Get Adobe Flash player

التكّهن بما يحدث في مغاور القلمون وكهوف جباله أمر شبه مستحيل. والأخبار المتقطعة الواردة من هناك لا تكفي لرسم صورة واضحة عن حقيقة ما تختزنه تلك المغاور والكهوف من أسرار وخفايا، قد تتحول في أي لحظة إلى كرات من نار تتدحرج إلى الجرود المحيطة بها مهددة بإشعال الحرائق.

ورغم أن مدينة عرسال وجرودها نالت من لفح نيران تلك الكرات، حتى الآن، الحظ الوفير، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنها اكتسبت مناعة من الحروق، أو أن كرات النار المتدحرجة نحوها قد انتهت.

خبران مفاجئان برزا خلال اليومين الماضيَين، شكّلا خرقًا نوعيًّا لسياق الأحداث المعتادة في المنطقة الممتدة من القلمون السورية إلى عرسال اللبنانية، واتخذ هذا الخرق، في المرحلة الأخيرة، طابع المواجهة بين الجيش اللبناني و«حزب الله» من جهة، و«جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـــ «داعش» من جهة أخرى، فيما الجديد والمفاجئ دخول عناصر أخرى على خط المواجهات الدائرة، وهو ما قد يزيد من تعقيد الأوضاع في المنطقة، ويؤدي بها إلى الانزلاق نحو منعطفات أشد خطورة.

الخبر الأول، ما أعلنه قائد «جيش الإسلام» زهران علوش، عبر حسابه على «تويتر»، من أن مسلحيه نفذوا «الهجوم المعاكس الأول في عرسال»، حيث «كمن أبطال جيش الإسلام للدواعش الذين اقتحموا مقرهم، فقتلوا وجرحوا ثلاثة واقتلعوا عين الرابع».

وهذه المرة الأولى التي يعلن فيها «جيش الإسلام»، بشكل رسمي، عن تواجده خارج الأراضي السورية، وأنه يمتلك مقارَّ داخل مدينة عرسال. كما أنها المرة الأولى التي يعلن فيها عن قيام هذا التنظيم، المعروف بارتباطاته السعودية، بنشاط عسكري وراء الحدود السورية. والأهم أن كلام علوش يشير إلى أن هذا الهجوم له ما بعده، وأن المعركة التي يخوضها ضد تمدد «الدولة الإسلامية» في الغوطة والقلمون قد انتقلت بالفعل إلى داخل الأراضي اللبنانية. وهذا تطور خطير وغير مسبوق منذ بداية الأزمة السورية.

والغريب أن زهران علوش، الذي هدد مجدَّدًا أمس، باستهداف دمشق بالصواريخ اليوم، بحجة الرد على قصف الغوطة، ادّعى بأن هجومه في عرسال جاء ردًّا على اقتحام عناصر من «الدولة الإسلامية» لأحد مقاره، وهو ما لم ترد أي معلومات بخصوصه من قبل. فهل يعني هذا أن حربًا سرية كانت تدور بين الطرفَين على أرض عرسال، وقرر علوش إخراجها إلى العلن؟ وهل كان التفجير الذي حصل، قبل حوالي عشرة أيام، في مكتب أمني تابع لـ «داعش» في عرسال من ضمن مجريات هذه الحرب، أم أن هناك أطرافًا أخرى لم تقرر بعد إظهار وجهها؟

الجدير بالذكر، أن إعلان علوش شكل مفاجأة للعديد من النشطاء المعروفين بمتابعة أخبار القلمون، وأجمع عدد منهم على استغرابهم هذا الإعلان، مشيرين إلى أنه لم تكن لديهم معلومات عن وجود «جيش الإسلام» في عرسال.

يذكر أن «جيش الإسلام» كان قد اتخذ موقفًا معارضًا للهجوم الذي شنته الفصائل المسلحة في آب الماضي على عرسال، ورأى فيه خدمة لأجندة «حزب الله» الذي يسعى، بحسب بيان أصدره قائده في القلمون الغربي أبو خالد، إلى اقتحام جرود القلمون. فهل هذه هي الأسباب الحقيقية لاعتراض «جيش الإسلام» آنذاك على الهجوم، أم أنه كان يخشى على المقار التي أسسها في المدينة من سيطرة «داعش»؟

أما الخبر الثاني، فقد أورده حساب أبو مصعب حفيد البغدادي، الذي يعتبر أحد إعلاميي «داعش» في القلمون الغربي، على «تويتر»، إذ أكد أن «الجيش الحر» اعتقل، قبل أيام، أمير «جبهة النصرة» في القلمون أبو مالك التلي ومعه عدد من «الشرعيين»، في أعقاب مشاجرة حدثت بين الطرفَين، مشيرًا إلى إطلاق سراح الجميع بعد ذلك.

واطلق حفيد البغدادي «هاشتاغ» بعنوان «الجيش الحر اعتقل أبو مالك التلي»، لكنه لم يلقَ تفاعلًا على موقع التواصل الاجتماعي. ولا توجد معطيات من شأنها تأكيد أو نفي هذا الخبر، مع عدم إغفال فرضية أن يكون أحد أساليب الحرب الإعلامية التي يشنها الطرفان ضد بعضهما البعض.

لكن الأهم من صحة هذا الخبر بالذات هو أنه جاء في سياق هجوم عنيف شنّه «إعلاميو داعش» على «جبهة النصرة» عمومًا، وعلى زعيمها في القلمون خصوصًا، وهو ما يشير إلى استمرار حالة التوتر والاحتقان بين الطرفَين، خلافًا لما تروج له بعض التقارير من حدوث تقارب بينهما بعد الهزة العنيفة التي أحدثها تبادل بيانات التكفير والغلو مؤخرًا، على خلفية تعيين شرعي جديد لـ «داعش» هو أبو الوليد المقدسي. وبدا حفيد البغدادي جازمًا عندما قال: «لا توحيد مع أعداء التوحيد، جبهة (زعيم داعش أبو بكر) الجولاني لا دين لها».

وإذا كان احتمال تدهور الأوضاع بين «جبهة النصرة» و «داعش» في القلمون قائمًا ومأخوذًا بالاعتبار منذ أشهر عدة، إلا أن دخول «جيش الإسلام» على الخط وإعلانه المفاجئ عن تواجده في عرسال، وافتتاحه لعهد الصراع مع «الدولة الإسلامية» فيها، شكلت تطورا غير متوقع، وهو ما من شأنه أن يوسع دائرة الاحتمالات الخطرة التي يمكن أن تتطور إليها الأحداث في القلمون وجارته عرسال.

(السفير)

 

هارونا يوكاوا... كينجي غوتو... جيمس فولي... ستيفن سوتلوف... وصولا إلى معاذ الكساسبة.

لم يقتلهم «الهلال الشيعي» الذي حذر الملك الاردني عبدالله الثاني من خطره قبل اكثر من عشرة اعوام، ولم يندم على قوله هذا ويستغفر الله. قتلهم كما مئات الآلاف غيرهم، «هلال الإرهاب» الممتد من قندهار الافغانية الى ما هو ابعد من بنغازي الليبية.

لا بد أن الخبر نزل كالصاعقة على الملك وهو يقوم بزيارة الى واشنطن. إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة وبهذه الطريقة رسالة واضحة ومحرجة، ومن الطبيعي أن يلوّح «هذا النظام» بردّ «مزلزل»، ما إن انتشر فيديو القتل حرقا.

الجريمة بشعة لا شك. ومن حق الملك أن يشعر بالقلق. الأردنيون عموماً، في صدمة. الا أن المثير لقلق جلالته أن تياراً لا يستهان به في الشارع، يرى في إعدام الكساسبة «حقاً شرعياً». يترعرع هذا التيار في مؤسسات الدولة والجامعات والاعلام ويتغلغل في احياء المدن والمناطق العشائرية والحضرية.

يغازله النظام الهاشمي مرات، ويقسو عليه مرات اخرى. وأمام ناظريه طوال الاعوام الأربعة الماضية، اطلق خطباء مساجد ورجال دين وسياسيون دعوات علنية تؤيد «الجهاد التكفيري» في سوريا. القدس على مرمى حجر منهم، لكن دمشق أولى بدعواتهم. انفصام التيار التكفيري، واضح، ولكن المشكلة أن جلالة الملك بدا كأنه ينظر اليه على انه حيوية شعبية ايجابية تلائم ازدواجيته الفاقعة في الشأن السوري.

هذه هي الحقيقة المرّة التي يجب على الملك المفجوع ان يعترف بها، والأهم ان يدركها الاردنيون تماما. «هذا النظام» انخرط بلعبة منحرفة، تغاضت ودرّبت وسهّلت تسليح مقاتلين هم رفاق سلاح للذين احرقوا الكساسبة حياً، ولو اصدر بعض «شيوخهم» بيانات الاستنكار الآن.

فكر «داعش» مترعرع في بيئة مملكة عبدالله. وهو ظن لفترة طويلة انه ذاهب للصلاة ايضا الى جانب رجب طيب اردوغان في الجامع الاموي في دمشق... وليس في القدس!

المشهد محزن لا شك. الكساسبة اسيراً ووحيداً في قفص إعدامه بين مجموعة من الوحوش البشرية، هم في جانب أساسي نتاج اللعبة المزدوجة للنظام الأردني واستخباراته والحليف الاميركي وغرفة العمليات العسكرية السعودية هناك ومحاولة اختراق الجبهة الجنوبية نحو العاصمة السورية. (وبالمناسبة، ألم يكن بندر بن سلطان حاضرا في مشهد الاعدام بالامس؟).

لكن النقطة الأساس ليست هنا فقط. كم «كساسبة سوري» نجهل اسمه كهؤلاء المذبوحين على ايدي «داعش وأخواته»؟ كم «كساسبة سوري» سقط في الأعوام الأربعة الماضية، ولم يتصدر مانشيت صحيفة ولا عناوين المحطات التلفزيونية، وباستمتاع شاهدوا ذبحه على أنه من عناوين البطولة والملحمة الثورية في الطريق الى خراب سوريا؟!

(السفير)

 

مجدّداً يعود سعر مزيج نفط برنت إلى الارتفاع، من 49 دولاراً للبرميل قبل أسبوعين، إلى أكثر من 56 دولاراً عند كتابة هذه السطور، بفعل المضاربة في الأسواق الآجلة، أي بفعل المراهنة على الاتجاهات المستقبلية لتقلبات السعر المنفصلة عن العرض والطلب المباشرين للنفط، بمعنى أن من يشتري العقد الآجل لا ينوي في الأعم الأغلب تسلّم أو تسليم برميل النفط الذي اشتراه أو باعه، إذ يبيع العقد في البورصة قبل حلول موعد الوفاء به. وكانت سيطرة رأس المال المالي على رأس المال الحقيقي أو المادي، المتجسد في المنشآت الإنتاجية الحقيقية مثل المصانع والمزارع وغيرها، ما دفع العالِم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز إلى الكتابة عام 1936: «عندما يصبح التطور الرأسمالي لبلدٍ ما إنتاجاً فرعياً لنشاطات كازينو، فمن المرجح أن تنفذ المهمة على نحو رديء». لكننا لا نتحدث هنا عن التطور الرأسمالي لبلد واحد، بل عن سعر النفط والطاقة، أي عن العلاقات الدولية والتوازنات الجيو ـ سياسية في الساحات الإقليمية.

رب قائلٍ إن رأس المال المالي الذي يتلاعب بسعر النفط وغيره في الأسواق الآجلة إنما يبيع ويشتري بدافع الربح، لا بدافع سياسي أو استراتيجي أو شخصي، وهي المقولة التي تلقَن لطلاب الاقتصاد والمالية منذ السنة الجامعية الأولى. غير أن ما قد يصح عند تناول المضارِب بالعقود الآجلة كفرد لا يمكن أن يصح لدى تناوله كفئة اجتماعية مدركة لذاتها ولمصالحها على نحو ما تتجسد في تنظيماتها ومؤتمراتها العديدة مثل منتدى دافوس مثلاً، ناهيك عن العلاقة العضوية بين تلك الفئة والدولة العميقة في بلدان الـG-7. وإذا كان بعض النواب في الكونغرس الأميركي طالبوا بالتحقيق في دور المضاربين في رفع أسعار النفط عندما كانت على ارتفاع، من دون نتائج تذكر، فإن مجلات المال والأعمال الأميركية تحفل اليوم بمطالبات تهكمية لأولئك النواب بأن يعتذروا ويقدموا الشكر إلى المضاربين الذين ساهموا في الفترة الأخيرة في خفض سعر النفط، في أعداد مجلة «بيزنس ويك» مثلاً. والخلاف يبقى فحسب على ما إذا كان المضاربون ساهموا في انهيار سعر النفط الذي قد يكون انهار بسبب عوامل أخرى، بالإضافة إلى المضاربة بالعقود الآجلة…

ليس الحديث هنا عن التذبذب قصير المدى في السعر. ارتفعت أسعار النفط قليلاً في الأيام الأخيرة بسبب نشر بيانات تظهر انخفاض مشاريع حفر الآبار في الولايات المتحدة، ما يوحي انخفاض العرض، وانخفضت بسبب بيانات أخرى من الصين تظهر أن مشتريات مديري المصانع من المواد الخام والسلع الوسيطة انخفضت، ما يوحي انخفاض الطلب الصيني على النفط. يدور الحديث في الواقع عن العوامل التي تسببت بالانهيار العظيم في سعر النفط، بمستوى 60 في المئة، خلال الأشهر الأخيرة. ولعل أحد هذه العوامل، التي لا يمكن لأحد أن يزعم أنها منفصلة تماماً عن القرار السياسي، هي قرار الاحتياطي الفدرالي، أي البنك المركزي الأميركي، الشروع في رفع أسعار الفائدة.

نظرياً، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية إلى جعل العائد على الإيداعات بالدولار أكبر من العائد على الإيداعات بالعملات الأخرى، ما يتسبّب بالهجرة نحو الدولار الأميركي، فيزداد الطلب عليه، ويؤدي إلى رفع سعره إزاء العملات الأخرى، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، فما بالك إذا كان متوقعاً أن تقوم البنوك المركزية الأوروبية واليابانية بخفض سعر الفائدة لديها لمحاربة الركود الاقتصادية؟!

حصل ارتفاع الدولار بسبب انخفاض أسعار الفائدة في أوروبا واليابان أولاً مقارنة بأميركا، ثم بسبب انخفاض العجز في الحساب الجاري الأميركي بسبب انخفاض مشتريات النفط من الخارج. ثم كان الإعلان عن نية رفع أسعار الفائدة الأميركية بذريعة انتهاء آثار الأزمة المالية الدولية عام 2008 ونشوء خطر التضخم، مع أن أرقام الفصل الرابع من العام 2014 أشارت إلى أن الاقتصاد الأميركي لم ينمُ أكثر من 2،6 في المئة، وهي نسبة نمو لا تعتبر مرتفعة، ولا تدعو إلى الخوف من التضخم. وقد دفعت الأرقام الأخيرة الاحتياطي الفدرالي إلى التريّث في رفع الفائدة في اجتماعه الأخير، لكن التوقع نفسه دفع إلى المضاربة على الدولار في الأسواق الآجلة، ما ساهم في ارتفاع الدولار، فالبورصة تحركها المضاربة على التوقعات.

هذا ما حدث في الفترة الأخيرة، إذ ارتفع الدولار من 1،39 مقابل اليورو في 6 أيار 2014 إلى 1،11 دولار مقابل اليورو في 25 كانون الثاني 2015، أي أننا بتنا نحتاج إلى كمية أقل من الدولارات لشراء الكمية نفسها من اليورو، فالرقم الأقل يدل على ازدياد القوة الشرائية للدولار. وعاد الدولار إلى الانخفاض قليلاً بعد 25 كانون الثاني من العام الجاري، ليصل إلى 1،14 مقابل اليورو. كذلك انخفضت عدة عملات دولية مقابل الدولار، منها الدولار الكندي والين الياباني والجنيه الاسترليني، وكان الخاسر الأكبر في هذه العملية الروبل الروسي، والرابح الأكبر… الشيكل!

ما يهمنا هنا هو الرابط العضوي بين سعر النفط وسعر الدولار، فالنفط يسعّر بالدولار، والكثير من السلع الدولية الأخرى، وبالتالي يؤدي ازدياد القوة الشرائية للدولار إلى انخفاض سعر برميل النفط بالدولار، وليس بالضرورة إلى انخفاضه بالعملات الأخرى التي تضعف أمام الدولار، كاليورو مثلاً. في المقابل، يؤدي انخفاض سعر الدولار، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، إلى ارتفاع سعر برميل النفط بالدولار، وليس بالضرورة بالعملات الأخرى التي ترتفع مقابل الدولار. ولذلك ليس غريباً أن يعود الدولار الآن إلى الانخفاض في حين يعود برميل النفط إلى الارتفاع. فهل سيعود الدولار إلى الانخفاض، والنفط إلى الارتفاع، على المدى الطويل؟ ليس هذا موضوعنا اليوم، بل إبراز العلاقة العكسية بين سعر النفط وسعر الدولار الذي يتحكم فيه الاحتياطي الفدرالي الأميركي، والأخير، كأعلى سلطة اقتصادية في الولايات المتحدة، لا يمكن أن يكون بعيداً عن الاعتبارات السياسية.

(البناء)

لا تختلف مقاربة الإدارة الأميركية للوضع في سورية عن المقاربة الحالية التي تتضح معالمها يوماً بعد يوم في ما يخصّ الأزمة الأوكرانية. لا شئ يوحي بوجود تغيّر في استراتيجية البيت الأبيض لإدارة الصراع مع الكرملين على مختلف ساحات المواجهة. فالاستنزاف والاحتواء، في ظلّ رفض التدخل العسكري المباشر والنزوع إلى الصدام على الأرض، هما ما يميزان استراتيجية إدارة أوباما الحالية.

قد يحلو للبعض وصف الموقف الحالي للإدارة واستراتيجيتها بأنه ناتج عن ارتباك، وبالتالي فإن المواقف التي تتخذ في هذه المنطقة أو تلك لا تعدو عن كونها محاولة لإدارة التوازنات الأميركية الداخلية. فهل تجري الأمور بهذه الطريقة؟

في مقابلةٍ له مع شبكة «سي إن إن» التلفزيونية الأميركية قال الرئيس الأميركي باراك أوباما: «ليس من الحكمة الدخول مع روسيا في حرب حقيقية… نظراً إلى حجم الجيش الروسي، فضلاً عن أن أوكرانيا ليست عضواً في حلف الناتو… ردّي على من يعرض علينا القيام بعمل أكبر، أننا نستطيع أن نلحق أذىً كبيراً بروسيا وهذا ما نقوم به حالياً».

من الواضح أن الرئيس الأميركي يرفض الانخراط البرّي في أي جبهة من سورية إلى أوكرانيا، اللتين تشكلان ساحات صراع علنيّ مع روسيا. يريد الرئيس الأميركي الاستنزاف المبرمج، والتدمير الذاتي بديلاً عن أي طرحٍ آخر لم ينجح معارضوه طوال سنوات أربع بفرضه في سورية، ولن يحالفهم النجاح حالياً. الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فما قاله الرئيس الأميركي لشبكة «سي إن إن» التلفزيونية جاء مترافقاً مع تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يمهّد لسحب الحالة السورية على تلك الأوكرانية، وإن كان الاختلاف في ردّ الفعل الروسي وحتى ردّ حلف الأطلسي ومصالحه، مختلفةً في أوكرانيا عنه في سورية. إذ تحاول الإدارة الأميركية المنقسمة الاستعاضة عن التدخل المباشر بالدعم التسليحي لمقاتلي حكومة كييف. هنا يحضر مثال إصرار واشنطن على المضي قدماً في خطتها لتدريب «المعارضة» المرتبطة بها في سورية. وفي هذا الإطار تقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية: «تعتزم الولايات المتحدة تزويد القوات الأوكرانية بأسلحة ووسائل دفاعية، فقد طالب ثمانية من كبار المسؤولين الأميركيين السابقين إدارة أوباما بإرسال أسلحة إلى كييف بقيمة ثلاثة مليارات دولار تتضمن طائرات من دون طيار ووسائل تنصّت وأسلحة مضادة للدبابات». وتشير الصحيفة في تقريرها إلى وجود انقسام داخل الإدارة حول هذا الأمر. ففي الوقت الذي أعلن كلّ من وزير الخارجية جون كيري ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي «انفتاحهما على مناقشة هذا الاقتراح»، فإنّ مستشارة الأمن القومي سوزان رايس «متردّدة» في تقديم هذا النوع من المساعدة. وبحسب الناطقة بِاسم مجلس الأمن القومي الأميركي، فإن «كافة الخيارات على الطاولة» على رغم «التركيز على إيجاد حلٍّ من خلال الوسائل الدبلوماسية». وعند هذه النقطة يظهر جلياً تلويح الإدارة الأميركية بإمكانية تفعيل أوراق القوة الميدانية أو الدخول بشكل مباشر على خط محاولة تغيير موازين القوى على الأرض، في سبيل تفعيل أوراق التفاوض مع موسكو. هذه الأخيرة التي تبدو مستعدة لإدارة اللعبة مع واشنطن في أوكرانيا من دون أيّ محرّمات. وهو ما يفسّره التقدّم النوعي الذي حققته القوات الموالية لموسكو في شرق أوكرانيا. وتوسّع القاعدة الشعبية المؤيدة للكرملين في شرق البلاد، إذ تعترف بذلك صحيفة «لوموند» الفرنسية في أحد تقاريرها من دونيتسك قائلةً: «من قرية إلى قرية، عدد المقاتلين الموالين لروسيا يرتفع في أوكرانيا».

عزل روسيا في شرق أوروبا، واستنزافها ما أمكن، سمتان تميّزان استراتيجية البيت الأبيض في مواجهة الكرملين، وهو ما يؤشر إلى ارتفاع منسوب التوتر الذي سينعكس تصعيداً في ساحات الصراع المتشابكة من كييف إلى دمشق.

(البناء)

 

المواجهات الاخيرة التي حدثت مع حزب الله لمن يفضلون النسيان هي تذكير لحقيقة أن حزب الله يمتلك أكثر من مئة الف صاروخ ومقذوف، موجهة نحو اسرائيل وتهدد سكانها من الشمال وحتى الجنوب – وهذا هو التهديد الذي يمكن ان يتحقق في كل لحظة. له يجب ان نضيف بضعة آلاف المقذوفات الموجودة لدى حماس.

هناك من يرغبون في الاعتقاد أن بوسع اسرائيل ردع حزب الله أوحماس، ولكن تجربة الماضي تظهر بأن الردع قضية إشكالية. وعلى الحكومة القادمة أن تتعامل مع هذا الوضع الشاذ.

تستثمر بعض الاحزاب جهودا كبيرة في الحملة الانتخابية هادفة إلى إقناع الجمهور بأن المشكلة الحقيقية لإسرائيل ليست المشكلة الأمنية، بل القضية الاقتصادية – الاجتماعية. وعليه، إسرائيل مثلها مثل أي دولة أخرى، لديها مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية. ولكن، وعلى الرغم من تحقيقها لنجاحات كبيرة في هذين المجالين، فإنها في المجال الأمني – على عكس الدول الأخرى – تقف في مواجهة تهديدات صعبة جداً.

هل علينا أن نذكر، بأن اسرائيل كانت الأقل تضررا إبان الأزمة الإقتصادية العالمية من بين سائر الدول؟ وأنه خلال هذه الأزمة استمر النمو الاقتصادي هنا ولم يكن البنك المركزي مضطراً لصب النقود في الإقتصاد، كما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا ومؤخرا في الاتحاد الاوروبي؟ على النقيض من معظم دول الغرب تستمع اسرائيل منذ سنوات من انعدام بطالة تقريبا شبه كامل؟.

وبالطبع، هناك دائما مكان للتحسين، وأولئك الداعون إلى تطبق النموذج الاشتراكي الديمقراطي في اسرائيل – وليكن ذلك مهما يكون – يدَّعون أن بوسعهم تحقيق تحسينٍ كهذا، ولكن ربما أنهم لا يفهمون كيف يتم إدارة اقتصاد التكنولوجيا العليا. اقتصاد الهاي تك في العالم كله مرتبط بعمال مؤهلين ممن يتلقون اجوراً عالية. في اسرائيل قطاع الهاي تك هو الذي يقود الاقتصاد الاسرائيلي في السنوات الأخيرة وهو السبب الاساسي وراء انعدام المساواة الآخذ في الاتساع في الدولة. هذا ما حدث أيضاً في الولايات المتحدة. المهندسون والعلماء المحليون يتلقون أجورا شبيه بتلك التي يتلقاها نظراؤهم في الولايات المتحدة، وأصحاب العمل يحققون ارباحا بالملايين وربما بالمليارات، حول هؤلاء يعمل الكثير من المحامين، والمحاسبين والمصرفيين، والذين هم بدورهم يتلقون اجورا عملاقة. ان تقليص هذه الفجوات دون قتل الدجاجة التي تبيض ذهبا ليس أمرا يسيرا.

يجب علينا إذن أن نهتم بتوفير الحوافز التي تجعل المبادرين يتقبلون الاغراءات ولا يهربون بمبادراتهم إلى خارج البلاد والاستمرار في تطوير أعمالهم هنا، وبهذا نوفر العمل في كل مستويات التشغيل. «طيبع» و «تشيك – بوينت» هما نموذجان بارزان لشركات أديرت على هذا الشكل. ولشدة الأسف، هما الشركتان الشاذتان.

الرواتب المدفوعة لمدراء البنوك، للمحامين وللمحاسبين هي موضوع مختلف كليا، فقد سبق ان اتخذت خطوات لتخفيض رواتب الموظفين الكبار في الشركات الحكومية لمستويات اكثر معقولية. الفجوات الاقتصادية ستبدأ بالتقلص عندما يتاح لقطاعات واسعة استئجارمهارات مطلوبة في الشركات الحديثة. الجيش الاسرائيلي، وهو المؤسسة التربوية الكبرى في اسرائيل، يؤدي دورا مهما في مواجهة هذا التحدي من خلال التأهيل المهني للجنود في الخدمة النظامية.

القطاع المتدين والسكان العرب، والذين لديهم توجد جيوب الفقر الاساسية لأسباب عديدة، لا يستنفذون حتى النهاية الفرص المتاحة أمامهم من قبل مؤسسات التعليم في إسرائيل. يمكن ملاحظة تقدم في هذا المجال، لكن الطريق لا تزال طويلة. هناك بالطبع حاجة لمساعدة المحتاجين، لكن هذا ليس حلا للمدى الطويل – الأطفال الذين يكبرون في العائلات المحتاجة يجب عليهم ان يأخذوا فرصة اقتناء الادوات التي توصلهم إلى العالم المتقدم.

هآرتس