Get Adobe Flash player

ليست المسألة مسألة إدانة لما حدث في فرنسا من جرائم في بحر الأسبوع الماضي ، وليست القضية توجب استحضار ما فعلته فرنسا تحديداً ، ومعها أمريكا وبعض من الدول الغربية في ساحاتنا العربية ، وعلى امتداد عقود، ولسنا هنا لنرفض ونستنكر وندين ونزايد ونطالب أو حتى نبرر لهذه الجريمة أو تلك .. ولن نكرر ما نعتقده - وبشكل مطلق - بأن العنف ، لا يوّلد إلا ّ العنف ، لا الردع .

لأجل ذلك ، فلقد تناولنا جرائم باريس، ومنذ الساعات الأولى لوقوعها بعدد من التساؤلات الجوهرية ، والتي نحاول في هذه العجالة ، أن نقترب من الإجابة عليها ، وذلك من خلال اتباع المنهج الواقعي ، البعيد عن التمنيات والأوهام والأمال البعيدة عن الواقع الموجود ..وهذه التساؤلات تتمحور حول :

- هل ما نشهده اليوم هو ارتداد حقيقي للإرهاب على الغرب ؟ أم أنها عمليةٌ محدودة ومحددة ؟

- هل أن هذه العمليات ستجعل من أوروبا أكثر التصاقاً بالسياسة الأمريكية في كيفية محاربة الإرهاب ؟ أم أن أوروبا ستنتفض على تلك السياسة ، وتعيد قراءة المشهد السياسي للأحداث الطارئة عليها بطريقة أكثر واقعية وأميل إلى رؤية دولية مغايرة لما تسير عليه اليوم في مقاربتها لكيفية محاربة الإرهاب ؟

- هل سيُحدث هذا الإرهاب الضارب في فرنسا اليوم ، ولربما في دول أخرى لاحقاً ، ما يمكن تسميته بانتفاضة في العقل السياسي للمواطن الأوروبي ، بحيث تدفعه تلك الأحداث - رغماً عنه - على محاسبة أحزابه وقادته السياسيين ، ليس فقط على سياساتهم الداخلية ، إنما أيضاً على سياساتهم الخارجية أيضاً ؟

- وهل ستكون هذه المحطة الإرهابية ، فرصة حقيقية لأصحاب القرار في العالم العربي والإسلامي ، وكذا العرب والمسلمين المتواجدين في الغرب ، للإقلاع عن استراتيجية " الأخذ بالخاطر والإدانة " ، والتي أثبتت بلاهتها بعد كل حدث إرهابي في امتصاص نقمة الغرب علينا ؟ وهل يمكن لهؤلاء جميعاً ( ممانعين ومعتدلين )، أن يسيروا باستراتيجية جديدة ، تُسهل على المواطن الغربي - على الأقل- انتزاعه لثقافة التجهيل المتعمد التي زُرعت في عقله ، حول حقيقة الإرهاب أولا ً ، وأسباب انتشاره وتوسعه ، ودور القادة الغربيين - بسياساتهم المرتبطة بمصالحهم الشخصية والحزبية - في ارتداده على دولهم ؟؟؟

لكي نقارب هذه التساؤلات - وكما ذكرنا - بواقعية ، لابد لنا من أن نبحث فيها من زوايا المصالح الدولية ، الخارجية منها وحتى الداخلية   ، إضافة إلى مراكز النفوذ العالمية ، ناهيك عن ارتباط ذلك أيضاً بمسار هيكلة النظام العالمي الجديد برمته.

ذكرنا ، ومنذ اللحظات الأولى لعملية شارلي إيبدو الإرهابية ، وما لحقها من عملية احتجاز الرهائن ، على يد إرهابي أخر ، بأن فرنسا تعيش ما يمكن تسميته ب 11أيلول الفرنسي ، وذلك بغض النظر عن فارق أعداد الضحايا في الأيلولين ، وذلك بسبب تداعياتها السياسية ، ليس على فرنسا فحسب ، إنما على كافة دول الإتحاد الأوروبي برمته ...

لأجل ذلك تداعى إلى باريس بالأمس عدد كبير جداً من ممثلي الإتحاد الآوروبي ، ومختلف دول العالم ، للمشاركة في فعاليتين ، شعبية ورسمية ، وذلك لبحث السبل الأنجع في مواجهة الإرهاب المرتد على مسهلي تصديره إلى ساحات " الجهاد " الشرق الأوسطية ، ليلي ذلك لاحقاً إجتماع أوروبي محض ، وذلك للتداول في الموضوع نفسه ، والذي سيليه أيضاً إجتماع دولي أخر في واشنطن في الثامن عشر من الشهر القادم ، وذلك حسبما أعلن وزير العدل الأمريكي بالأمس .

لاشك أن تداعيات الحدث الفرنسي سيُرخي بثقله على كل تلك المشاورات التي ستدور في هذه الإجتماعات جميعها ، وخصوصاً لناحية فحص دينامية العمل التي يسلكها الغرب في مقاربته لموضوع محاربة الإرهاب ، فمن مطالب - بالإضافة إلى تشديد الإجراءات الداخلية - بضرورة بلورة استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب في الشرق الآوسط ، وذلك تطويراً لما هو قائمٌ اليوم ، ضمن التحالف الدولي ، وليكون هذا الأخير أكثر انغماساً في تلك الحرب ، إلى مطالب بيلورة استراتيجية جديدة تُلزم فيها أحواض الإرهاب المحيطة بالعراق وسوريا ، بضرورة وضع سياسات فعالة لتجفيف هذه الأحواض ، وسد منافذ المصبات عليها ، وعلى كافة الصعد ، من فكرية ولوجستية وبشرية على حد سواء، وهذا لابد أن يصاحبه استدارة حقيقية إلى ضرورة إعادة الوصل السياسي والأمني مع دول وأطراف مجابهي الإرهاب الحقيقيين على الأرض ، وذلك كمدخلٍ إجباري لكي يُهزم الإرهاب في عقر داره ..

ما لفت بالآمس ، أن صحيفة المانية كشفت النقاب عما أسمته محطة نووية جديدة ، تبنيها سوريا في القصير ، وذلك بحماية مشتركة مع حزب الله ، وذلك من أجل تخصيب اليورانيوم ، هذا فضلا ً عن بدايات تعثر لإجتماع موسكو في نهاية الشهر ، حول البحث في كيفية حل الأزمة السورية ، وذلك قبل انعقاده ، وبفعل مقاطعة المترددين والمتحمسين لعقد هذا اللقاء على حد سواء !!!

رافق كل ذلك ، ارتفاع الأصوات في الكيان الصهيوني ، بأن الإرهاب لا يستهدف الأوروبيين فحسب ، إنما سيطاول اليهود في أوروبا أيضاً ، ليبدأ الكيان الصهيوني بعملية تحفيز علنية لتشجيع هجرتهم إلى فلسطين المحتلة ..

ما سيُصاحب إجتماعات باريس ، وبروكسل ، ولاحقاً واشنطن ، إلى غيرها من الإجتماعات الأخرى حول سبل مكافحة الإرهاب القابع والمرتد إلى الغرب على حد سواء ، الكثير الكثير من المصالح الإقتصادية والسياسية للدول المشاركة ، هذا فضلا ً على تركيز أمريكي على إبراز نموذج الفترة الزمنية التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول-أمريكا في العام 2001 ، وأليات المواجهة التي اتبعتها أمريكا لإيقاف نمو الإرهاب فيها ، ومنع وصوله إليها ... هذا على الرغم من التكلفة الباهظة الثمن التي دفعتها أمريكا في الخارج ، وذلك في سبيل إبعاده عن أرضها ...

هذا النموذج الأمريكي ، والذي سيُقدم للغرب ، سيتقاطع بلا شك مع مصالح إقتصادية تربط هذا الأخير بشكل عام وفرنسا بشكل خاص ، مع بعض الدول العربية ، وتحديداً الخليجية منها ، والتي تتكفل اليوم بإلحاق الأذى بالإقتصادين الإيراني والروسي من جهة ، وتدفع من جيبها في سبيل تنشيط الإقتصادين الأوروبي والأمريكي من جهة ثانية ، وذلك من خلال لعبة النفط التي تحدثنا عنها في مقالة سابقة ....بحيث أن هذه الدول العربية ستعيد من جديد أمام الغرب-المفجوع ، طرح " المظلومية السياسية لأهل السنة في بعض العالم العربي " ، لتقدمها بأنها السبب الرئيسي في نمو الإرهاب وتصديره وإعادة تصديره أيضاً ... وأن طريق الخلاص " الوحيد " منه ، لا بد أن يكون برفع الضيم عن هذه الشرائح الشعبية ، وذلك يتم عن طريق إزالة أسبابه ، والذي يُختصر برأيهم ، بإسقاط النظام السوري ، والحد من النفوذ الإيراني على حد سواء .... وأن عملية إجتثاث فكر الإرهاب وإقفال مدارسه وتجفيف أحواضه ، لهي مسألة لاحقة لذلك ، وليست سابقة له .

ستتكامل هذه المصالح الإقتصادية والسياسية ، مع الضغط الذي ستمارسه جماعات الضغط الصهيونية في الغرب ، والقريبة من مراكز القرار الغربية ، وكذا مع أصوات اليمين المتطرّف ، والذي سيتلاقى مع كل ما سبق في تعزيز النظرة المتشددة للغرب تجاه أليات مكافحة الإرهاب ، وذلك بالإقتراب من التوجه الآمريكي أكثر فأكثر ، وليس بالإبتعاد عنه - كما يظن البعض - ، وذلك على حساب المطالبة بالتغيير الجذري في أليات مكافحة الإرهاب ، والتي تقترب من نظرة روسيا ومحور الممانعة معها ...

ما يعزز هذا التوجه الغربي أيضاً ، هو بالإضافة إلى ما ذكر سابقاً ، بعضٌ من مراكز النفوذ العالمية الأخرى ، كالإعلام ، جماعات الضغط ، و المجمعات الصناعية ، العسكرية ... والتي ترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بالصهيونية العالمية ، ومشاريعها العالمية ، وذلك في سبيل خدمة مجالات نفوذها ، وأمن الكيان الصهيوني على حد سواء ... دون أن نغفل طبعاً ، عن بحث هذه الدول الغربية الدائم عن مكانة أوروبا المستقبلية في هيكلية النظام العالمي الجديد ، والذي نعيش مخاض ولادته العسيرة في هذه المرحلة من مراحل الصراع الدولية

نختم إلى القول ، فإذا كانت الإستراتيجيات الأمريكية ومن خلفها معظم الدولية ، والتي اتُبِعت من بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الأمريكي من العام ٢٠٠١ ، قد أدت إلى ما أدت إليه ، من تشتيت للإرهاب وتشظيته وتفريخه ، وإنبات نسخٍ مطورة عنه ... فإن أحداث " الحادي عشر من أيلول الفرنسي " ، وما سيليها من وضع استراتيجيات مطورة لهذه الدول نفسها في مجال مكافحة الإرهاب ، ستكون نتائجها - وبلا شك - أفدح من تلك التي تلت الأيلول الأمريكي ، وذلك في حال تكرار الآخطاء والخطايا ذاتها ....

باحث وكاتب سياسي

بيروت في 11-01-2015

يطل العام الميلادي الجديد على رزمة كبيرة من المتغيرات المتوقعة على اكثر من صعيد وفي اكثر من ساحة في عالمنا العربي والاسلامي ، ما يدفع بالبعض للاعتقاد بان ثمة تحولات استراتيجية في المشهد الدولي تتدافع رويدا رويدا لتأخذ بلادنا الى مشهد متفاوت عما اعتدنا عليه وجديد نسبيا ستكون احدى تداعياته كما السبب وراء حصوله اكراها هو الضعف والوهن المتزايد للاحادية الامريكية في الهيمنة على العالم ....

لعل ما اسست له المصالحة السعودية القطرية اولا ومن ثم المصالحة القطرية المصرية ثانيا ، وكلاهما يرصد على انه على انقاض " الربيع العربي " يمكن وضعهما في مقدمة لائحة المتغيرات تلك ....

فالكيان السعودي الذي يأفل نجمه وتتساقط قدراته الاقليمية ساحة بعد ساحة وهو يرى العالم من حوله يسير على غير رغباته التقليدية ، منذ ان خسر الرهان على تغيير المشهد الثلاثي الدمشقي الشهير الممتد من طهران الى الضاحية قرر على ما يبدو واستجابة لرغبة دولية عليا الدفع بهاتين المصالحتين في محاولة منه للدخول الى عصر ما بعد " هزمت الروم فاصبح بقاء الاسد محتوم " ...

اذ لا دواء للتخلص من السم الذي اضطرت المملكة السعودية لتجرعه في اكثر من ساحة عربية والاستدارة نحو دمشق رويدا رويدا الا البوابة المصرية كما يقول عارفون بنسخ الدواء العربية التقليدية....

خطوات كانت ربما لابد منها عندما تترافق مع ما بدا وكأنه انفتاح امريكي مستجد على القاهرة تمظهر باتصال هاتفي من الرئيس باراك اوباما فمع الرئيس عبد الفتاح السيسي ، مرفقا بالاعلان عن وصول السفير الامريكي الجديد الى مصر بعد تعلل كسرته واشنطن من الباب العالي ....

مصر عبد الفتاح السيسي الذي لم يكن قد مضت اياما فقط على عودته من زيارة وصفت ب " الاستراتيجية " الى الصين المنافس الرئيس للولايات المتحدة الامريكية ليس فقط على الساحتين العربية والافريقية ، بل وعلى المستوى العالمي ....

كل ذلك يأتي في ظل عملية خلط للاوراق قل نظيرها في اكثر من ساحة مشرقية ....

تصعيد مغربي لافت ضد عاصمة المعز يرافقه انفتاح على انقرة ....

متغيرات على حدود رفح في حركة دحلانية مريبة فاقت التوقعات ....

جهد حثيث ودؤوب من جانب حماس للعودة الى مربع طهران ....

انفتاح تركي غير مسبوق على بغداد وتغير مفاجئ في الادبيات الاردوغانية بخصوص الملف السوري وحديث اوغلو عن الخطر الوهابي ....

حركة "بوتينية " متدحرجة باتجاه انقرة والقاهرة وتعزيز للتحالف مع طهران والضاحية الجنوبية   في بيروت تدخل في صلب المتغيرات من بوابة لقاء "متميز" يجمع بين بوغدانوف والسيد حسن نصر الله ، قيل ان الاول عرض على الثاني امكانية تزويده بسلاح متطور ما قد يعتبر كاسرا للتوازن ، حسب التعبير الاسرائيلي ....

ودائما وحسب المراقبين ازدياد منسوب التفاؤل بامكانية حصول اتفاق اطاري ما بين واشنطن وطهران حول النووي الايراني ....

ما يهمنا في هذه القراءة السريعة هو الادراك الصيني - الروسي وهو المحور المقابل للمحور الامريكي البريطاني لاهمية كل من القاهرة وطهران وانقرة من جهة كبوابات اساسية لمقارعة الغرب في اليابسة كما في البحار لاسيما على الطاقة باسعارها وخارطة انابيبها و امن وصولها ....

بالمقابل ادراك محور شانغهاي هذا والذي يضم اليه كلا من الهند وايران ومجموعة مهمة من دول آسيا المركزية لاهمية البوابة الدمشقية في المزيد في الامعان في اذلال الهيمنة الاحادية الامريكية وهزيمتها في الميدان وذلك في اطار الحرب على الارهاب وفي المقدمة داعش واخواتها .....

في دراسة نشرها دونغ مانيوان نائب رئيس معهد الدراسات الدولية الصيني التابع لوزارة الخارجية تحت عنوان : صعود داعش ... التأثير والمستقبل

يؤكد بين بنود عدة على ما يلي :

- ان داعش تشكل تهديدا للمجال الحيوي لروسيا والصين ....

- ان واشنطن " تؤجل " تغيير النظام في سوريا وتتقارب مع ايران اكثر فاكثر بسبب حاجتها لطهران في محاربة داعش ......

- ان واشنطن المضطرة للتعاون مع ايران وروسيا والحكومة السورية للجم داعش ستكون مضطرة للتخلي عن عقلية الحرب الباردة ....

ونتيجة لمثل هذا التقدير فان بكين ترى بانها الفرصة التاريخية السانحة لتطرح تحالفا استراتيجيا مع طهران وتاليا دمشق لمزيد من اضعاف النفوذ الامريكي وذلك من اجل جعله يصل اليها منهكا في المحيط الهادئ وان تتدارك للانقضاض على المغرب العربي انطلاقا من القاهرة لازاحة الامريكي المتهالك ، من الخرطوم حتى كيپ تاون ....

هنا يبدو مهما ما يراه المصري من فرصة تاريخية لادراك اهمية موقعه في اللعبة الدولية ، وهو ما يظهر منعكسا في حركة الرئيس المصري الدولية وتوظيفه للمال السعودي الذي يبدو ان القاهرة لا تزال رهينة له ولا ترى بديلا عنه في الافق القومي المصري على ما يظهر من سلوك الرئيس عبد الفتاح السيسي ....

بالمقابل وحده اللاعب الايراني يبدو في هذه الاثناء بانه اللاعب الرابح والاقوى والاكثر تمددا في النفوذ رغم حصار العقود العجاف الثلاثة الماضية وحرب النفط التي اشعلت ضده مؤخرا وضد حليفه الدولي الروسي بقرار امريكي سعودي طبعا كما يقرأ اكثر المراقبين ، ومع ذلك لم يؤثر ذلك قيد انملة في قراره الوطني المستقل كما يتراءى للناظرين....

مرونة عالية جدا مع الاعداء والخصوم ، ومروءة مع الاخ والصديق ، هكذا هو حال ربان السفينة الايراني ، تماما كما جاء وصفه على لسان شاعرهم التاريخي الكبير حافظ الشيرازي .... وما بينهما ديبلوماسية حياكة سجاد ، لن تجعله مضطرا لتوقيع "اي اتفاق كان" مع واشنطن حول النووي ، بل على العكس من ذلك لا يزال يعلن انه لا يثق بها وانه سيهزمها في كل ساحات الاشتباك وان طهران ستخرج مرفوعة الرأس ، كما جاء في آخر خطابات القيادة الايرانية العليا ...

لقد تمرس البعض على رهن قراره بمال الغير وماله .....

فيما تمرس البعض الآخر برهن ماله لرفع سقف التوازن الدولي ، واتقان لعبة الاشتباك كما التفاوض تحت سقف النار ...

عالم جديد لن يحجز مقعد لائق فيه لاحد الا من اتقن فن الحراك في الحرب كما في السلام .....

 

لم تكن العملية الإرهابية التي نفذت في قلب باريس في الأسبوع الماضي حدثا عاديا في فرنسا وأوروبا بشكل عام وقد يصح وصفها بالإعصار الأمني العنيف الذي ضرب المجتمع الغربي، رغم أنها في حجمها المادي ونتائجها الميدانية المباشرة لا تصل إلى سقف أي من العمليات الإرهابية الإجرامية التي تنفذ في سورية والعراق على يد الذين يتفنن الغرب في إيجاد التسميات المختلفة لهم من "معارضة معتدلة " و "جهاديين" و" ثوار"... الخ. ومع هذا يبقى من الخطأ الكبير أن يتم التعاطي معها فقط انطلاقا من حجم الخسائر التي أحدثتها والإرهابيون الظاهرون الذين نفذوها.

كما انه يكون من الخطأ أيضا أن يتم التعاطي مع العملية منعزلة عما يحصل في العالم على صعيد الإرهاب وما يتصل به من دعم واحتضان من قبل هذا الطرف أو ذاك، أو من حرب عليه في هذه المنطقة أو تلك. والخطأ الذي يفوق كل ذلك يكون بالتصور أن الإرهاب والجماعات الإرهابية هي مجرد أدوات طيعة بالغة الانضباط تنفذ الأوامر الحرفية لمن صنعها وتلتزم بتعليماته في الزمان والمكان حسب إرادته ومشيئته.

فمن حيث المبادئ التي باتت مسلمات تقوم عليها عمليات إرساء الأمن والاستقرار، هناك قاعدة الأمن الإقليمي الشامل المنسق، المنفتح ليشكل جزءا من الأمن الدولي التكاملي، وهي قاعدة حلت مكان نظرية "الأمن الوطني الحصري " التي تراجعت أمام المفهوم المتقدم الذكر تراجعا سببه التطور السريع والنوعي في منظومات التواصل والاتصالات والانتقال. وبالتالي بات على المجتمع أو الدولة التي تريد أن ترسي امنها أن تعتني بما يجري في الإقليم الذي هي فيه ثم في المحيط القريب واللصيق وتبحث عما يوفرانه لها في سياق إرساء منظومتها الأمنية وتقوم بالتنسيق والتكامل معه لإنشاء البيئة الآمنة. فالأمن بيئة قبل أن يكون جهاز شرطة. ومن جهة أخرى ينبغي أن يعرف من يصنع الإرهاب ويدعمه أن أخطر ما في منظومة الإرهاب هو الثقافة الإرهابية التي تسقط مفهوم الدول والأنظمة والقوانين وتتفلت من أي قيد يضبطها لتتصرف كما ترى هي مناسبا لها حتى ولو كان تصرفها ضد من صنعها.

لكن الغرب ومنه فرنسا، ورغم انه كان سباقا في إرساء نظرية الأمن الإقليمي المنسق، المؤكد على مفهوم الأمن الدولي الشامل، ورغم أدراكه لطبيعة الإرهاب الحقيقي، رغم ذلك فانه عمل خلافا للقواعد وظن أن بإمكانه الفصل في التعاطي مع الإرهاب تمييزا بين إرهاب مسموح به يصنع ويصدر أو يحتضن ويدعم للنيل من الخصوم والأعداء، وإرهاب ممنوع يلاحق ويجتث من أي مكان يكون للغرب مصلحة في المحافظة على امنه واستقراره. ظن جاء استكمالا لمنطق الثنائية أو المعايير المزدوجة التي يعتمدها الغرب في كل شيء، ازدواجية تجعل الحق حيث مصالح الغرب حتى ولو كان الأمر جريمة، وتجعل من الأمر المناقض لمصلحة الغرب جريمة حتى ولو كان بطبيعته حقا مشروعا لا يجادل فيه عاقل.

وتطبيقا لما تقدم نجد الغرب رفض منذ أربعة عقود دعوة الرئيس حافظ الأسد لتحديد تعريف للإرهاب، وأصر بخاصة أميركا على توصيف المقاومة المشروعة بانها إرهاب، في حين يصر اليوم على دعم الجماعات الإرهابية التي تعمل في سورية والعراق ضد الشعب وأجهزة الدولة الشرعية في البلدين، ثم يتظاهر استعراضيا بمحاربة بعض الفصائل الإرهابية، في الوقت الذي يقوم فيه بدعم تلك الفصائل وسواها خفية وعلانية.

لقد اعتمد الغرب الإرهاب أداة من اجل تحقيق مشروعه الاستعماري الجديد في المنطقة وهو المشروع الذي فشل في فرضه عبر أربعة حروب متتالية نفذها في اقل من عقدين، وتصورت أميركا ومعها أوروبا وإسرائيل، أن تدمير المنطقة واجتثاث تاريخها وتراثها وتهجير سكانها بعد الفرز على أساس ديني وعرقي، سيمكنها من إعادة صياغة المنطقة وفقا لما تريد، للانتقال من صورة سايكس بيكو التي انتتجت إسرائيل، إلى صورة صهيواميركية تجعل من أميركا قائدة للعالم ومن إسرائيل مديرا إقليميا محليا للمنطقة.

لكن الميدان كذب الحسابات الغربية واظهر خطأ الرهان على الإرهاب، الذي تبين أن بإمكانه أن يقتل ويدمر ولكنه عاجز عن أن يسيطر لتسهيل مهمة أميركا. عجز وفشل فرضه صمود شعوب المنطقة وبطولاتها وتقبلها لأعلى درجات التضحية في الدفاع عن نفسها وجودا وحقوقا مجتمعات ودول.

لقد كان صمود سورية الأسطوري ، و بعده انتفاض العراق الحازم ضد الإرهاب حدثا مفاجئا للغرب في خططه ، و مجهضا للإرهاب في سعيه وفقا للإرادة الغربية ، و رغم كل ما وضع بتصرف الإرهاب من طاقات و وسائل ، فقد حافظت سورية على الإمساك بزمم الأمور ، و استعاد العراق زمام المبادرة في وجه الإرهاب ، إلى أن وصلت الدولتان بدعم من مكونات محور المقاومة الأخرى و مساهمتهم في العملية الدفاعية المفروضة ، وصلتا إلى حد اليقين بالانتصار ، و الثقة بان إعلان الانتصار و العودة إلى الحياة الطبيعية من الأمن و الاستقرار باتت مسألة وقت فقط ، بعد أن فقد المخطط الأميركي أي امل في فرض أرادته كما شاء منذ البدء.

ومع هذه النتيجة كان لابد من طرح سؤال حول مصير الإرهابيين والإرهاب الذي تفشى في المنطقة، والذي تشكل بدعم وتسهيلات مذهلة من 133 دولة تجمعت يوما تحت عنوان كاذب " أصدقاء الشعب السوري " (والأصح أن يسمى " أصدقاء الإرهاب ضد الشعب السوري").

يطرح السؤال حول مصير الإرهابيين بعد أن بات واضحا أن لا مستقبل لهم في سورية التي التزمت محاربتهم حتى تطهير أرضها منهم ، و بعد أن تعهد رئيس الوزراء العراقي باجتثاثهم من العراق في مهلة لا تتعدى السنة ، سؤال يطرح لأنه من غير المعقول القول بان الإرهابيين جميعا سيقتلون في المواجهة فالمنطق العملي يفرض القول بفرار جزء منهم عائدين إلى المصدر الذي جاؤوا منه ، و تشكل فرنسا و أروبا جزءا من هذه المصادر بعد أن أعلنت هي أن الإرهابيين المنطلقين منها إلى سورية و العراق يلامسون الألف ، كما اكد مسؤولون أوربيون آخرون أن العدد الإجمالي من الإرهابيين المنطلقين من أروبا يلامس أل أربعة الف ، فضلا عن وجود خلايا نائمة و قيد التحضير تتعدى العشرة الاف .

أذن من المؤكد أن جزءا من هؤلاء سيعودون إلى المناطق التي جاؤوا منها، وسيحركون جزءا من الخلايا النائمة، وسيستغلون أي سلوك أو تصرف منحرف ويتخذونه ذريعة لفعل إرهابي ما ويستأنفون نشاطهم الإرهابي الذي احترفوه في الميدان المشرقي.

وكما توجه الإرهابيون إلى السعودية ليضربوا في عرعر قبل أسبوعيين فقد عادوا إلى فرنسا ليضربوا في باريس في الأسبوع الفائت وحصل ما حذر منه يوما الرئيس الأسد منذ أن ضرب الإرهاب سورية برعاية غربية وخليجية. وبات الآن على الجميع خاصة الغرب أن يواجه المعضلة بمنطق ووضوح رؤية وأن يتخلى ولو لمرة واحدة عن الخداع والازدواجية في المعايير والكيدية في التصرف حيال الشعوب التي تتمسك بسيادتها وقرارها المستقل.

لا يستطيع الغرب أن يحارب الإرهاب ويتباكى على ما يفعله فيه، وفي الوقت ذاته يدعم الإرهاب ويشجع أعماله في العراق وسورية، ويخلق الذرائع الاستفزازية للأعمال الإرهابية متذرعا بحرية التعبير فكما يطبق قانون معاداة السامية لمنع استفزاز إسرائيل واليهود عليه أن يفعل الشيء ذاته بالنسبة للأديان والأمم الأخرى فالحرب على الإرهاب يجب أن تكون واحدة شاملة متكاملة عملا بمبدأ الأمن الدولي الشامل المتكامل فالتجزئة والتصنيف بين إرهاب مسموح به وإرهاب ممنوع هو نفاق يرتد على أصحابه ويلا وخسارة. وبالتالي على الغرب أن يتوقف عن دعم الإرهاب ويسارع إلى التنسيق بصدق وجدية مع من يحاربه فعليا كما تفعل سورية والعراق اليوم.

و أخيرا و من غير تورية أو حجب للحقائق يجب أن ندرك بأن المستفيد الرئيسي من الإرهاب عامة و من الجرائم التي يرتكبها الإرهابيون في المنطقة هنا و في الغرب بخاصة هي إسرائيل التي قامت في الأصل على قاعدة الإرهاب الذي ارتكبته عصاباتها و اعتمدت النفس العنصري في سياستها ، و التي ستكون سعيدة جدا بالنزعة العنصرية التي تتصاعد ضد العرب و المسلمين في أروبا ،كما هي سعيدة لما ينزله الإرهاب في سورية و العراق من خسائر و بخلاف ذلك فأن المتضرر الأول من الإرهاب هو الإسلام كدين ، و المسلمون و والعرب كأمة و أفراد ، دون أن نسقط الضرر الكبير الذي يلحق بأروبا دولا و شعوبا و مجتمعات اذا تفشر الإرهاب لديهم و هنا يطرح السؤال :هل تجتمع كلمة المتضررين جميعا لمحاربة الإرهاب بشكل جدي ، دون أن تكون حربا استعراضية خادعة كما هو حال ما تقوم به أميركا مع تحالفها الدولي ضد داعش ؟

الثورة – دمشق – 12\1\2015

 

شكل قطاع غزة نقطة خلاف بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة، كلٌ يدعي أنه صاحب الحق الحصري في العمل داخله، وأنه يدخل ضمن صلاحياته الفنية والعملية، وأنه المخول دون غيره بالتغلغل فيه، واختراق نسيجه، وبث عملائه، وتشغيل جواسيسه والاتصال بهم، والحصول منهم على المعلومات المطلوبة، وتزويد الجهات الأخرى بحاجتها وما يلزمها، وفق تنسيقٍ محكمٍ، وضوابط واضحة، لا تسمح بالتداخل ولا بالازدواجية، ولا تؤدي إلى كشف العملاء وفضحهم، أو اضطراب العمل وتعطل الأدوات والآليات.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الثلاثة ترفض التسليم لبعضها بالحق الحصري، وتصر على العمل في القطاع وكأنه ميدان سباقٍ وتنافس، وساحة عملٍ وكسب، وأنها أرضٌ بلا وصفٍ قانوني، ومناطق غير معرفة دولياً، فهي ليست محتلة وليست جزءاً من الكيان، ولا هي دولة ذات سيادة ولا هي أرضٌ حرة تخضع للقوانين الدولية، وهي لا تملك جيشاً ولكن عندها عقيدة الجيش وآليات عمله، ولهذا فهي تنطلق في نظرتها لاحتكار العمل فيه واعتقادها بالتخصص دون غيرها من اعتباراتٍ سياسية، وقواعد فقهية وقانونية، وترى كلٌ منها أنها تعمل بموجبها، وتطبق القانون الإسرائيلي بمقتضاها.

الموساد الإسرائيلي وهو جهاز الاستخبارات الخارجية، والذراع الأمني الإسرائيلي الطويل الذي يعمل خارج حدود الكيان الصهيوني، ويشرف على اختراق الدول والتجسس على الحكومات، ويزرع العملاء الدوليين ويوظف الجواسيس الكبار، ويتنصت على مكالمات الدول، ويتابع سياستها الرسمية، ويقوم بتنفيذ مهامٍ أمنية في الساحات الخارجية، يرى أن قطاع غزة ساحةً خارجية، وأنه كيانٌ معادي، بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية اعتباره كياناً معادياً بعد انسحابها الأحادي الجانب منه، إذ شرعت منذ ذلك الحين بالتعامل معه على أنه كيانٌ كامل، تشرف عليه حكومة وتدير شؤونه سلطة، وله حدوده وعليه التزامات، وتفصله عنه بواباتٌ ومعابر، ويلزم الدخول منه إلى الكيان تأشيراتُ دخولٍ مسبقة، وموافقاتٌ أمنية منسقة، لهذا فهو يرى أن القطاع ساحته، وهو ملعبه، وعلى الجميع احترام تخصصه.

أما الشين بيت وهو جهاز الأمن الداخلي الذي يشرف على الأمن العام داخل حدود الكيان الصهيوني كله، فإنه يعتبر أن قطاع غزة يدخل ضمن صلاحياته، وأنه لم ينسلخ أمنياً عن كيانه، وأنه ما زال يرتبط به عضوياً وأمنياً وسياسياً، وأنه يشكل ساحةً داخلية، لا تنفصل عن المركز ولا تبتعد عنه، وأن القرار السياسي الذي أصدرته حكومته بأنه كيانٌ معادي لم يكن إلا شعاراً أو أملاً ورغبة، إلا أن الحقائق على الأرض ما زالت تشير إلى أن قطاع غزة يتبع أمنياً الأمن الداخلي، ويدخل ضمن صلاحيات الشين بيت، الذي لا يشك للحظةٍ واحدةٍ أنه قد خرج عن دائرة صلاحياته، أو أنه لا يخضع لسلطاته، فهو الذي يزرع فيه العملاء ويتصل بهم، ويجمع منهم المعلومات، ويصدر إليهم الأوامر، ويكلفهم بالمهام الأمنية الداخلية.

أما جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، الذي يتبع قيادة الأركان الإسرائيلية، ويشرف على عمله رئيس الأركان ووزير الدفاع، فإنه يرى بالاستناد إلى تدخلات الجيش الإسرائيلي وعملياته اليومية داخل القطاع، التي تبدو أنها عملياتٌ موضعية، تعالج قضايا آنية، وتتدخل حسب الحدث ووفق الظرف، بناءً على قراراتٍ واضحة من رئاسة الأركان، وقائد المنطقة الجنوبية وفقاً للتقسيمات العسكرية الإسرائيلية، التي تقسم فلسطين المحتلة إلى ثلاثة مناطق عسكرية، هي الجنوبية والشمالية والوسطى، حيث يتبع قطاع غزة المنطقة الجنوبية، فإنه يرى أن قطاع غزة يتبع تخصصاته، ويدخل ضمن صلاحياته، إذ يوجد في قطاع غزة جيشٌ معادي مقاتل، ويمتلك أسلحةً خطيرة، وعنده امكانياتُ جيشٍ كبيرة، الأمر الذي يوجب مواجهته بجيشٍ آخر، يوازيه ويماثله، ويصده ويمتعه.

مازالت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الثلاثة متضاربة ومتنازعة، وتشهد تنافساً وتصادماً، وتعاني من الاضطراب والتناقض، رغم مساعي وزير الأمن الإسرائيلي المستقيل يتسحاق أهرونوفيتش للتوفيق والتنسيق بينها، وتوزيع العمل وتحديد الصلاحيات بينها في القطاع، ورسم الأولويات وبسط الأخطار، لئلا يضرب العمل الأمني فيه، نظراً للسطوة الكبيرة التي تمارسها حركة حماس، وهي السلطة الفعلية في قطاع غزة، على الشبكات الأمنية العاملة فيه لصالح المخابرات الإسرائيلية.

حيث استطاعت أجهزة أمن حماس أن توجه ضرباتٍ موجعة إلى الشبكات القديمة والجديدة التي شكلتها أجهزة المخابرات، وعملت سنين طويلة على تنظيم عملها وتطويره، واستفادت من جهودها كثيراً، وأحبطت بواسطتها الكثير من العمليات، وتمكنت من الوصول إلى الكثير من الأسرار التي ساعدتها على تصفية الخطرين واعتقال المطلوبين.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الثلاثة ترى أن عملها في السنوات الأخيرة قد شل إلى درجة كبيرة، ولم يعد مجدياً كثيراً، نتيجة للملاحقات الأمنية الحثيثة والجادة التي تمارسها أجهزة أمن حماس، التي استطاعت تفكيك أغلب المجموعات، وكشفت الكثير من الخطوط، فضلاً عن قيامها بمحاكمة وإعدام العشرات من المتعاونين مع المخابرات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع بالعديد من العملاء إلى تسليم أنفسهم خوفاً من المصير الذي ينتظرهم، وتسليم ما لديهم من المعلومات طمعاً في العفو والنجاة، والكف عن التعاون مع الجانب الإسرائيلي وإعلان التوبة والبراءة منه، الأمر الذي عقد وصعب توظيف عملاء جدد.

بل إن بعض العملاء قد أضروا بالمخابرات الإسرائيلية عندما قاموا بكشف آليات عمل المخابرات، وفضح عملائها، وتسليم أدواتها، بعد أن اعترفوا بكل المعلومات التي قاموا بتقديمها إلى الجانب الإسرائيلي، إذ شعر هؤلاء العملاء أنهم إن سلموا أنفسهم، وتعاونوا مع أجهزة أمن حماس، مستفيدين من إعلانات البراءة والتوبة، فإنهم قد ينجون من الإعدامات الميدانية، أو تلك التي تتم بموجب محاكماتٍ رسمية، وقد اعترف العديد من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، في معرض دعوتهم إلى وقف حالة التنافس بين الأجهزة الأمنية، وضرورة التنسيق فيما بينها، لتطوير عملها، والنهوض بمستواها، والعودة إلى ماضيها الناجح، أن أيديهم قد كفت، وأن عيونهم قد فقأت، وأن ذراعهم الأمني الطويل في قطاع غزة قد قطع، وأنهم باتوا يتوقعون الخطر من غزة كل يومٍ، بعد أن غاب الحراس، وسكنت الأجراس عن الدق.

باريس. حداد وطني يمر على فرنسا منذ العمليات الارهابية الاسبوع الماضي. المشهد فريد من نوعه. كنت في نيويورك غداة عمليات ايلول 2001. هذا كان مشابها ولكنه مختلف؛ غطيت حدادنا على اغتيال رابين في 1995. هذا كان مشابها ولكنه مختلف. لقد صدم الامريكيون حتى أعماق روحهم عندما اكتشفوا بانهم غير محصنين من الارهاب. البرجان التوأمان، رمز القوة الامريكية، انهارا امام ناظريهم. لقد خرجوا للانتقام بالدم والنار: ضد بن لادن، طالبان، صدام حسين. وامتلأت المدن الكبرى في أمريكا بجنود الحرس الوطني بكل عتادهم. وقد بدوا وكأنهم في أرض محتلة.

اما الاسرائيليون فقد اختاروا عن أي رابين يريدون ان يقيموا الحداد ـ كل واحد وأفكاره، كل واحد وحزبه. وسرعان ما تحول الغضب إلى بكاء، والنار الكبرى ـ إلى شموع.

أما الفرنسيون فيحدون بشكل مختلف. امس اجتمع العشرات ـ وربما المئات ـ في مظاهرة عفوية في الميادين في المدن الفرنسية. كان تواجد مكثف في الاماكن العامة لرجال الدرك، ولكن باريس واصلت تعيش حياتها. وهي لم تحتل.

الالاف جاءوا لكل الميادين. صمتوا على مدى ساعة وذهبوا إلى البيوت. والحداد سيبلغ ذروته اليوم في المظاهرة في باريس، التي يفترض بها أن تكون اكبر المظاهرات التي تشهدها فرنسا. اكبر من مظاهرات الطلاب في 1968، أكبر من المظاهرة التي سجلت الانتصار على المانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، أكبر من الانقضاض على سجن الباستيل في 1789، والذي بشر بالثورة الفرنسية. وليس صدفة أن اختارت الحكومة الفرنسية بدء المظاهرة اليوم في ميدان الباستيل.

في هذه المرحلة هم يحدون بوقفة صمت. لا يبكون، لا يحتجون، فقط يرفعون يافطات تحمل اسماء المغدورين مضافا اليها كلمة «أنا». تحدثت امس مع موظف كبير في الحكومة الفرنسية، شخص يتابع عن كثب مواجهة فرنسا مع الارهاب. طلبت أن يشرح لي ـ أنا الضيف للحظة ـ رد فعل أبناء شعبه. قال: «هم مصدومون. ما أذهلني هو حجم التضامن، عمق المشاعر. فهذا ليس الـ 17 الذين قتلوا، بل القيم التي قتلت، المسلمات التي تبنى عليها الحياة هنا. معظم الفرنسيين لم يقرأوا أبدا المجلة الساخرة «شارلي ايبدو» مشكوك أن يكونوا سمعوا عنها، ولكن القتل اصاب اصابة قاتلة الثقة التي لهم بنمط حياتهم. انت تعرف جيدا، قلت، الطريقة التي رد فيها الاسرائيليون على عمليات الارهاب. ما الفرق؟

قال: «فارقان. وكلاهما يجعلان العمليات في فرنسا أخطر. في اسرائيل ارهاب الانتحاريين كان أعمى: هاجم دون تمييز؛ الهجمات على الصحيفة وعلى السوبرماركت اليهودي كانت مقصودة. والاساس: انتم واجهتم الارهاب الذي جاء من الخارج؛ هذا صحيح ايضا بالنسبة للامريكيين؛ أما الارهاب في فرنسا فجاء من الداخل. المنفذون هم مواطنون فرنسيون، ولدوا أو تربوا هنا، يتكلمون الفرنسية النقية، وهم جزء من المجتمع الفرنسي. هذا صعب. عندما يستيقظ الفرنسيون من الصدمة سيسألون كيف ربيناهم؛ بعض منهم سيطالب بالفصل على اساس ديني او عرقي ـ اخراج المسلمين من المجتمع الفرنسي. وهذه ستكون فرنسا أخرى». هذه الجمل بحاجة إلى ايضاح. فرنسا تؤمن بتفوق ثقافتها، بقدسية اللغة الفرنسية، بعدالة العلمانية الفرنسية. في كل دولة حكمتها فرنسا فرضت ثقافتها على السكان المحليين. من هاجر إلى فرنسا كان يمكنه أن يصبح فرنسيا عاديا فقط اذا ما اتقن اللغة، الثقافة، التاريخ الفرنسي. لقد آمن الفرنسيون ـ مثل آباء حركة العمل عندنا ـ بأتون الصهر. تعدد الثقافات، الذي اصبح موضة في أمريكا، غريب عليهم. ليست لديهم صعوبة في منع النساء من اعتمار الحجاب، والشعور بانهم تقدميون وليبراليون. المسلمون يعدون اليوم نحو 8 في المئة من السكان، ومعدلهم يزداد من سنة إلى سنة. قسم كبير منهم يرفض ان يستوعب الثقافة الفرنسية؛ القيم العلمانية غير مقبولة من جانبه. وهو مظلوم اقتصاديا واجتماعيا. في الهوامش تجده يدمن الأصولي والارهاب.

هل ستتمكن فرنسا من أن تبقى فرنسا؟ هذا هو السؤال الذي يزعج الكثير من الفرنسيين اليوم. فهل هذا يشرح حجم الحداد الوطني؟ اليهود هم لاعب فرعي في هذه القصة. لا يحد الفرنسيون على اربعة يهود قتلى، بل يحدون على أنفسهم.

لليهود مكان يذهبون إليه

في كنس عديدة في باريس لم تجر أمس صلوات السبت. فقد ألم الخوف بالمصلين. وعلى مسافة اقل من مئتي متر من السوبرماركت الذي تعرض للاعتداء تعمل ثلاثة كنس: واحد مغربي، واسمه «هتكفا» (الأمل)، واحد سفرادي (شرقي) وواحد اشكنازي (غربي). وقررت الكنس الثلاثة بانها لن تستسلم للارهاب، والصلوات ستجري كالمعتاد. رجال الدرك، الشرطة ـ الجنود مثل حرس الحدود عندنا، أغلقوا قاطع الشارع بشريط أحمر ـ أبيض، مثلما في ساحة عملية. وقد كانوا مسلحين بالبنادق. رجال الامن الذين استأجرتهم الطائفة استعرضوا تواجدهم. كل حركة في الشارع كانت تجعلهم يقفزون.

حاييم، شماس الكنيس المغربي، بكر في المجيء. المبنى، الذي يشكل ايضا مدرسة يهودية، كان مظلما. وقد طلب من أحد افراد الشرطة أن يكون بالنسبة له غريبا يساعده في اشعال الاضواء في يوم السبت. لم يفهم الشرطي الامر. ولكنه ضغط دون صعوبة على كل الازرار. وفي الساعة المعدة لصلاة الفجر يوم السبت كان تواجد الجمهور طفيفا. في الكنيس الاشكنازي كان تسعة مصلين فقط. تطوعت لان أكون العاشر في العدد، حتى مجيء التعزيزات. ولكن في غضون ساعة كانت القاعة مليئة. «في السبت العادي يلعب الاولاد في الشارع»، قال أحد المصلين. «الان محظور. هذا لم يعد نفس الشيء».

«انا لا اخاف»، هتف احد المصلين في الشارع. اما مصل آخر فقال بهدوء: «خفت وتغلبت».

«كانت معجزة كبرى»، قال حاييم بيبي، أب لخمسة، والسادس على الطريق. منذ أن تاب بيبي وهو يؤمن بالمعجزات. له عينان زرقاوان بريئتان وجسم كبير، دُبي. اي معجزة هذه، سألته، حين يموت الأبرياء. «تخيل أن يصل المخربون إلى المدرسة اليهودية»، قال. «كانوا سيقتلون مئتي طفل. هناك فوق احد ما يحرص علينا».

بكّر في الوصول إلى الصلاة صاحب البقالة التي تقع خلف السوبرماركت الذي تعرض للاعتداء. وهو من مواليد المغرب. «هناك مسلمون وهناك مسلمون آخرون»، يقول. «المغاربة على ما يرام. يقدمون لنا الاحترام. التونسيون هم ايضا على ما يرام. اما الجزائريون فمشكلة كبيرة. يعتقدون أن فرنسا تعود لهم».

وقال: «نحن اليهود يوجد لنا مكان نذهب اليه. فالى اين سيذهب المسلمون، هل سيعودون إلى الجزائر؟».

عرضت عليه السؤال المتوقع جدا. «الهجرة إلى البلاد صعبة»، قال. «الاعمال هنا. ولكني اشتريت شقة في نتانيا».

ذات السؤال طرح في حديث مع الحاخام كابيتس، احد الحاخامين البارزين في الطوائل السفرادية – الشرقية. جوابه كان مظفرا: «الى اسرائيل يهاجر المرء. إلى اسرائيل لا يهرب».

في كل حديث طرح السؤال لماذا تسمح الحكومة للمسلمين الذين سافروا إلى العراق، إلى سوريا او إلى اليمن العودة إلى فرنسا. يوجد 1.200 مواطن فرنسي كان لهم اتصال ما مع منظمات ارهابة اسلامية. بعضهم لم يعد إلى فرنسا. البعض الآخر عاد وبدأ حياة جديدة. فقط قلة صغيرة تجندت للعمل في فرنسا بتكليف من المنظمة أو بتكليف ذاتي. القانون الفرنسي لا يسمح للحكومة بان ترفض ادخالهم إلى فرنسا. يمكن ان تطرد فقط اولئك الذين ليس لهم جنسية.

ولكن هذا لا يهم اليهود في الكنس. فهم غاضبون على ما يفسرونه كانهزامية من اليسار. «الافضل هي ماريت لوبان»، قال مصل عجوز في الكنيس الاشكنازي. ولكن أباها ينكر الكارثة، احتججت. الرجل، ناج من الكارثة هز كتفيه. «كان هذا قبل أربعين سنة»، قال. «ما يهمني هو الغد».

اسرائيل ليست جزءا من القصة

في اسرائيل ينظفون ساحة العملية كلها في غضون ساعة. والعجلة هي جزء من المواجهة، رفض الاسرائيليين الغرق في الكرب. اما في فرنسا فلا يسرعون. المحلات في المبنى مغلقة، السيارات في مواقفها مركونة، على الرصيف عبر الطريق تتراكم الورود المغلفة بالسولفان. نساء ورجال يتوجهون عن قصد تام نحو الكومة، ويضعون وردة. هذا جميل جدا، حزن جدا ويائس.

مراسلة «يديعوت احرونوت» في باريس ليئور زلبرشتاين وأنا نسمع شهادات الناجين. شابان يدخنان السجائر خارج السوبرماركت لاحظا المخربين واستدعيا الشرطة. وهما يقفان لساعات قرب ساحة العملية، ولا يعرفان روحيهما. عينا أحدهما حمروان والثاني متوتر. وهما لا يريدان أن يبقيا هناك ولا يمكنهما أن يذهبا.

قبل المساء التأمت امام السوبرماركت مظهرة، وللدقة وردية حداد. ومنحت المنظمات اليهودية المظاهرة رعايتها، ووصل الالاف في البرد وفي المطر. اسماء القتلى مكتوبة على اليافطات. «انا يوهن كوهين»، «انا يهودي»، «انا الجمهورية»، «قتلوني لأني يهودي»، ومن حين إلى حين حاولت مجموعة في الجمهور انشاد المارسييز، النشيد الوطني. الجمهور لم ينجرف وراءه. واحد آخر حاول «هتكفا». وبقي وحده.

في هوامش المظاهرة برز خلاف بين شاب يهودي يميني وامرأة يهودية يسارية. فقد طلب قتل المسلمين، طردهم، اعتقالهم، وهي أهانته. فصرخ. وصرخت. بعد ذلك انضمت أمرأة صرخت: المشكلة هي أنهم لا يفعلون شيئا. نحن نُقتل وهم لا يهمهم.

«هم مجانين»، قالت المرأة اليسارية. «هم بصعوبة مئتي شخص، ولكنهم يتصرفون وكأنهم الأغلبية».

«هل لاحظت انه لا توجد أعلام في المظاهرة»، قال لي، «لا أعلام فرنسا ولا أعلام اسرائيل».

حقا لماذا؟ سألت.

«إسرائيل ليست جزءا من القصة»، قالت.

رويت لها أن نتنياهو، ليبرمان وبينيت سيأتون للمظاهرة اليوم. «انت تضحك علي»، قالت. «ما هو شأنهم».

يديعوت