Get Adobe Flash player

عندما أعلن افيغدور ليبرمان، الحاكم المطلق في «إسرائيل بيتنا» في اللحظة الاخيرة بانه لن ينضم إلى الائتلاف الذي اقامه نتنياهو، فرح اليسار. «ليبرمان أجرى لنتنياهو مدرسة»، هتف بعض من المحللين. ولكن عمليا، على مدى كل حياته السياسية، علمنا ليبرمان جميعنا كيف يوقع الاذى بقدرة الحكم وباستقرار الساحة التي على أي حال تعاني من عدم الاستقرار.

لشدة المفارقة، فان ليبرمان، الذي ادعى على مدى السنين بانه مع تحسين قدرة الحكم، حاول الان احباط قدرة الحكم للائتلاف الذي اقامه نتنياهو. ولو كان سبب قراره عدم الانضمام إلى الائتلاف ايديولوجيا لكان جديرا بالتقدير. ولكن منذ البداية أعلن بانه جزء من «المعسكر الوطني»، أقام مع نتنياهو قائمة مشتركة لـ «إسرائيل بيتنا» والليكود في الانتخابات السابقة وفي الانتخابات للكنيست الحالية وعد الناخبين بانه سيؤيد نتنياهو كمرشح لرئاسة الوزراء. اما الان، وتحركه خيبة الامل من انجازاته البائسة في الانتخابات، انتظر حتى اللحظة الاخيرة كي يوقع على الائتلاف ضربة وحشية تستهدف المس باستقرار الحكومة التالية.

في الماضي ادعى ليبرمان بان العلاج لعدم استقرار الساحة السياسية الإسرائيلية هو اتباع طريقة الحكم الرئاسية على النمط الامريكي. طريقة الحكم الامريكية تبدو كاملة لمن لا يعرفها جيدا. الرئيس الامريكي ينتخب لاربع سنوات، يمكنه فيها ظاهرا أن ينفذ سياسته دون عراقيل. والمأزق بين البيت الابيض والكونغرس، الذي يتميز به قسم كبير من فترة ولاية أوباما، يثبت أن ليس الامر على هذا النحو. يحتمل أن يكون ليبرمان يرى امام ناظريه طريقة الحكم الروسية، التي يكون فيها لفلاديمير بوتين حرية للعمل كما يشاء. غير أن ليس في إسرائيل كثيرون يرغبون في تبني هذه الطريقة.

لتحقيق خطته لتعزيز قدرة الحكم، طالب ليبرمان برفع نسبة الحسم. ومثل كثيرين آخرين افترض بسذاجة بان تخفيض عدد الاحزاب الصغيرة في الكنيست سيحسن استقرار الائتلاف، رغم أنه لا يوجد أي دليل ـ نظري او عملي ـ يدعم هذه الفرضية. والضغوطات التي مارسها أدت إلى اقرار القانون، الذي رفع نسبة الحسم إلى 3.25. ولكن، كما تشهد تركيبة الكنيست الحالية، فان القانون لم يساهم في شيء في مدى استقرار حكومة الائتلاف الجديدة. بل العكس، كان تشكيل الائتلاف على ما يبدو اسهل لو كانت نسبة الحسم بقيت كما كانت.

كل هذا يجلبنا إلى السؤال ما الذي يمكن عمله بالفعل لتحسين قدرة حكم حكومة الائتلاف ـ وذلك في اطار الديمقراطية البرلمانية المتبعة عندنا، والتي تسمح، كما ينبغي، بتمثيل نسبي للقطاعات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي. ولما كان الناخب في نهاية المطاف هو الذي يقرر، فيجب منحه المحفز كي يفضل انتخاب واحدا من الحزبين الكبيرين. قانون يقرر بان رئيس الحزب الاكبر سيكون اول من يكلف بتشكيل الائتلاف، كفيل بان يوجه الاصوات إلى الحزبين الكبيرين فيزيد بذلك تمثيلهما في الكنيست على حساب الاحزاب الاصغر. ينبغي لهذا القانون أن يبقي بيد الرئيس صلاحية الطلب من نائب آخر اخذ المهامة على عاتقه اذا لم تنجح المحاولة الاولى، وهكذا يمنع المأزق.

ولكن الاهم من ذلك ـ على زعماء الليكود والعمل أن يعملوا على زيادة عدد اعضاء حزبيهما وتعزيز ولائهم للحزب وبالتوازي منع الظاهرة الإسرائيلية البائسة المتمثلة بانتقال رؤساء الاحزاب من حزب إلى آخر.

هآرتس

التفسير الذي قدّمه وزير خارجية المملكة السعودية عادل الجبير لغياب الملك سلمان بن عبد العزيز عن قمة كامب ديفيد غير مقنع. الجبير قال إنّ الغياب عن القمة يعود إلى أنّ موعد القمة يصادف يوم الهدنة، وأوحى بهذا التصريح وكأنّ الملك سلمان هو الذي يشرف شخصياً عليها، ويؤكد الالتزام بها، أو عدم الالتزام، ولكن من المعروف أنّ من يقود الحرب هو وزير الدفاع نجل الملك والقيادة العسكرية السعودية، وأيّ قرار توجيهي بالالتزام بالهدنة، أو نقضها إذا اقتضى الأمر ذلك، يستطيع الملك اتخاذه وإبلاغ المسؤولين في وزارة الدفاع عنه سواء كان في واشنطن أو في الرياض، وبالتالي لا يبرّر متابعة مصير الهدنة تخلّف الملك عن المشاركة في قمة مع رئيس أكبر دولة في العالم، ودولة حليفة وضامنة لأمن السعودية مثل الولايات المتحدة.

يندرج تفسير تخلف الملك سلمان عن المشاركة في قمة كامب ديفيد في إطار واحد من تفسيرين لا ثالث لهما:

التفسير الأول، يقول بأنّ غياب الملك سلمان عن القمة هو شكل من أشكال الاحتجاج على سياسة الرئيس أوباما وإدارته، سواء في الملف النووي الإيراني أو إزاء سورية واليمن. ولكن هل تملك السعودية القدرة على الوصول في علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى هذا المستوى من التوتر، حتى لو كان هناك رهان على فوز الجمهوريين في انتخابات عام 2016؟ فمن المعروف أنّ أيّ رئيس أميركي جديد لن يتسلّم مسؤولياته قبل كانون الثاني عام 2017، ومن الآن وحتى ذلك التاريخ، هناك أكثر من سنة ونصف، سيكون الرئيس أوباما وإدارته الحالية، المشرفين والموجهين للسياسة الأميركية، فهل بمقدور السعودية الاستغناء عن دعم الولايات المتحدة لها طيلة هذه الفترة وهي تواجه حرباً مكلفة في اليمن، وقادرة على مواجهة تداعيات ما بعد الاتفاق على الملف النووي الإيراني، وهذه التداعيات ستحصل في فترة ولاية الرئيس أوباما وإدارته الحالية؟ أيضاً هذا التفسير لا يبدو مقنعاً في ضوء هذه الأسئلة المنطقية.

التفسير الثاني، أنّ تمثيل السعودية بوفد بقمة كامب ديفيد يرأسه ولي العهد محمد بن نايف، وولي ولي العهد محمد بن سلمان ووزير الخارجية عادل الجبير، يؤكد أنّ هذا ما تفضله الولايات المتحدة وإدارة أوباما، لأنّ هذا الثنائي محمد بن نايف والجبير معروفان بالتزامهما وانضباطهما بالسياسة الأميركية، ومحمد بن نايف هو الملك المتوقع في فترة ليست ببعيدة، ومن منصبه كولي للعهد يعتبر ملكاً حقيقياً حتى قبل تسلّم منصب الملك، تماماً مثلما كان الأمير فهد بن عبد العزيز هو الملك الفعلي في فترة تولي سدة العرش السعودي من قبل الملك خالد بن عبد العزيز.

الولايات المتحدة بحاجة إلى شركاء في قمة كمب ديفيد قادرين على الاستمرار ومواكبة السياسة الأميركية في منطقتنا في ضوء ما يجري الآن، وفي ضوء التداعيات المحتملة لتوقيع الاتفاق النووي، وولي العهد السعودي وعادل الجبير هما الجهة الأقدر على فهم ومواكبة السياسة الأميركية بعيداً عن أي شكل من أشكال الحرد والمشاكسة.

(البناء)

في الذكرى السابعة والستين لاحتلال فلسطين، الواقعة في الخامس عشر من شهر أيار من كل عام، ذكرى إعلان تأسيس دولة الاحتلال الصهيوني، يتكشف المشهد العربي عن حقيقة أساسية لم يعد ممكناً إنكارها وهي أن ما يسمى «الربيع العربي» همّش القضية الفلسطينية ووضعها في حيزٍ لم يضق يوماً إلى هذا الحد، وأن ذلك جرى لأن ذلك «الربيع»: 1 حمل في بداياته برنامجاً مستورداً ومنبتاً عن التحرر الوطني هو «الإصلاح» بمقاييس غربية، 2 انطلق من تهميش التناقض مع الإمبريالية والصهيونية، 3 تمخض عن تحالف اللاعبين الرئيسيين فيه معهما، 4 انتهى لخلق ظروف تفكيك وصراعات طائفية وقبلية واثنية أجبرت حتى المعنيين بالقضية الفلسطينية على التركيز على مواجهة الهجمة عليهم بدلاً منها. لا بل يمكن القول إن «الربيع العربي» جاء كتتمة مباشرة للعدوان على العراق ليسفر عن استهداف الجيوش العربية التي قاتلت العدو الصهيوني يوماً: السوري والعراقي والمصري بخاصة، وأن ذلك لعب استراتيجياً لمصلحة الكيان الصهيوني بالضرورة.

فلسطينياً، تمخض «الربيع» المزعوم عن تبني حركة حماس رسمياً لبرنامج «الدويلة الفلسطينية» في حدود الأراضي المحتلة عام 1967، مع أن ذلك التوجه بدأ رسمياً مع خطاب خالد مشعل في دمشق في حزيران عام 2009 رداً على خطاب أوباما في جامعة القاهرة آنذاك، وبذلك لم يعد الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية صراعاً بين برنامج مقاومة وتحرير من جهة وبرنامج تسوية واستسلام من جهة أخرى، بل تحول إلى صراع فصائلي على سلطة غير موجودة في دولة مفتقدة السيادة. فالسلطة الفلسطينية رسخت دورها كوكيل أمني للعدو الصهيوني في الضفة الغربية، أما حماس فباتت تبدو أكثر فأكثر كمن يناطح السلطة على سلطتها، لا كمن ينطلق من برنامج سياسي مختلف جذرياً عن برنامج السلطة، وقد تعزز ذلك بعد وصول الإخوان المسلمين للحكم في مصر وتونس، بالتفاهم مع الإدارة الأميركية، كنتاج مباشر لـ«الربيع العربي»، وشعور الإخوان المسلمين في كل الإقليم أن اللحظة التاريخية حانت لتسلم الحكم في كل البلدان العربية، ومنها السلطة الفلسطينية طبعاً. وصارت معضلة قيادة حماس، ولا تزال، نيل الاعتراف الدولي والرسمي العربي بسلطتها في غزة، لا برنامج المقاومة والتحرير، وصارت تلعب، كما لعبت قيادة فتح من قبل، لعبة القتال حتى الوصول لطاولة المفاوضات… ولا بأس من تنظيف حركة الإخوان المسلمين في الإقليم بالدم الفلسطيني بين الفينة والأخرى طبعاً.

في الآن عينه راح الجمهور الصهيوني يزداد يمينيةً وتطرفاً، وطفق يجنح أكثر فأكثر نحو انتخاب قوى سياسية تتمسك ببرنامج التهويد الشامل للأرض العربية الفلسطينية المحتلة وللنظام السياسي في دولة الاحتلال، وصار أقل استعداداً لتقديم تنازلات شكلية تافهة من نوع «تجميد الاستيطان» من أجل استمرار مهزلة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية و«العملية السلمية» في المنطقة! ومع أن مثل ذلك الموقف المتشدد استفز الاتحاد الأوروبي وإدارة الرئيس أوباما، اللذين كررا التزامهما الأبدي أيضاً أمن العدو الصهيوني وتفوقه العسكري، فإن حكومة نتنياهو وحلفائه من غلاة الصهاينة لم يتراجعوا، بل ازدادوا تشدداً، وراحوا يخوضون معركة سياسية ضد الرئيس الأميركي في ملعبه الخلفي في مجلس النواب والشيوخ الأميركيين، من دون مراعاة حاجة الإمبريالية العالمية، في سياق المعركة الدولية ضد الدول المستقلة مثل روسيا والصين، لتجنيد العرب والمسلمين في صفها.

أكثر ما يغيب في الذكرى السابعة والستين لاحتلال فلسطين هو برنامج المقاومة والتحرير بعد أن تخلى عنه معظم أهله، إلا من رحم ربي، وهم موجودون بالطبع، ولا يزالون يقبضون على الجمر، لكن الحقيقة المؤلمة تبقى أن قيادة حركة فتح عبر مسيرتها، ومنذ برنامج النقاط العشر عام 1974، ثم قيادة حماس السياسية، بالإضافة لقيادة عدد من الفصائل اليسارية، ثم أقطاب المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً في فلسطين وجوارها، تمكنوا من زحزحة قطاع واسع من الشعب العربي الفلسطيني باتجاه برنامج «الدولة المستقلة» على خمس فلسطين بعيداً عن برنامج التحرير، وجاءت مداخلة إدوار سعيد وعزمي بشارة لتتمم ذلك التلوث السياسي بتلوث آخر، عقائدي، أكثر خطورة، بالحديث عن «دولة واحدة» لكل مواطنيها، عربية – يهودية، ولتوجه ضربة إيديولوجية لفكرة عروبة الأرض، وهي أساس الصراع منذ البدء: هل الأرض عربية أم يهودية؟

لم يبدأ التدهور في الوضع الفلسطيني مع «الربيع العربي»، إنما جاء «الربيع» المزعوم ليزيد الوضع الفلسطيني تدهوراً. فالتدهور بدأ مع تقهقر المشروع القومي في بلادنا، وتكرس مع زيارة أنور السادات للقدس عام 1977، ومع التخلي عن المسؤولية العربية عن فلسطين في مؤتمر الرباط عام 1974 تحت عنوان «الممثل الشرعي والوحيد»، ثم «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون»! لكن لا بد أن نصر على أن ذلك التدهور هو بالضرورة حصاد نهج التسوية والاستسلام، عربياً وفلسطينياً، وأنه نتاج ضرب العراق وإخراجه من معادلة الصراع، وأنه سيزيد مع استنزاف سورية والجيش المصري وبقية البلدان العربية. وأن وضع حد لذلك التدهور لا يكون إلا بالعودة لبرنامج المقاومة والتحرير، وتحقيق شروطه السياسية والتعبوية والعسكرية.

أخيراً، عند تناول ذكرى احتلال فلسطين، لا بد من التنبيه إلى خطأ شائع هو وصفها بـ«النكبة»، وهو المصطلح غير الموفق بتاتاً الذي أطلقه المفكر قسطنطين زريق. إذ تجب الإشارة لهذا الاحتلال بكونه احتلالاً، وعدم الوقوع في شرك القبول بدور الضحية من خلال مصطلح «النكبة». فالنكبة أو الاغتصاب حدثٌ من الماضي لا يمكن تغييره، كالكارثة الطبيعية مثلاً التي تأتي وتمضي ولا نملك إلا أن نتأقلم معها. ولذلك يمثل استخدام تعبير «نكبة» أو «اغتصاب» من دون كلمة احتلال اعترافاً ضمنياً، ولو عن حسن نية، بالكيان الصهيوني. ولا مشكلة باستخدام أي تعبير مع كلمة احتلال طبعاً، ما دام المقصود بالاحتلال كل فلسطين، لا الأراضي المحتلة عام 67 فحسب.

(البناء)

تعقد القمة رفيعة المستوى بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ودول مجلس التعاون الخليجي الست اليوم الثالث عشر من أيار، وسط تكهنات متباينة حول الأهداف المرجوة من عقد القمة، بين طرف يرى أنها لتمرير الاتفاق النووي مع إيران، وآخر يرى أنها لتعزيز التعاون بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي لطمأنة الحلفاء في شأن عدم تغيّر وضعيتهم الاستراتيجية في العقل السياسي الأميركي. لكن في ضوء التطورات الأخيرة في ساحات المواجهة في المنطقة، وحديث الرئيس باراك أوباما في مقابلته مع الصحافي توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ الخامس من نيسان الماضي عن أن التهديد لدول الخليج «سيكون ناشئاً من عدم الرضا داخل بلدانهم بشكل يفوق التهديد القادم من التعديات الإيرانية»، هذا الأمر يضع القمة ودول الخليج كافةً في مهب المطالب الأميركية الجديدة بتغيير وضعية النفوذ الأميركي في الخليج وقوننته أكثر فأكثر في سياق لعبة تقاسم النفوذ وإدارة الأزمة التي من المتوقع أن تسود في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي الأميركي ـ الإيراني.

وفي هذا السياق أجمعت معلومات صحافية متقاطعة، غربية تحديداً، عن إمكانية طلب دول مجلس التعاون الخليجي إبرام اتفاقية دفاع جماعية رسمية على غرار معاهدة حلف شمال الأطلسي من شأنها إلزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الدول الخليجية إذا تعرضت لهجوم. وهذا ما لمّح إليه بشكلٍ غير مباشر إليه الرئيس أوباما في سياق مقابلته مع فريدمان بقوله: «عندما يتعلق الأمر بعدوان خارجي، أعتقد أننا سنقف إلى جانب أصدقائنا العرب وأريد أن أدرس الكيفية التي تمكننا من إضفاء طابع رسمي على الأمر أكثر قليلاً مما هو قائم حالياً».

وبناءً على ذلك، يتوقع أن يطرح في قمة «كامب ديفيد» حصول دول الخليج على ضمانات أمنية على غرار «المادة الخامسة» من معاهدة واشنطن لعام 1949 التي تشكّل الأساس القانوني لترتيبات الأمن الجماعي التي تقوم عليها منظمة حلف شمال الأطلسي والتي تنصّ على أن «أي هجومٍ مسلّح ضد طرف أو أكثر من أطراف المعاهدة في أوروبا وأميركا الشمالية يعتبر هجوماً ضد كافة الأطراف. وأن كل طرف سيتّخذ الإجراءات التي يراها ضرورية لاستعادة أمن منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليها».

الأزمة التي تعيشها الدول الخليجية وعدم قدرتها على استيعاب التحوّل الأميركي باتجاه إيران، من شأنهما أن يدفعاها طوعاً إلى المطالبة بهذا الخيار. فإيران دولة نووية يعني تحوّلاً شاملاً في ديناميات القوة في الشرق الأوسط، ووجود طهران وواشنطن رسمياً في خانةٍ واحدة من بعض القضايا التي تواجه المنطقة وبالتالي النزوع إلى إدارة الأزمات في المنطقة سواء عبر التوافق أو عبر الجنوح إلى التهدئة والاحتواء، وهو ما يفرض بكافة الأحوال اعترافاً متبادلاً بمصالح الطرفين ونفوذهما، الأمر الذي يصب في خانة رفع منسوب قلق الدول الخليجية من هذا التحوّل، وبالتالي البحث عن غطاء أكثر فاعلية وقوّة، يتجلى بتحالف علني عسكري وسياسي مشابه للرابط الرسمي بين دول حلف شمال الأطلسي، حتى وإن كان هذا التحالف ليس على هيئة وثيقة دولية، بل اتفاقاً سياسياً بين الأطراف المجتمعة في «كامب ديفيد»، وهو الاحتمال المرجح بسبب الخلافات التي تعصف بالكونغرس حول إبرام اتفاق ملزم على هيئة وثيقة دفاعية.

واشنطن هي الرابحة بالاتجاهين، وهو ما يدركه الرئيس الأميركي باراك أوباما جيداً، أما ما يشاع عن حلول بعض الدول الأطلسية مكان الولايات المتحدة في الخليج، كفرنسا على سبيل المثال، فهو لا يعدو عن كونه مزحةً سمجة ستلقى بعض الصدى في قمة «كامب ديفيد» التي حُضّر جيداً لها بدايةً باتفاق الإطار بين إيران والدول الست، مروراً بالعدوان على اليمن وطرح الهدنة قبل يومٍ واحد من القمة، وليس انتهاءً بالتصعيد الميداني في سورية وتحديداً في الشمال وتعويم «جبهة النصرة» باعتبارها «روح الرهان الغربي الميداني» في سورية.

(البناء)

 

 

منذ ظهور المؤشرات على حصول توافق إيراني ـ أميركي ـ أوروبي حول الملف النووي، قرر آل سعود شنّ عدوانهم المجرم على اليمن. سلسلة من الاهداف، بينها، وليس أهمها، البعث برسالة احتجاج قوية الى الولايات المتحدة. واشنطن لم تكن لتقدر على منع العدوان، وهي أصلاً صاحبة مصلحة فيه، لكن ربما كانت تفضله بتوقيت آخر وبآليات مختلفة وبأهداف أخرى أيضاً.

خلال الايام التي فصلت عن إعلان التفاهم الاولي بين طهران والغرب، حاول الجانبان الاميركي والايراني عدم الانصات الى الاصوات الآتية من شمال وجنوب الجزيرة العربية. لكل أسبابه. أميركا لا تريد وضعه بنداً يستغله المتشددون لإفشال المفاوضات الرئيسية، وإيران لا تريد الدخول في بحث أي عنوان قبل التفاهم النووي.

كان الجميع في الغرب يعتقد أنه بهذه السياسة إنما يمنح النظام السعودي الوقت لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية. لكن سرعان ما ظهرت الامور على عكس ذلك. ولم تمض على عودة الوفد الايراني الى طهران أيام قليلة، حتى تصدت طهران لمواجهة العدوان ولمواجهة احتمالاته كافة. وارتفع الصوت على المنابر، وحشدت الاساطيل في البحر، فكان أول اختراق أميركي ـ إيراني دبلوماسي تمثل في ساعات الاتصالات الطويلة بين وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والايراني محمد جواد ظريف، والتي انتهت الى إعلان الرياض وقف «عاصفة الحزم».

لكن، لا الولايات المتحدة ولا إيران كانتا في وارد التصديق أن العدوان توقف. وعلى الارض، واصل «أنصار الله» ومن معهم في الجيش والقوى الشعبية استراتيجية السيطرة على الارض، وتحمل الضربات دون رد مباشر على المعتدي. وهو ما سمح بتحقيق نتائج كبيرة أفشلت خطة آل سعود لاحتلال جزء من أراضي اليمن، ودفعتهم الى مزيد من الجنون، قبل أن تصل الامور الى مرحلة جديدة، عندما قرر آل سعود الانتقال مباشرة الى الضرب المباشر للمدنيين وارتكاب المجازر بطريقة أكثر وحشية من فعل الصهاينة.

في هذا الوقت، قرر «أنصار الله» اعتماد استراتيجية جديدة. استكملوا مع الجيش السيطرة على عدن ومحاصرة مأرب والاحتفاظ بالممرات الآمنة الى الجنوب في تعز، وبدأوا في المقابل الإعداد لعمليات عبر الحدود تحت عنوان «غضب القبائل».

وهذه السياسة لها طريقتها، ولها آليات العمل الخاصة بها، ولها أهدافها، وكان الاساس إعطاء الاشارة الى آل سعود أنفسهم، والى الغرب من خلفهم، بأن سياسة الصبر ليست مفتوحة. ثم كانوا يعمدون الى تنفيس غضب قواعدهم المطالبة بردود قاسية، من خلال ضربات موجعة لكل جنود آل سعود المنتشرين على طول الحدود، وتوجيه رسائل صاروخية الى المناطق المأهولة بالسكان وبالمنشآت الحيوية.

وفي الوقت الذي ردّ آل سعود بمزيد من الجرائم، كان على الغرب التحرك أكثر. هذه المرة، لجأ الاميركيون الى الضغط المباشر من خلال عنوان «الآثار الانسانية» الكبيرة، التي لم يعد بإمكان العالم الصمت عليها. وكان من نتائجها تعزيز موقف الجيش الباكستاني الرافض للدخول في الحرب، وكانت هناك خطوة أخرى ظلت بعيدة عن التداول، وتتمثل في قرار ماليزي مبدئي بالمشاركة في القوات البرية، لكنه موقف عاد الى مربع التمهل والنقاش، في ضوء ما يحصل على الارض، سواء لجهة خسائر الجيش السعودي في الميدان، أو لناحية الجرائم الكبيرة التي ترتكب ضد المدنيين، إضافة الى تحذير استخباري غربي من أن الذي يريد التحرك على الارض في اليمن عليه «التعاون مع القاعدة».

سلاح كاسر للتوازن

يعتقد آل سعود أن ما يقومون به براً وبحراً وجواً، يمكن أن يشكل حصاراً مطلقاً وتاماً على «أنصار الله» وعلى الجيش اليمني. هم يرفضون الأخذ بتجارب الآخرين، ولذلك، لم يكن بمقدورهم توقع أن يصل الى يد أنصار الله السلاح الكاسر للتوازن، والمتمثل في أمرين:

الاول، سلاح يهدد طائرات آل سعود وحلفائهم، وكانت الباكورة في إسقاط الطائرة المغربية.

الثاني، صواريخ أرض ـ أرض من مديات مختلفة قادرة على تحقيق إصابات مدمرة في البنى التحتية العسكرية والمدنية والنفطية لآل سعود.

وأيضاً هناك دعم سياسي مفتوح، من خلال رفض ممارسة أي نوع من الضغوط عليه، جراء الاتصالات التي يقوم به وسطاء كثر.

وفي هذا السياق، علم أن كيري لم يتوقف عن التواصل مع نظيره الايراني، حتى خلال الايام التي سبقت وتلت زيارته للرياض. وكان الهم الاميركي الحصول على دعم إيراني لمشروع الهدنة الانسانية المقترح، وهو ما حصل عليه الجميع بإعلان «أنصار الله»، ومن ثم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ترحيبهما بالهدنة، مع العلم بأنه تم إيجاد آلية تعفي الجميع من الإحراج، من خلال تكليف منظمات إنسانية محلية ودولية مهمة الاشراف على تسلم المساعدات وتوزيعها في اليمن. وهو في حد ذاته لا يمثل حرجاً لأنصار الله، بينما مثل خيبة لآل سعود الذين اعتقدوا أنه بمقدورهم إدخال أنصارهم الى اليمن برفقة المساعدات.

لا مبادرات والتصعيد أخطر

لكنّ الهدنة الانسانية ليست مضمونة الاستمرار حتى لخمسة أيام، وإن كان الجميع يرحب بها. لكن مشكلة آل سعود هي في أن الولايات المتحدة ودولاً غربية ترغب في جعلها هدنة مفتوحة لوقت طويل، على أمل إنتاج مبادرة سياسية تتيح إطلاق الحوار اليمني ـ اليمني قريباً، بما يقود الى وقف العدوان وإيجاد حل لا تكون السعودية فيه الطرف الخاسر. لكن الازمة تكمن في أنه لا وجود لمبادرة مقبولة من الجميع. وما بين يدي المبعوث الدولي الجديد الذي بدأ أمس اتصالاته في صنعاء، لا يعدو كونه نسخة عن الاوراق التي تركها له المبعوث السابق، وهو ما ترفضه السعودية. وبحسب المعطيات، فإن الولايات المتحدة التي ترغب في التوصل الى حل، لا تمسك بأي ورقة يمكن أن تبيعها لإيران أو لـ»أنصار الله». في المقابل، لا يجد «أنصار الله»، ولا إيران، ما يوجب إعطاء آل سعود بالسياسة ما فشلوا في أخذه بالحرب. وهذا وحده يشكل السبب الكافي لعدم توقّع حلول سريعة. بل على العكس، فإن الخشية عند جميع الاطراف، وخصوصاً عند الاميركيين، من أن يعمد آل سعود الى تفجير الوضع، بحجة أو من دونها، ويكفي لهم رفض إقامة «أنصار الله» لحاجز في عدن أو أن يطلق مقاتل يمني النار على دجاجة على الحدود، حتى يطلقوا العنان من جديد لطائراتهم.

لكن، في حال قرر آل سعود العودة بالأوضاع الى ما كانت عليه قبل سريان الهدنة، فهذا لا يعني أن الطرف الآخر سوف يعود أيضاً الى ما كانت عليه الاوضاع. وسياسية «غضب القبائل» لها أشكالها التي تجعلها تتدحرج صوب عملية ثأر كبيرة سوف تدفع آل سعود الى الجنون، لكنها عملية تقول إن ما مرّ قد مرّ، وإن ما هو قادم له اسم جديد...

هل تقدر أميركا على لجم آل سعود، أم سوف تكبر كرة النار؟

(الأخبار)