Get Adobe Flash player

 

ملّ الرئيس نبيه برّي من محاولات المعارضين للتمديد تحميله وحده «خطيئة» إمراره. وملّ أن تخرج عليه يومياً التصريحات من كل حدبٍ وصوب، لترجمه بحجارة «الميثاقية وعزل المسيحيين». لم يعُد أمام رئيس مجلس النواب حلّ سوى «تسمية الأمور بأسمائها»، ووضع كل من يرمي سهامه باتجاه ساحة النجمة وأستاذها عند حدّه، حتى لو كان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، على حد قول مصادر رئيس المجلس.

فأن يجيب مستشار الرئيس برّي علي حمدان في حديث تلفزيوني عن سؤال يتعلق بموقف البطريرك بأنّ «التمديد ليس دستورياً»، بالقول إن «غبطته أطلق أكثر من موقف، وهذه المواقف متناقضة في ما بينها. نحن علينا بالمواقف التي تصدر وهم لم ينفوها»، فإن ذلك يعني أن بيكار الدفاع عن الرئيس برّي أول المعارضين لهذا القانون، لن يوفّر أحداً»، بحسب ما تقول مصادر عين التينة، مع تأكيدها أن «هناك من فسّر كلام حمدان بطريقة خاطئة، ويحاول إحداث شرخ بيننا وبين البطريرك، لكننا لن ننجر الى ذلك».

ليس برّي واحداً من مشجعي التمديد لمجلس ممدّد له أصلاً «على أحقية دوافعه». وهو «أكد على هذا الموقف علناً وسرّاً في اجتماعاته مع مختلف الأطراف السياسية، قبل أن يتعّرض للابتزاز من قبل أولئك الذين لا يريدون الانتخابات، وأولهم تيار المستقبل». لكن التسليم بهذا الخيار كان أولاً «نتيجة تهديد مكوّن أساسي بمقاطعتها»، وثانياً «ارتضاء أكثرية الأطراف فجأة بهذا الخيار، فلمَ يكون الرئيس برّي هو الشمّاعة التي يريد المعارضون تعليق فشلهم عليها؟».

تؤكد المصادر أن «دفاعنا عن موقفنا لا يستهدف غبطة البطريرك، وإنما كل الأطراف التي لا تجد سوى الرئيس برّي لتحمّله وزر ما حصل». وتعيد المصادر إلى الذاكرة ما رشح عن لقاء البطريرك بالرئيس سعد الحريري في روما، بأنه «تمّ الاتفاق على مختلف الأمور، بما فيها التمديد، ما يعني أن رئيس تيار المستقبل حصل خلال اللقاء على تغطية مسيحية، وإلا لما قال ما قاله». وأضافت المصادر «لو كان هناك التباس لخرج البطريرك أو أحد المحيطين به ليوضّح ما حصل وينهي هذه الهمروجة». بالنسبة إلى المدافعين عن رئيس المجلس «ليس ما يحصل مع برّي عبثياً، ولا وليد الصدفة، فقد تعوّدنا أن يُحمّل وحده أخطاء الآخرين في كل ما يتعلّق بعمل المجلس». برأيهم «هو أقل الواجب أن يعترف الجميع بالمسؤولية معه، وعلى رأسهم البطريرك الراعي، وكل من يحمل كومة الانتقادات فليراجع نفسه، حول ما إذا كان هو قد استطاع الوقوف في وجه تعطيل الاستحقاقات الأخرى».

لم يعُد الرئيس برّي ولا نوّابه يستطيعون وضع أيديهم على ألسنتهم. لن يفعلوها للمرة الثانية، كما حصل عندما فرض التمديد الأول نفسه على المجلس النيابي. آنذاك تنصّل الجميع من التمديد، وألبسوه لبرّي والنائب وليد جنيلاط. فتح هؤلاء باب «المحاسبة» في معرض تعليقهم على ما يقال بحقّهم لأننا «حتماً لن نرضى بأن نكون المذنبين، كما يريد البعض تصويرنا». للبطريرك الراعي، تتوجّه المصادر لتنصحه «بمراجعة مواقف الكتل، والنواب المسيحيين الذين لم يلتزموا حتى قرار تكتلهم، فأتوا مؤيدين للتمديد حضوراً وتصويتاً». فهل «يُطلب إلى الرئيس برّي جمعهم، حيث لم يفلح الراعي في توحيد الصفّ المسيحي على انتخاب رئيس للبلاد؟».

لا تغادر عبارة «الحفاظ على العلاقة مع الراعي» كواليس عين التينة. ليس لأن الأخيرة لا تُعير أهمية لأصابع البطريركية التي تشير إليها بقوة، متّهمة رئيس المجلس في المساهمة في قيادة البلاد الى تعطيل تلو التعطيل، بل لأنها تعلم بأن «همّه الأول هو انتخاب رئيس للبلاد عند أقرب فرصة، وهذا يعني أن مشكلته ليست مع التمديد أو عدمه بقدر ما هي مع عدم توّحد المسيحيين على اسم توافقي لرئاسة الجمهورية»!

(الأخبار)

 

مع تقدم الملف الامني على ما عداه في البلاد، لا تبدو «المراوحة» السياسية قابلة للتبدل في المدى المنظور بسبب غياب «الرؤية» الواضحة لدى تيار المستقبل في كيفية مقاربة الملفات والاستحقاقات الاساسية مع «خصومه» ومع حلفائه. فهل يستمر تيار المستقبل في ارتكاب الاخطاء والخطايا؟ وهل تدفع البلاد ثمن الخلافات الداخلية المتصل بحالة الارباك الاقليمية؟ اسئلة تطرح نفسها بإلحاح، كما تقول اوساط قوى 8 آذار، فقيادة «التيار الازرق» فتحت لها نافذة «تاريخية» لعقد مصالحة وطنية كبرى مع المسيحيين عندما اقترب الرئيس سعد الحريري جدا من التفاهم مع الجنرال ميشال عون على ملف رئاسة الجمهورية، لكنه ضيع تلك الفرصة، فخسر جمهورا عريضا كان يمكن التعويل عليه للخروج من «القوقعة» التي لم ينجح في تعويضها في التحالف مع مسيحيي 14 آذار، فهؤلاء بعد ان شعروا انهم لا يؤثرون في القرارات المصيرية في هذا التحالف، وبعد ان تبين ان السلطة التقريرية في مكان آخر، وهم دائما يتجرعون الخيبات المزمنة، اهتزت ثقتهم بقياداتهم وبنوايا التيار «الازرق»، وفي المحصلة خسر الحريري الشارع «العوني» ولم يكسب ثقة «البيئة» القواتية. واليوم فيما تستمر حالة النزف في بيئته الحاضنة لصالح المتطرفين، يقف تيار المستقبل على اعتاب خسارة فرصة جديدة لمد جسور التواصل مع حزب الله ومن خلفهم الشيعة.

وبحسب تلك الاوساط، فان المعضلة الرئيسية تكمن في عدم القدرة على فهم ما يريده الرئيس الحريري، فهو حتى اليوم يتعامل مع مبادرة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله «العاشورائية» بإرباك شديد، فلا مؤشرات على القبول او الرفض، ولا اشارات، اقله علنيا، يمكن من خلالها فهم حقيقة ما يريده تيار المستقبل في هذه المرحلة، هل يريد تطوير العلاقات؟ ام يريد الحفاظ فقط على ما تحقق حتى الان في حكومة المصلحة الوطنية؟ وهل ما يريده الحريري فقط التمسك باستراتيجية «ربط النزاع»؟

هذه الاسئلة «الحائرة» تعيد تلك الاوساط الى كيفية تعامل الحريري من الاستحقاق الرئاسي، فهو يكرر اليوم اخطاء ارتكبها في السابق، ويمارس سياسة غير قابلة للفهم ولم يملك احد القدرة على شرح تناقضاتها، رغم ان الخلاصة المتفق عليها انها ليست في صالح تياره. فمنذ اليوم الاول لوضع هذا الاستحقاق على الطاولة، بدا كل طرف يفسر إشارات الحريري، على هواه، فالعونيون فهموا يومها انه موافق على انتخاب جنرالهم رئيساً. والقوات اللبنانية والكتائب كانتا على ثقة انه لن يرتكب هذا «الفول» بحق فريقه السياسي، وطال الانتظار وكل طرف ظن ان الحريري لا يناور في ما يبلغه الى من يراجعه من «المعنيين»، سواء كانوا حلفاء أم «الاصدقاء».

والجميع ظنوا انه يملك رؤية واضحة لموقعه في المعادلة اللبنانية، على حدّ قول الاوساط في 8 اذار، وفي ظل التوتر مع الشيعة فثمة من ظن انه يتجه الى تعزيز علاقاته مع المسيحيين واستقطاب جمهور التيار الوطني الحر مع «جنرالهم»، وبدا الحريري للوهلة الاولى صادق في إرادة إنهاء النزاع مع جنرال الرابية ومع قواعده، على اعتبار ان الخصومة لم تنتج الا سلبيات استفاد منها عمليا «خصمه» السياسي الاول المتمثل بحزب الله. فجأة تبخرت كل هذه الانطباعات، وبدت اقرب الى توهمات خيالية، بعد ان ابلغ الحريري من راجعه ان حواره مع عون لا يعني انه ذاهب الى انتخاب «الجنرال» رئيساً للجمهورية، وبعد ان ظن الجميع ان رئيس تيار المستقبل بموقفه هذا يساير الحلفاء، ولن يخوض معركة ضد وصول الجنرال الى بعبدا، اتضح انه تبنى خيارات خصوم عون المسيحيين، وتهرب من وعوده السابقة، اعاد هذا الملف الى «حضن» رئيس القوات اللبنانية سميرجعجع الذي يلعب دور «رأس الحربة» في منع «الجنرال» من الوصول الى بعبدا، وبدأ الحريري يتحدث عن «استراتيجية» غريبة تقوم على «قاعدة» اقامة علاقة منتجة مع عون، على غرار المعادلة الحكومية الحالية، دون تبنيه كمرشح رئاسي. ماذا يعني ذلك؟ يعني «صفر» على «الشمال» لان الجميع يدرك ان علاقة جيدة مع عون لا يمكن الا ان تمر عبر «قصر بعبدا»، ودون ذلك فان اي كلام سيكون دون جدوى، لكن الحريري خسر تلك الفرصة رغم انها تصب في صالحه، لماذا؟

تجيب الاوساط في 8 آذار، لانه وفقا لرؤيته التي سبق وتحدث فيها مع الدائرة المقربة منه ان «الفراغ» يعني خدمة مجانية لحزب الله، ففي العام 1989، أنتج الفراغ انقساما في لبنان، والانقسام أنتج حروبا، والحروب التي تواصلت بعد الطائف، أضعفت المسيحيين وأفادت الحزب الذي استفرد بالسلاح. وفي العام 2007، حل الفراغ في القصر الجمهوري، فكان 7 أيار 2008 وكان اتفاق الدوحة، وكانت رئاسة، ولكن بعدما عزز حزب الله تفوقه وفرض شروطه. ورغم قناعة «زعيم» المستقبل بهذه المعادلة ماذا فعل؟ ساهم في هذا اطالة امد هذا الفراغ، ولم يحقق اي مكسب سياسي، بل كانت الخسائر اكبر من ان تحصى، وهو اليوم يكرر الاخطاء نفسها «ويتخبط» في ادارة ملف التفاوض مع حزب الله.

وبحسب تلك الاوساط، فان الثابت حتى الان ان ثمة انقسام داخل التيار الازرق في مقاربة التعامل مع مبادرة السيد نصرالله، ففيما يضغط وزير الداخلية نهاد المشنوق لفتح نافذة حوارية، اقله فتح «الابواب» امام «الكلام» مع وضع سقوف واضحة من قبل تيار المستقبل لما هو مقبول وما هو غير قابل للنقاش، وهو يتبنى «مدرسة» واقعية في التعامل مع تلك المبادرة انطلاقا من تجربته في سياسة «الابواب المفتوحة» مع الحزب على مستوى التنسيق الامني، وهو اليوم من اكثر المطالبين ببلورة الموقف وشرح موجبات الرفض والقبول، وعدم ترك الموقف رماديا، لان هذا الامر ليس في صالح التيار الازرق.

في المقابل تضيف الاوساط، ثمة رأي يمثله وزير العدل اشرف ريفي ويؤيده رئيس الحكومة الاسبق فؤاد السنيورة، لا يرى في ما قدمه السيد نصرالله مبادرة حوارية جدية وانما دعوة للجلوس على الطاولة وتوقيع شروط استسلام، فملف مكافحة الارهاب لن يقبل حزب الله المساومة عليه وهو متمسك بدوره الراهن باعتباره مكملا لدور الجيش، اما قتاله في سوريا فهو خارج اي نقاش، اما الانتخابات الرئاسية فحرص السيد نصرالله على التأكيد انه لا يمر الا بالرابية، اذا على ماذا الحوار؟ وما الداعي لاعطاء الحزب فرصة «لتلميع» صورته؟ واذا كان الحزب لم يذهب مباشرة الى اجراء الاتصالات اللازمة بعد مبادرة الرئيس الحريري، وتعامل معها بلا مبالاة «وراء الكواليس»، فلماذا الاندفاع وراء كلام السيد نصرالله والبناء على مبادرته؟

هذا النقاش المستمر في اوساط حزب المستقبل اخر بطبيعة الحال «الجواب» على مبادرة السيد نصرالله، وحتى الان «الارباك» هو سيد الموقف، تؤكد الاوساط في 8 آذار ولم ترتق العلاقات بين الجانبين الى مستوى جديد، ولم يتلق الحزب اي اجابات مباشرة او غير مباشرة، بانتظار ان يحسم الرئيس سعد الحريري خياراته المرتبطة حكما بالقرار السعودي الذي لم يتبلور بعد، واي كلام آخر لا يتصل بالواقع بأي صلة لان رئيس «التيار الازرق» لم يقدم اصلا ما يرقى الى مصاف المبادرة واحتاج الى توضيحات من الوزير المشنوق كانت بمثابة كلام جديد وليس كلاما تفسيريا لكلام الحريري.

وامام هذه المعطيات، ستبقى الازمة السياسية في البلاد على حالها، وتيار المستقبل يستمر في رهانه على الوقت لتحسين شروط «التفاوض»، لكن المخاطر هذه المرة مرتفعة للغاية واضاعة فرصة جديدة اليوم قد تكون اثمانها كبيرة على حدّ قول الاوساط، خصوصا ان التطورات الاقليمية وانعكاساتها على لبنان لا تحتمل خيبات أمل جديدة سببها «قصر نظر» واستسلام تام الى خيارات الدول «الراعية» التي لها حساباتها الخاصة التي لم تأخذ يوما بعين الاعتبار مصالح «المستقبل»؟ فهل يعيد التاريخ نفسه؟ الارجح ذلك، الا اذا حسم الحريري خياراته.

(الديار)

من يريد أن يرى الطريق الطويلة التي سارت فيها اسرائيل باتجاه التدين والتطرف يمكنه أن ينظر الى التعامل المتغير مع جبل الهيكل. من يصمم على اعتبار اسرائيل أنها ما زالت دولة غربية متحضرة، لا يستطيع تجاهل التغيير الكبير الذي حصل فيها في السنوات الاخيرة. ومن ما زال يظن أنها مجتمعا علمانيا يجب عليه الانتباه الى القوى الظلامية التي تحركها. لا توجد دولة في الغرب يمكن أن يتحول فيها موقع أثري الى أمر وجودي وسبب لسفك الدماء. لا توجد دولة في الغرب تعتبر فيها القداسة أمرا سياسيا.

خط واحد مستقيم يربط بين المشعوذة التي كانت تذهب اليها شولا زاكين وبين جبل الهيكل: في الحالتين الحديث عن قصة ظلامية. لا يمكن السخرية والتعالي على امرأة شغلت منصبا مهما، وهي تحتاج الى نصائح شخصية بدائية، كما ظهرت المشعوذة أوفيرا، وبنفس القدر القبول بتحويل جبل الهيكل الى موضوع مركزي الى هذا الحد.

إن الظاهرتين تثيران السخرية بنفس القدر. فالتعامل مع جبل الهيكل يضر أكثر من أوفيرا، فما كان حتى وقت قريب يقتصر على القلائل تحول فجأة الى أمر مصيري. هل تذكرون البقرة الحمراء؟ قدوم المخلص وبناء جبل الهيكل كانت أمورا يرغب فيها محررو الصفحات الداخلية في الصحف، في الايام التي لم يحصل فيها شيء. وايضا في حلقات الوضع الراهن الفارغة التي كان التلفاز يقوم ببثها في الظهيرة: كان هناك باستمرار أمرا دينيا جديدا حول هذا الموضوع. جبل الهيكل الحقيقي للاسرائيليين كان المجمع التجاري وجبل الهيكل كان السوق الحرة.

وفجأة حدث الانقلاب: جبل الهيكل تحول الى المعيار «من يسيطر على الجبل – فهو يسيطر على البلاد»، كما كتب في نهاية الاسبوع أحد المحللين، وكأنه يعيش في العصور الوسطى. من المسموح أن تؤمن بأي شيء: أن العالم قد خُلق في هذا الجبل، وعليه حدث امتحان ذبح ابراهيم لإسحاق، ومنه صعد محمد الى السماء. لكن ما هي العلاقة بين الاحداث المثيولوجية التي حدثت قبل 2000 – 3000 عام وبين الواقع السياسي في عام 2014؟.

اغلبية الاسرائيليين لم يزوروا جبل الهيكل، ولم يفعلوا ذلك الآن. ويمكن الافتراض أن مصير الحرم لم يكن على رأس أولوياتهم. وفي الحوض المقدس كان سائدا الوضع الراهن وهو منطقيا الى حد ما: اليهود في الحائط الغربي، والمسلمون في قبة الصخرة (طالما سمح الاحتلال لهم بذلك). وباسم إله الطرفين: ما هو الخلل في ذلك؟ لكن شهية العقارات غير المحدودة لليمين الاسرائيلي ومعها كراهية العرب لم تترك هذا المكان لحاله. اذا كانت شيلا لنا لأنها كانت ذات مرة لقبيلة أفرايم، فمن الواضح أن جبل الهيكل لنا بسبب «حجر الشرب». إن الدولة التي هذه هي معاييرها في السيطرة على الاراضي فهي دولة مجنونة. والمجتمع الذي يؤمن بذلك وهو مستعد للخروج في صراع دموي في القرن الواحد والعشرين فهو مجتمع ضائع.

من السهل اتهام السياسيين من اليمين بأنهم هم الذين يشعلون النار على الجبل. ولكن المتهم الحقيقي ليس هم بل هو المجتمع الذي يزداد فيه من يُقبل «المازوزة» (الكلمات العشر) على الدوام. الدين والدولة متداخلين بعضهما مع بعض وقد تحول الدين الى خليط من كراهية الآخر وزعماء فلوكلور، وهم يعرفون أن عملهم هذا سيثمر من الناحية السياسية. وهم يعرفون أنه بعد قليل ستكون هنا أغلبية مع تدمير المساجد وبناء جبل الهيكل. شولا زاكين والمشعوذة أوفيرا تؤيدان ذلك منذ زمن – ولكنهن «بدائيات» «وظلاميات» في نظر الاغلبية التي تعتقد أنها تعيش في مجتمع متطور وعقلاني وهو من اخترع رشاشات ري العشب.

هآرتس

الكمين الذي نصبه المسلحون التكفيريون للموحدين المسلمين الدروز في المقلب السوري لجبل الشيخ والذين كانوا يقومون بدوريات اعتيادية حول قراهم حيث استدرجوا الى وسط البساتين المحيطة ببلداتهم واقفلت كل طرقات خروجهم من تلك الدائرة التي طوقها المسلحون باحكام واندلعت مواجهات عنيفة جدا واستمرت لساعات طويلة حتى نفذت ذخيرة عناصر الحماية الدرزية والذين استشهد منهم اكثر من ثلاثين عنصرا نصفهم من بلدة مجدل شمس المقيمين في المقجن في الاراضي المحررة من الجولان المحتل.

هذه المواجهة البطولية التي خاضها ابناء طائفة الموحدين ترددت اصداؤها في المقلب اللبناني لجبل الشيخ لا سيما في منطقتي حاصبيا وراشيا حيث يحاول قيادات وعناصر الحزب التقدمي الاشتراكي في تلك المنطقتين المذكورتين وبحسب مصادر درزية استغلال ما جرى في قرى الجولان المحرر لا سيما في عرنة وحيفا وغيرهما واشاعة اخبار ملفقة مفادها ان الجيش السوري ترك اخواننا لقدرهم ومصيرهم كما يحاول هؤلاء ان يستغلوا الى ابعد الحدود ما جرى في عرنة السورية ليؤكدوا بأن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط محق بكل المواقف السياسية التي يتخذها وهو الوحيد بين القيادات الدرزية التي تستطيع ابرام الاتفاقيات وصياغة التحالفات من اجل صحابة الدروز في لبنان وسوريا.

وهو محق بمغازلته لـ «جبهة النصرة» وبإبرام اي اتفاق معها.

وتابعت المصادر الدرزية انه ازاء هذا الاستغلال لعناصر التقدمي لما جرى في عرنة وغيرها تقوم القوى الدرزية الاخرى في منطقتي راشيا وحاصبيا بمواجهة هذا الاستغلال بزيارة الفعاليات ورجال الدين، والقوى الشبابية وتصويب القراءة التي قدمها الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي حاول النيل من عزيمة الناس لثنيهم عن اي مواجهة ممكن ان تحصل في المستقبل، وبرزت مواقف لعدد من رجال الدين، أكدت على حتمية مواجهة اي اعتداء على ابناء مناطقهم كما اكدت على منع اي تسلل للمسلحين التكفيريين الى الاراضي اللبنانية مهما كلف الثمن من تضحيات، وسيقفون الى جانب اخوانهم في عرنة ومجدل شمس التي قدمت اكثر من 12 شهيداً من ابنائها في المواجهة الاخيرة، والذين يشهد التاريخ لهم بوقفاتهم بوجه المحتل الاسرائيلي ورفضهم للهوية الاسرائىلية، والذين يقفون الى جانب وطنهم سوريا التي تتعرض لحرب نادرة ما أرّخ مثلها التاريخ القديم والحديث، فيما الذين مثلوا ابنائهم من عناصر ما يسمى «جبهة النصرة» يتلقون الدعم العسكري واللوجستي من الكيان الصهيوني، ويتلقون العلاج في مستشفياته ولكن على حساب دول الخليج التي باتت معروفة الاسم.

ولفتت المصادر الى ان المواقف المتسربة من رجال الدين والقوى الشبابية التي تتمتع بفائض من الحماسة، انهم لن يكونوا وحدهم في المواجهة ان حصلت، بل سيقف الى جانبهم كل الشرفاء في هذه الامة، ولسنا بحاجة لاتفاق مع ما يسمى «جبهة النصرة» المتفرعة من تنظيم «القاعدة»، ولا مع غيرها من الوحوش البشرية التي تريث في الصحاري والرمال السوداء، ودعمت من اجهزة استخبارات اسرائيلية واميركية وغيرها، التي تسعى لكسر السيف الدمشقي، والرمح اللبناني اللذين هزما التنين الصهيوني.

(الديار)

 

عوامل عديدة تكم الاداء الباهر للحزب الجمهوري في جولة الانتخابات الاخيرة، اعداد قادته المتقن وطويل الاجل لخوض الجولة، وافلاح جهوده لاعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بما يضمن وصول مرشحيه للمناصب المطلوبة، منذ عام 2010؛ والاعتماد المكثف على دور المال السياسي في حسم العديد من المنفسات الانتخابية المتقاربة وفق ما كانت استطلاعات الرأي العام توفره.

راهن الحزب الجمهوري محقا على توظيف عدد من مزايا خصمه خدمة لبرنامجه: ضعف اداء معظم مرشحي الحزب الديموقراطي، وبؤس توزيع موارد الحزب المالية المطلوبة للحملات الدعائية، فضلا عن غياب حماس القاعدة الانتخابية لتبني خطاب الحزب الديموقراطي ثمرة حملة منظمة بتمويل وفير من الحزب الجمهوري لشيطنة الرئيس اوباما وتحميله مسؤولية الاخفاقات السياسية، داخليا وخارجيا.

ذهب البعض للمجاهرة بأن قواعد اللعبة الانتخابية تم تزويرها منذ البداية لصالح الحزب الجمهوري. شبكة "ان بي سي" للتلفزة وصفت فوز الحزب الجمهوري بأنه "واسع وعميق، كئيب للبعض وربما مخيف بعض الشيء." اسبوعية "رولينغ ستون" نشرت تحقيقا موسعا عنونته "كيف يزيف الجمهوريون المشهد،" عدد 11 تشرين الثاني 2013، اوضحت فيه الالاعيب التي يلجأ اليها قادة الحزب "لتزييف الانتخابات، وقمع الناخبين واللجوء الى الحيل والخداع لاستغلال الثغرات القانونية" لتثبيت اجندتهم. الحزب الديموقراطي، في المقابل، ليس بريئا بالكامل كما انه ليس الضحية، وهو المشارك مشاركة تامة بتقاسم مغانم اللعبة السياسية واقصاء اي توجهات او تيارات اخرى قد تهدد امتيازات الحزبين.

للدلالة على ما تقدم من عبث واستخفاف، نستعرض المشهد الانتخابي في ولاية بنسيلفانيا التي تعرضت لحملة تقسيم قاسية لدوائرها الانتخابية بدافع محاباة الناخبين الجمهوريين: اسفرت نتيجة الانتخابات الاخيرة عن تفوق مرشحي الحزب الديموقراطي بنحو 83،000 صوتا تمثل نسبة 44% من مجموع اصوات الناخبين، بيد ان نتائج الفوز اشارت الى نيل الديموقراطيين 5 مقاعد في مجلس النواب من مجموع 18 مقعدا في مجلس النواب مخصصة لها وفق الدستور. بعبارة اخرى، ترجمت النسبة المعتبرة الى اقل من 28% من مجموع المقاعد، وهكذا يتم التحايل على الارادة الشعبية عبر تقسيمات مغرضة للدوائر الانتخابية لتخدم حزبا دون آخر. الأمر عينه تكرر في عدد آخر من الولايات "الهامة والمحورية" بنظر الحزبين: بنسلفانيا، نورث كارولينا، جورجيا، فلوريدا، تكساس، لويزيانا، اريزونا، تنسي ومناطق اخرى.

تحديات ومناكفات دستورية في الافق

انقلاب موازين القوى في المشهد الراهن سبق وان تكرر ابان ولاية الرئيس الديموقراطي الاسبق بيل كلينتون، اذ فاز الجمهوريون بمجلسي الكونغرس، تحت زعامة نيوت غينغريتش. بيد ان الرئيس تصرف بحنكة ومهارة عالية حاز فيها على دعم السلطة التشريعية لسن قوانين اصلاحية وتحقيق التوازن في الميزانية.

الرئيس اوباما يفتقد الى الحنكة والبراعة التشريعية التي تمتع بها بيل كلينتون، فضلا عن العامل العنصري لدى نسبة غير بسيطة من اعضاء الحزب الجمهوري، لا سيما الاشد محافظة في تيار حزب الشاي. الامر الذي يؤشر على عسر المهمة التي تنتظره في كسب ثقة الكونغرس للتعاون المشترك وتحقيق مساومات ونيل موافقته بالمصادقة على عدد من المشاريع الهامة للرئيس.

بالمقارنة مع الرئيس كلينتون، فان اوباما لا يبدي ميلا للمساومة والتوصل لحلول وسطية. تجسد ذلك في مؤتمره الصحفي الاخير غداة هزيمة الحزب الديموقراطي مؤكدا عزمه المضي لتحقيق اجندته. وقال ".. انا على يقين بانني ساقدم على اتخاذ بعض الاجراءات التي لا يحبذها بعض اعضاء في الكونغرس." يذكر ان الرئيس اوباما لم يحالفه الحظ بذلك ابان سيطرة حزبه على اغلبية مجلس الشيوخ.

امام هذه العقبة، يخول الدستور الاميركي الرئيس اصدار "قرارات تنفيذية" تحل مكان قرارات الكونغرس، والتي سعى الرئيس اوباما لتطبيقها في عدد من الحالات. اعتاد الرئيس اوباما على ممارسة حزبه بموقع الاغلبية في مجلس الشيوخ لابطال وافشال مشاريع وميزانيات مقترحة صادق عليها مجلس النواب بزعامة الجمهوريين.

انقلاب موازين القوى الاخير سيفرض تحديات مضاعفة على الرئيس اوباما، لا سيما لعدم قدرة الاقلية في مجلس الشيوخ تعطيل اي قرارات، خاصة تلك التي تستدعي موافقة اغلبية بسيطة من الاعضاء، 51%. وسيستغل خصومه الجمهوريون نفوذهم الجديد للمصادقة على قرار "اعادة التوازن للميزانية" وقرار "اعادة النظر بعمل الكونغرس لعام 1996" واللذين باستطاعة الاغلبية البسيطة المصادقة عليهما، الأمر الذي سيترك تداعيات سلبية على صلاحيات وقرارات الرئيس اوباما.

القانون الخاص بالميزانية يخول الكونغرس سن قرار تمويل الحكومة دون حق اللجوء لاستخدام سلاح التعطيل، الذي ابطل مفعوله سابقا. استغل رئيس مجلس الشيوخ الديموقراطي، هاري ريد، ذاك الاجراء للمصادقة على قرار الرعاية الصحية الشاملة الذي تعرضت جلسات مناقشاته لخطابات مطولة اشهرها للسيناتور تيد كروز الذي بقي يتحدث لمدة 24 ساعة متواصلة بغية تعطيل الاجراء.

ما يقلق الرئيس اوباما في هذا القرار تحكم الكونغرس بآلية الصرف والانفاق من قبل السلطة التنفيذية. اذ باستطاعة طاقم الكونغرس الجديد تحديد السقف الاعلى للرئيس للصرف على بند "العفو عن الهجرة غير الشرعية" وحصر الكلفة بمبلغ مقطوع لكلفة طلبات الحصول على الهجرة. كما يخشى استغلال الحزب الجمهوري للبند المتعلق بآلية صرف اي هيئة حكومية وحرمانها من الانفاق على جهود تطبيق القوانين المعمول بها.

لدى الرئيس صلاحية استخدام حق الفيتو لابطال اي مشروع مقدم لا يناسبه، اما الغاء الفيتو فيتطلب نسبة الاغلبية المطلقة، ثلثي الاعضاء، لدحضه. يدرك الرئيس اوباما ان لجوءه لتلك الصلاحية اجراء محفوف بالخطر سيما وان الجولة الانتخابية القادمة ستعقد عام 2016 وما ستتركه من تداعيات على جمهور الناخبين. من المرجح ان يلجأ الجمهوريون لتحديد مجالات تقليص الانفاق الفيدرالي، كبرنامج الرعاية الصحية، طمعا في نيل رضى القاعدة الانتخابية، بالاضافة الى الخشية من انضمام بعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي لجانب خصومهم لاستكمال نسبة الثلثين، سيما وان عددا منهم ينوي اعادة ترشيحه للمجلس.

الحيل السياسية الطامعة في تقييد سلطات الرئيس وفيرة ولا تنضب عند خصومه، منها مصادقة الكونغرس على عدم المساس ببعض برامج الرعاية، مثل الرعاية الاجتماعية، من جانب، وفي الجانب الآخر ابطال مفعولها باستحداث قرار جديد يتطلب مصادقة الرئيس يتضمن مجالات تقليص الانفاق. في حال استخدام الرئيس صلاحيته بقرار الفيتو سيترك تداعيات سلبية على هيئات حكومية ضرورية للحزب الديموقراطي يناهضها الاعضاء الجمهوريون مثل هيئة حماية البيئة ووزارة التربية وهيئة الاشراف على الاغذية والادوية.

قرار "اعادة النظر بعمل الكونغرس لعام 1996" ينص على حق مجلسي الكونغرس مراجعة ونقض اي اجراء حكومي جديد، محصنا بعدم جواز تعطيله او تأجيله في اروقة مجلس الشيوخ. في ظل هذا "الانقلاب الدستوري" باستطاعة الرئيس اوباما استخدام حقه في نقض القرارات التي تتطلب موافقته لسنها، وهو ما لا يرجحه المراقبين. خطورة هذا القرار تكمن في تخويل مجلسي الكونغرس بزعامة الحزب الجمهوري تجاهل وتعطيل اي قرار لا يعد مناسبا وعدم ادراجه على جدول الاعمال لمناقشته، فضلا عن ممارسة حق نقض فيتو الرئيس. من المرجح ان يستخدم الجمهوريون الاساليب المذكورة لتعطيل فعالية الرئيس اوباما فيما تبقى له من زمن ولايته الثانية.

السياسة الخارجية تحت المقصلة ولكن ..

تزامن مع اعداد التقرير تسريب عن رسالة سرية موجهة من اوباما لمرشد الثورة الايرانية اية الله خامنئي، ويبدو انه ارسلها كبادرة حسن نوايا ومجاملة دبلوماسية بمناسبة خضوع المرشد لعملية جراحية وتهنئة بنجاحها. وبقطع النظر عن التأويلات المختلفة لتوقيت التسريب والجهة التي اقدمت عليه تؤشر هذه الرسالة على رغبة شديدة لدى اوباما بان ينجز اختراقا واتفاقا مع ايران حول الملف النووي. امام اوباما فرصة لكي يحقق انجازا شبيها بما حققه نيكسون - مع الصين - الذي كان يعاني وضعا ضعيفا مشابها لاوباما على الصعيد الداخلي، وقد يكون تحقيق ذلك الانجاز الاساسي لحقبة اوباما والذي يمكن ان يدخل التاريخ مجددا منه.

هذه الفرصة محدودة زمنيا لموعد استلام الجمهوريين لزعامة مجلسي الكونغرس في يناير 2015 ويبقى السؤال هل سيجرؤ على الاقدام وهل ستمكنه المرونة الايرانية من احداث الاختراق الذي سيكون تاريخيا ومفصليا تجاه مستقبل منطقة الشرق الاوسط وملفاتها الشائكة.

السلطة التنفيذية هي المخولة دستوريا تطبيق السياسة الخارجية او العسكرية، بيد ان الخصوم من الجمهوريين سيفعلوا كل ما بوسعهم للمزاحمة والتضييق على سلطات الرئيس، نظرا لأن اقرار الميزانيات هي بيد الكونغرس حصرا، كما يحتفظ مجلس الشيوخ بحق المصادقة على التعيينات الرئاسية لمناصب ديبلوماسية والموافقة على المعاهدات.

وسارع عدد من الطامحين من قادة الحزب الجمهوري الى البوح صراحة بالتوجهات السياسية المطلوبة، اهمها جون ماكين الذي يرجح تبوئه منصب رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، والداعي الى تسليح المعارضة السورية والطاقم الحاكم في اوكرانيا. وسيستغل منصبه الجديد افضل استغلال لتحقيق اجندة معسكر الحرب ومصالح الشركات الكبرى كممثل وفي لها.

في هذا الصدد، ارسل الرئيس اوباما رسالة تصالحية لخصومه بانه قد يتوجه للكونغرس للحصول على تفويض جديد يخوله محاربة داعش، وما ينطوي عليه من تخصيص ميزانيات معينة خارج بنود الميزانيات المقررة سلفا. نادى خصومه باستمرار انه يتعين عليه التوجه للسلطة التشريعية طمعا في التفويض يعينه على تنفيذ استراتيجيته طويلة الأمد في "محاربة داعش" واعادة اصطفاف القوات الاميركية في المنطقة بعد "خروجها" من العراق.

وبدا لاول وهلة ان الرئيس اوباما يتبنى خطاب خصومه الجمهوريين فيما يخص الحرب الدائرة في سورية والعراق. واوضح ان بلاده تواجه "عدو من نوع مختلف .. والاستراتيجية المطلوبة ايضا مختلفة." واضاف في ما بدى استمالة خطاب خصومه بالقول "منطقي بالنسبة لنا التيقن من هدف تفويض الكونغرس كانعكاس لادراك ما نراه استراتيجية ينبغي المضي بها لفترة شهرين او ثلاثة أشهر .. بل صلب استراتيجية تخولنا المضي قدما."

تتقاطع رؤى السلطيتين التنفيذية والتشريعية حيال سورية وداعش بعض الشيء، بيد ان الصراع يطبع رؤيتيهما فيما يتعلق بالتوصل الى اتفاق مع ايران حول ملفها النووي، وليس مستبعدا ان يلجأ الكونغرس الجديد استغلال سلطته لاقرار التمويل لابطال تطبيق بعض بنود الاتفاقية.

ومن هنا تبرز أهمية نجاح الرئيس اوباما في التوصل لاتفاق مع ايران في الموعد المحدد، 24 الشهر الجاري، او قبله، لدرء تقييد حريته مطلع العام المقبل عند بدء الكونغرس الجديد ولايته الرسمية. وليس مستبعدا ان يلجأ الجمهوريون عقب تسلم مهامهم الجديدة لطرح الاتفاق على بساط البحث بغية احراج عدد من الاعضاء الديموقراطيين في التصويت ضد الرئيس اوباما او الاصطفاف الى جانب رفع القيود عن اجراءات المقاطعة، خاصة اولئك الذين سيخوضون جولة الانتخابات التجديدية المقبلة عام 2016.

من نافل القول ان التركيبة الجديدة لمجلسي الكونغرس تتميز بتحيزها "لاسرائيل" وميل طاقمها للموافقة على مزيد من الهدايا والعطاءات الاميركية.

الاجندة الداخلية    

فوز الجمهوريين سينعكس مباشرة على عدد من القضايا والملفات الخلافية الداخلية: برنامج الرعاية الصحية، رفع الحد الادنى لمستوى الاجور، تسهيل قروض التعليم، تشديد قوانين الهجرة باتجاه تضخيم الاجهزة الأمنية لمواجهة المهاجرين القادمين من الجارة الجنوبية تحديدا، والمصادقة او تعطيل المصادقة على مرشحي الرئيس لمناصب ديبلوماسية وقضائية.

اوباما وحلفاؤه يدركون تماما ما ينتظرهم من متاعب مقبلة، وسيسعى الرئيس بكل ما اوتي من عزم لانجاح بعض القضايا الهامة مستغلا ما تبقى من ولاية الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ. اولى بوادر الاجراءات اعلانه نهاية الاسبوع الجاري مرشحته لمنصب المدعي العام الفيدرالي خلفا لاريك هولدر الذي يكن له معظم الجمهوريين عداءً بيناً.

من اهم بؤر الخلافات بين السلطتين مسألة اصلاحات قوانين الهجرة الراهنة، ومطالبة القاعدة الشعبية لا سيما لدى الحزب الديموقراطي بمنح المصنفين "غير شرعيين" عفوا عاما يؤهلهم الاندماج التام في النسيج الاجتماعي وما ينطوي عليه من حقوق وواجبات، لا سيما في دفع الضرائب المتراكمة.

واوضح الرئيس اوباما في مؤتمره الصحفي الاخير عزمه العمل مع الكونغرس "لسن مشروع اصلاحي شامل لقوانين الهجرة" مؤكدا عزمه على "بذل كل ما بوسعه من صلاحيات دستورية لاتخاذ اجراءات قانونية من شأنها تطوير قوانين الهجرة المعمول بها." وحذر خصومه بأنه لا ينوي "الانتظار" بل سيلجأ للمبادرة سريعا، مدركا في الخلفية قيود الميزانية التي سيلجأ اليها خصومه لتقييد حرية حركته المنصوص عليها دستوريا. وسارع عدد من اعضاء مجلس الشيوخ المتشددين عن الحزب الجمهوري توجيه كتاب تحذيري لرئيس المجلس، هاري ريد، ينذرون "بأزمة دستورية" في حال لجوء الرئيس اوباما استخدام صلاحياته الدستورية لاقرار اجراءات لها قوة القانون.

كما انذر الموقعون رئيس المجلس بنيتهم تعطيل المشروع الجاري لتمويل الحكومة الفيدرالية الى ما بعد فترة 11 من كانون الاول المقبل في حال اخفاقه "التصدي لتجاوزات السلطة التنفيذية،" وكذلك اللجوء الى "الوسائل الاجرائية" المتاحة لفرض نقاش المسألة على جلسات مجلس الشيوخ بغية "حسم الازمة الدستورية التي تسبب بها الرئيس اوباما في قرار العفو المناهض للقانون."

على رأس سلم اولويات الحزب الجمهوري المصادقة العاجلة على انشاء انبوب نقل النفط الكندي الى السواحل الجنوبية للولايات المتحدة "كي ستون اكس ال،" ترجمة لتعهداته بمحاباة كبريات شركات النفط والطاقة. عمدت ادارة الرئيس اوباما الى تأجيل البت في المصادقة عليه نظرا لجملة معطيات، اهمها معارضة قوية من قوى اجتماعية متعددة في ولايات الوسط التي سيمر بها خط الانابيب، فضلا عن معارضة شرسة لانصار البيئة لما ينطوي عليه من مخاطر "انبعاث غاز المناجم والمستنقعات – الميثان، وتلوث الابار الجوفية .." يذكر ان عددا من اعضاء الحزب الديموقراطي يدعمون قرار المصادقة على الخط، الأمر الذي سيستغله القادمون الجدد في الدورة المقبلة.

من اولويات الفريق القادم ايضا "تقليص" العمل ببرنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، الغاء الضريبة المفروضة على المعدات الطبية وايقاف العمل بالزام ارباب العمل توفير التغطية الصحية للعاملين في حده الادنى.

جدير بالذكر في هذا الصدد تراجع الرئيس اوباما عن تعهداته لقواعده الانتخابية، في ولايتيه الرئاسيتين، خدمة لمصالح رؤوس الاموال والشركات الكبرى وممثليها في الكونغرس من الحزبين: وافق اوباما على مقايضة تخفيض معدلات الرعاية الاجتماعية ورواتب التقاعد والرعاية الطبية مبكرا مقابل موافقة الفريق الآخر على "مبدأ" اعادة النظر بنظام الضرائب المفروض على الشركات وكبار الاثرياء؛ فضلا عن تعزيزه اركان الدولة البوليسية والاستخباراتية ممثلة بتجسس وكالة الأمن القومي على الداخل والخارج؛ واستئناف مراكمة الترسانة النووية التي، للمفارقة، اقدم الرئيس ريغان على تقليصها، بكلفة تقدر بما ينوف عن تريليون (الف مليار) دولار.

آفاق الانتخابات الرئاسية المقبلة

من المفيد استعادة الدوافع الرئيسة التي حفزت الناخبين للتصويت لصالح الرئيس اوباما في ولايته الاولى، وفريق حزبه في الكونغرس، لعل اهمها جاء على خلفية نبذ السياسات الاقصائية ومغامرات المحافظين الجدد وانصارهم الليبراليين الجدد في التدخل والعدوان خارج الاراضي الاميركية، وما ترتب عليها من ازمة اقتصادية لا زالت اصداؤها تتردد للزمن الراهن، فاقمها الرئيس اوباما بانحيازه لجانب رأس المال والشركات المصرفية الضخمة في وول ستريت، شريحة 0.01%، على حساب الغالبية الساحقة من الشعب؛ وتبنيه للحروب الدائمة والشاملة في العالم العربي والمنطقة المحيطة.

يشير عدد من كبار المختصين بتحليل نتائج الانتخابات الى تصاعد ونمو ودور العامل العنصري في الانتخابات الاخيرة، ساهم الى جانب عوامل موضوعية اخرى، في مفاضلة وبروز التيارات الاشد محافظة بين الفريقين. واوضحت اغلبيتهم انه يتعين على القوى والتيارات الاميركية "الاعتراف بدور عامل العنصرية كتيار محوري في البنية السياسية الاميركية .. والدوافع العنصرية للنتائج التي اسفرت عنها انتخابات عام 2014 " الى جانب استغلال القوى المؤثرة لعامل "الخوف والذعر" الذي رسخته السياسات المتلاحقة في الذهن الشعبي، تجسدت في "المبالغة في خطر وتهديد الدولة الاسلامية، وغزو اطفال اميركا الوسطى، وفيروس ايبولا القادم من افريقيا."

الثابت في نتائج الانتخابات انها ابرزت عدد من الطامحين سياسيا بين الفريقين، واطاحت بآخرين ليس بسبب عزوف الناخبين عن الادلاء باصواتهم فحسب، بل لتراجع ثقة العامة في جدوى الانتخابات التي سجلت ادنى نسبة في تاريخ الانتخابات الاميركية، اقل من 36% شاركوا في الانتخابات. المفارقة تكمن في ادانة المسؤولين الاميركيين لنتائج الانتخابات في شرقي اوكرانيا، دونيتسك ولوهانسك، التي شهدت نسبة مشاركة عالية اكثر من 60% من الناخبين على الرغم من تهديد القصف المتواصل لقوات حكومة كييف.

الخسارة الاكبر لفريق الحزب الديموقراطي كان في مناصب حكام الولايات التي عوِّل على عددم منها لتعديل كفة الانتخابات المقبلة، وجاءت بعض النتائج صادمة للجميع، اهمها في ولاية ماريلاند، الملاصقة للعاصمة واشنطن، التي فضلت مرشح جمهوري على سياسي مخضرم من الحزب الديموقراطي. يلعب حكام الولايات في الانتخابات الاميركية دورا محوريا هاما، ليس في بعد تسخير الامكانيات العامة لصالح فريق محدد، بل في اعلاء شأن فريق مفضل عبر سن قوانين محلية، كما شهدنا في ولاية فلوريدا التي "رجحت" فوز الرئيس الاسبق جورج بوش على خصمه آل غور على الرغم من رجحان كفة الاصوات لصالح الاخير.

عزوف عدد من المرشحين الديوقراطيين عن الظهور العلني بجانب رئيس الحزب ورئيس البلاد اثبت عقم الاجراء للتقرب من الشرائح المعارضة للرئيس وسياساته، وربما سيسعى استراتيجيو الحزب الاستفادة من تلك "السقطة" في الجولة المقبلة. الفريق الفائز في هذه الدورة سيواجه عدة متاعب في الجولة المقبلة عام 2016، أهمها اتضاح نزعة السيطرة والنفوذ السياسي على حساب الاعتبارات والمصالح الشعبية، واخفاقه في معالجة عدد من التحديات، بل التراجع عن بعض المكتسبات للشريحة الكبرى من المجتمع: برامج الرعاية الصحية ورواتب المتقاعدين مثالا.

دور المال السياسي"الرشوة السوداء المقننة"

جولة الانتخابات الحالية تعد الاولى التي تحررت من القيود المفروضة للحد من تضخم التبرعات لمرشح معين، ثمرة لقرار المحكمة العليا عام 2010 الذي "فتح باب التبرعات على مصراعيه" دون اي قيود او ضوابط تذكر. وعليه، برز دور الممولين الكبار بشكل علني لم يسبق له مثيل في تمويل الحملات الانتخابية والدعائية التي تضخمت لمستويات غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الاميركية. وقدر كلفة الحملات من الطرفية بنحو 4 مليار دولار جاءت نتيجتها مطابقة لتوقعات مصادر الدعم، على رأسها امبراطوريات المال العائدة "للاخوين كووك، وشيلدون اديلسون."

برز تأثير قرار المحكمة العليا في مجالات شتى بعيدة عن اجراءات الرقابة والمحاسبة والشفافية، واستدخل مصطلح "الاموال السوداء،" مجهولة المصدر والحجم، لتمويل الحملات الانتخابية المتعدة. في السابق، عمد كلا الحزبين ومؤيديهم على استنساخ بعضهم بانشاء صناديق مالية لدعم الانتخابات ذات تفرعات متشعبات متعددة، ليس بدافع تنويع مصادر الدعم فحسب، بل للتحايل على القيود المفروضة.

في الجولة الانتخابية الراهنة، تجسدت مصادر "الاموال السوداء" في عدد من السباقات الانتخابية المحورية، لا سيما نورث كارولينا، التي بلغ معدل الدعايات المتلفزة بث واحدة كل 50 ثانية، في الايام الاخيرة للسباق، الاعلى كلفة في تاريخ السباقات الانتخابية الاميركية لمنصب عضو مجلس الشيوخ. وقدرت الكلفة الاجمالية بما ينوف عن 100 مليون دولار.

في ولاية كنتاكي، تبنت مجموعة مجهولة "تحالف الفرص لكنتاكي" نفقات الصرف على "12،000" دعاية متلفزة لمرشحها المفضل، ميتش ماكونل. يزعم "التحالف" في الوثائق الرسمية استقلاليته عن اي من المرشحين، بيد ان السجلات الرسمية اشارت الى ادارة المجموعة من قبل "مساعد سابق لميتش ماكونل" كأحد فروع حملته الانتخابية.

ايضا، استعاد ثلاثي اباطرة تمويل الحزب الجمهوري بريقه ودوره المحوري في هذه الجولة، ممثلا بـ "كارل روف وشيلدون آديلسون والاخوين كووك،" عبر مؤسسات مستحضرة لهذا الغرض. وحصد الاول 6 مقاعد من مجموع 10 انفق عليها في عدد من الولايات وقد يحصد مقعدين اضافيين في ولايتي الاسكا ولويزيانا اللتين لن تحسم نتائجهما الا مطلع العام المقبل. حصيلة مماثلة سجلها الاخوين كووك، اذ فاز 5 مرشحين من مجموع 9 تم دعمهم بكثافة.

بالمقابل، ممول حملات الحزب الديموقراطي الاكبر، توم ستيير، انفق نحو 73 مليون دولار دعما لمرشحين موالين لاجندته "التقدمية،" وحصد نتائج متواضعة نسبة لحجم الانفاق: استطاع الاطاحة بمرشحين للحزب الجمهوري ومرشح آخر لمنصب حاكم الولاية – توم كوربيت في ولاية بنسيلفانيا، واخفق في ولايتي فلوريدا وماين.

         تجدر الاشارة الى ان تركيبة مجلس الشيوخ الراهنة تضم العضو الوحيد المصنف مستقلا عن الحزبين، بيرني ساندرز، الذي ادان علنا "مصالح اصحاب المليارات" في تحديد نتائج الانتخابات. وقال عشية الانتخابات انه يتعين على الجمهور الاميركي بلورة اجندة تصادمية لاقصاء "شريحة المليارديرات" عن التحكم بالعملية الانتخابية، مطالبا بتعزيز العرف السابق "بالتمويل العام العلني للانتخابات كي لا يستطيع اولئك شراء الانتخابات." ساندرز لم يهمل عامل "الشركات الكبرى" وتبرعاتها الضخمة لصالح مرشحين من الحزبين اذ دأبت على المراهنة على الطرفين سوية، وان بنسب متفاوتة.