عز الدين القسام, مصطفى بن بولعيد, كارلوس, محمد بوضياف سبيتان عوض, العياش, جورج اليتيم, فقراء فيتنام, مزارعي التبغ في الجنوب, علي شعيب, نعم نعم نعم كانوا أقرب إلى حبيب الشرتوني تبسم وقال “لكل الثوار وجه واحد في روحي”، لا بد أنه كان يقرأ لفرانتز فانون.

عاد باسل لينضم إلى حمدي في ردهة الفندق, أخذوا جولة في الفندق لمراقبة اجراءات الأمن والاطمئنان بأن كل شيء بخير.وصعدوا إلى غرفتهم ليقضوا ليلتهم وصل حمدي وباسل إلى الغرفة, قام حمدي بتأمين الردهة أمام الغرفة, ودخلوا لا ندري كيف قضوا ليلتهم, لكن دعونا نرسم تفاصيلها استلقى باسل على السرير بحذائه وقف حمدي أمامه واخذ يغني لذلك الشاب خريج كلية الصناعة في الخليل مقطعا من أغنية الشيخ إمام ( يعيش أهل بلدي):

يا غلبان بلدنا

يا فلاح يا صانع

يا شحم السواقي

يا فحم المصانع

أكمل الأغنية حمدي وباسل يتبسم

كمان الصحافة حتكتب في حالتك

وتنشر مناظر لخالك وخالتك

وتطلع يا باسل عليك الأغاني

وتسمع باسمك في قلب القهاوي

تحبك مشيرة وبنات الجزيرة

وقصة غرامك حتشيع في الرداوي

تنبه حمدي للرائحة التي تصدر من باسل, قال له: قوم تحمم، أجاب باسل ضاحكًا: يحرم علي الحمام قبل ما آخذ ثار أبو علي وقفز باسل من على سريره في حركة بهلوانية أصدر صوتًا عاليًا, مما حدى بحمدي أن يؤنبه بكشرة من وجهه, قام باسل واستل الحقيبة من تحت السرير. فتح الحقيبة ،شهق وصاح : حمدي ما في سلاح. أين السلاح؟ هل كشفنا؟ هل خدعنا؟ تبسم حمدي قائلا: وهل تعتقد بأني بهذه السذاجة لكي أدخل السلاح إلى الفندق وأبقيه في الغرفة؟!.

لم يكن حمدي خريج مدراس عسكرية أو أمنية, لم يتدرب قط, كذلك باسل ومحمد, لكن اعتمدوا على ذكاء الفلاح الفلسطيني الممتد قرونا من التجارب.

استطرد حمدي: السلاح في السيارة لقد أعددت مخبأ سري مسبقًا.

ذهب الاصفرار عن وجه باسل وتحول وجهه إلى الحمرة خجلًا.

جلس الاثنان بالقرب من الطاولة الصغيرة, مسك حمدي القلم والورقة, وتعمد أن يكون السطح صلبًا للاحتياط الأمني لكي لا يترك أثرا لما سيكتب أو يرسم, بدأ باعادة رسم الخطة والتحركات, اعادها على مسمع باسل, أخر مرة سيراجعون الخطة.

انتهى حمدي من الشرح أشعل الورقة واستل سيجارة فاخرة وأشعلها من الورقة, قائلا: سيقتلني شعور الرفاهية من فندق خمس نجوم وقهوة لذيذة وسجائر فاخرة.

انسل حمدي إلى فراشه وكذلك باسل.

حمدي ما زال يفكر ويشغل باله بألية عمل كاتم الصوت, كيف يستطيع أنبوب طولة 10 سانيمترات أن يكتم صوت المسدس, تذكر أن باسل خريج كلية الصناعة فقال لابد أن له معرفة بالفيزياء.

وجه السؤال لباسل: اه يا باسل كيف بيشتغل الكاتم؟

كان في هذه اللحظة آخر ما يشغل تفكير باسل القوانين الفيزيائية, كل ما يعرفه ويشغله الأن أن في رقبته مسؤولية تاريخية, فهذا ثأر أبو علي أجاب باسل ضاحكا: والله بكرة لأخلي الكاتم تبعك يزغرد صمت كل من حمدي وباسل في محاولة لأن يناموا, حمدي ما زال يعد سيناريو ما سيقوله لزئيفي عند اللحظة الحاسمة.

هل أقول له: حكمت عليك الثورة بالاعدام, باسم الله والشعب, باسم رضع عين الحلوة, باسم دماء الثوار في جرش, باسم الأسرى في السجون, باسم وديع حداد, باسم أحمد الدقامسة, باسم سليمان خاطر, باسم تل الزعتر, باسم سنين العبودية للأفارقة, باسم الهنود الحمر, باسم شعب تسمانيا, باسم أصابع الهنود المبتورة, باسم حقول سيريلانكا المنهوبة لتمنحكم وجبه الشاي بعد العصر, باسم الرفاق في الجيش الأحمر الياباني, باسم المعدة الفارغة للرفاق في ايرلندا باسم بوب سان , باسم المعدومين بيد فرانكو في اسبانيا, باسم المليون شهيد في الجزائر, باسم التجارب الطبية على أطفال الكونغو.

أيقن أنه لو أراد أن يحصي لما يجب قتل زئيفي فلن ينتهي في سنين طويلة.

غط باسل وحمدي في نوم عميق, باسل أرهقه الصعود والنزول وحمدي لم يكن قد ذاق طعم النوم منذ عدة أيام, محمد يتقلب ينام قليلا ثم يصحو خوفا من أن يسلبه النوم ويتأخر عن موعده

عاهد عاد إلى البيت, أمسك ورقة وقلم حاول أن يكتب بيان التنبي للعملية, ألف ألف فكرة في الرأس, نظر إلى الجدار المقابل ورأى صورة غسان فعرف ما سيكتب “كل ما نقوم به ليس الا وسائل تعويضية عن غياب السلاح”, اذا حملة السلاح الثلاث هم البيان وفعلهم الاعلان, سأكتفي بنشر الخبر على بعض وسائل الاعلام بكلمات مقتضبة لا أكثر وانتصب عاهد, حرك رأسه يمينًا ويسارًا في حركة رياضية, تبسّم وحاول أن يتخيل منظر زئيفي ملطخا بدمائه.

تبسم أكثر وهو ينظر إلى صورة أبو علي مناجيًا نفسه “ماذا ستكون ردة فعل الصهاينة لو عرفوا أن من وضع بنك الأهداف للجهاز العسكري ومن حدد زئيفي كهدف مستقبلي هو نفسه أبو علي” واساه قليلا أن أبو علي أخذ ثأره قبل أن يموت.

الساعة تدق الآن الخامسة ونصف صباحًا من اليوم السابع عشر في أكتوبر , استيقظ محمد الريماوي, امسك رشاش السكوربيون تفقده, الجو بارد قليلا , ملمس السلاح أشعره بالنشوة, ترك بيت الرفيق صالح علوي وتوجه إلى الفندق في السيارة المستأجرة من شركة عرابي للسيارت بالقدس باسم لؤي عودة الملقب بالفرنسي.

الساعة تدق الآن الساعة السادسة إلا ربع, استيقظ باسل ونادى على حمدي محاولا أيقظاه, ما ان همس باسل حتى رد حمدي: هو اللي في عندو ثأر بينام؟

أجاب باسل: طول الليل وأنا افكر بشيء, من أين لعاهد بكل تلك المعلومات الدقيقة عن تحركات زئيفي وغرفته ورقم سيارته الفولفو.

قال حمدي: هذا ما لا أعرفه وما لن يعرفه احد ( بقي هذا السؤال لهذه اللحظة معلقا في دوائر الأمن الصهيوني ولم يجد أحد له جواب وعاهد لم ولن يتكلم).

وقفا ولبسا الاحذية, سمع حمدي باسل وهو يرنم “فلسطيني عربي أممي

الساعة الآن السادسة والنصف, كان حمدي وباسل قد أعدا نفسيهما, خرج عاهد إلى ردهة الفندق تأكد أن محمد يقف بسيارته في الجهة المقابلة للشارع, أومأ له برأسه, شاهد سيارة زئيفي رابضة في مكانها, عاد إلى داخل الفندق إلى قاعة الفطور, لأول مرة يرى زئيفي تلاقت عينيهما لأول مرة مع بعض, كان زئيفي برفقة زوجته ياعيل يتناول فطوره الأخير قبل ان يبرقه حمدي الى جهنم.

عاد حمدي الى الغرفة , قال لباسل هيا بنا , نزل الاثنان الى موقف السيارات , الحذر والترقب والتأهب كان سيد الموقف , وصلا السيارة المستأجرة باسم سامر شحادة بالهوية المزورة , وقف حمدي يراقب واخذ باسل جولة صغيرة في الموقف لكي يتأكد من عدم وجود كمين , توجها الى السيارة فتحها حمدي واخذ الحقيبة التي فيها السلاح , استل المسدسين وامسك الكاتم وقال ( عذرا ناجي ) خبأ كل منهما مسدسه بين طيات ملابسه وعادا الى سلالم الطوارئ .

انطلق الرفيقان من على سلالم الطوارئ إلى الطابق الثامن, وقفا أمام المصعد, سحبا المسدسيين, قاموا بتفحص المسدسات, ذخر كل منهما مسدسه.

حمدي قرر أن لا يقتله حتى تتقابل عيونهما مع بعض.

باسل يتمنى أن يرافق أحد زئيفي لكي تكون له حصة أكبر في أخذ الثأر.

الاشارة الضوئية للمصعد تدل على أنه في طور الصعود.

أنهى فطوره بكأس عصير من برتقال يافا المصادر, عاد ليأخذ حقيبته, ربما كان فيها أوراق خططه للترانسفير, وحتما تحتوي على نشرة مقترحة للسياح تصادر التاريخ وتحرف الرواية, وقف أمام المصعد, مر من أمامه فتاة شقراء, أمعن النظر في مؤخرتها المكتنزة, دخل إلى المصعد وضغط على زر الطابق الثامن.

حمدى طلب من باسل أن يقف على باب سلم الطوارئ, أطاع باسل مبتسمًا

الادرينالين يرتفع منسوبه تصاعديا كلما ارتفع الرقم على لوحة المصعد الالكترونية، توسع في البؤبؤ, اتساع القصبة الهوائية, انقباض في رأس المعدة, جفاف الحلق, بروز العضلات النبض أيضا يرتفع.

عند وصول الرقم إلى 7 , كتم نفسه ليضمن إصابة إدق وليكون متأهبا، شريط طويل من المحاكمات, لا مجال للأرقام فلسنا أرقاما, وجوه وأسماء وقصص وعائلات وبيوت وأشجار مرت أمام حمدي.

صوت عويل النساء على أبو علي يصم أذنيه, تلويح القبضات بالهواء توعدا في جنازة أبو علي يمنحه مزيدا من الاصرار يرى نفسه مكلفًا من كل فلسطيني بهذه المهمة.

توقف المصعد وانطلقت صافرة : تيت تيت تيت، فتح المصعد، بدء باب المصعد ينزلق رويدا رويدا , حمدي يحرك رأسه يمينا ويسارا ليحصل على أفضل زاوية ليستكشف من في المصعد، ظهر ضخما, أيقن حمدي أن المشهد ينقصه شخرة من كتلة العنصرية هذه.

ناداه بلقبه (هيه غاندي), هذا ما كان يتساءل عنه حمدي , كيف لهذا القبح أن يسمى غاندي . اه يا شرقنا كم سرقوا منك، التقت العيون, حدّق زئيفي في عيون حمدي, رأى اصرارا وأيقن أن هذا من سينفذ عليه الترانسفير إلى جهنم.

رأى حمدي في عيون زئيفي مدى الوهن والضعف والجبن, فما الظالم إلا وهم في عقل المظلوم, هذه هي اللقاءات الوحيدة المشروعة بيننا وبينهم بالضبط كما رسمها وخطط لها وتمناها حمدي.

ثلاث رصاصات في النصف العلوي من الجسم, حملها كل آهات المستضعفين في الآرض, صراع التحرر والاستعمار لخص في موقف لم ينزل عينيه من عيني زئيفي.

نظر حمدي إليه صريعًا يشخر, أيقن أنّه نفذ المهمة, انقطعت أنفاسه أخيرا.

استدار حمدي فالتقت عينيه في عيني باسل فرأى كل فلسطين في تلك العينين.