Get Adobe Flash player

 

مع تحول القصف السعودي والحليف للمناطق اليمنية المختلفة إلى حدثٍ يوميٍ مألوف، ويا للأسف، في وسائل الإعلام، تماماً مثل عمليات العصابات التكفيرية وتفجيراتها في أكثر من قُطر عربي، يتعرض المواطن العربي لقصف من نوع آخر، إعلامي، يصور ما يجري من عدوانٍ على اليمن والمنطقة كصراع طائفي سني-شيعي في معظم الأحيان، أو كصراع عربي-فارسي أحياناً، مع أن محاولة حكام السعودية زج تركيا وباكستان في معركة اليمن ينم عن أجندة طائفية أكثر مما ينم عن أجندة عربية حتى بالمعيار الشكلي. فالعدوان على اليمن يُشن بالاستناد إلى أجندة طائفية صرف، يمنياً وإقليمياً.

Read more: لمَ ضدّ العدوان السعودي على اليمن؟  د. إبراهيم علوش

 

خلال أقل من يوم، أوقعت العمليات الجوية للتحالف مجزرتين، آخرهما استهدافٌ لحيّ سكني وتجاري في منطقة يريم وسط البلاد، خلّف عشرات الضحايا، في إشارةٍ إلى تعمد القصف على مناطق مدنية لزيادة الضغط على اليمنيين، بالتزامن مع عدم تمكن العدوان من تحقيق أهدافه العسكرية

Read more: السعودية تضيف إلى سجلها اليمني مجزرة جديدة  علي جاحز

تنحو منطقة الشرق الأوسط بخطى متسارعة باتجاه إعادة ترتيب الأدوار الإقليمية لدولها، بما في ذلك السعي إلى تكوين محاور وتكتلات تقف في مواجهة بعضها، وتحاول أن تحمي ذاتها، أو تحقق تقدما باتجاه خصومها. إذ يبدو أن زيادة الدور الإقليمي للدول قد أصبح من سمات المرحلة، في ظل تراجع السياسة الأميركية وارتباكها وضعفها. ما حمل دول المنطقة، ومناطق أخرى في العالم، على السعي إلى لعب دور إقليمي شبه مستقل عن السياسات الأميركية، بل ومختلف معها، أحياناً، يجعلها بمنأى عن العواصف التي تهب من حولها.

تبدى ذلك في مرحلة أولى عند اندلاع الربيع العربي، وسرعة التخلي الأميركي عن حلفائها التاريخيين، أمثال زين العابدين بن علي وحسني مبارك. وسيطرة الاتجاه الإسلامي، في ظل الضعف اللافت لحركات المعارضة الأخرى على مقاليد هذا الحراك في أغلب الدول العربية، بل ووصوله إلى السلطة في تونس ومصر، عبر صناديق الاقتراع، وبعد الهبات الشعبية. ما أدى إلى قيام ثورة مضادة، بدعم واضح من دول خليجية، خشيت من امتداد الربيع إليها، وسط الصمت والعجز الأميركيين عن اتخاذ القرارات المناسبة لحماية حلفائه. ونتيجة ذلك، انفضت عرى تحالف تاريخي كان قائما بين الإسلام السياسي، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، وهذه الدول. وتجلى ذلك في الدعم السخي وغير المحدود الذي قدم إلى نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي محاولات التأثير والتنازع على قوى المعارضة السورية وغيرها.

على أن الأحوال سارت بعكس ما تشتهي هذه السياسة، فقد برزت داعش، واعتبرتها أطراف ممثلاً للإسلام السني، في ظل تراجع قوى الإسلام المعتدل، نتيجة الضربات التي وجهت إليه، ووجدت لها حاضنة شعبية نتيجة السياسات المذهبية السائدة والفساد والاستبداد. ومن جهة أخرى، بدا واضحا تطور النفوذ الإيراني وتمدده، وانتشاره في العراق واليمن وسورية، ناهيك عن نفوذه الواضح في لبنان من خلال حزب الله.

نستطيع القول إن محورا قد تشكل بزعامة إيران، ويضم اليمن وسورية والعراق ولبنان، ويحظى بدعم روسي، وهو محور في طور الصعود والتقدم، وإن تكن بعض سياساته التي قد تكسبه بعض المواقع على الأرض مؤقتاً، إلا أنها قد تزيد من قائمة خصومه، ومن حالة الاصطفاف ضده، وتهدد باتساع النزاعات المذهبية والقبلية والطائفية في الأراضي التي يحاول الوقوف عليها. ومن اللافت أن حراك هذا المحور، ونتيجة قرب الوصول إلى الاتفاق على الملف النووي الإيراني بين طهران والغرب، بدأ يحظى ببعض الصمت، وأحيانا الموافقة أو التنازلات من الولايات المتحدة، يتمثل ذلك في الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، من بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، أو من التدخل العسكري المباشر في العراق، وكأن هنالك معادلة تشكلت، قوامها الاتفاق على الملف النووي في مقابل غض النظر عن الامتداد الإقليمي لهذا المحور، والاعتراف به لاعباً أساسياً في المنطقة.

في المقابل، بدأت ملامح تغيير في الظهور في السياسة الخليجية، والسعودية تحديداً، بعد وفاة الملك عبد الله، وبسرعة غير متوقعة، ولا معتادة عند انتقال مقاليد الحكم. إذ هنالك سعي لتحسين العلاقات السعودية التركية، ومد الخيوط القديمة مع باكستان، وإعادة الانفتاح على الإسلام السياسي المعتدل الذي لم يعد يشكل خطراً بعد الضربات التي طالته، أخيراً، في محاولة لإعادة استخدامه في الحرب على داعش، أو في مواجهة تنامي النفوذ الشيعي. ويترافق ذلك مع محاولات لإبقاء مصر ضمن هذا المحور، بعد حل العقبات التي تحول دون ذلك، وأبرزها الخلاف التركي المصري حول ضرورة إجراء مصالحة سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، وموقف مصر المتسق مع الموقف الروسي في سورية واليمن.

"في التجربة الفلسطينية المعاصرة، كان تضامن العرب واتفاقهم يحمي الثورة، وانشقاقاتهم ونزاعاتهم توفر المناخ اللازم للتآمر عليها وضربها"

ويختلف هذا المحور مع الولايات المتحدة في الموقف من سورية، ويربط توسيع مشاركته بالحرب على داعش بتسليح أطياف من المعارضة السورية ودعمها، والاتفاق على رحيل الرئيس السوري من المشهد السياسي. كما أن له تحفظات ومخاوف واضحة من الاتفاق النووي، المزمع توقيعه مع إيران، ومن تنامي علاقات إيران مع الغرب، ومن سيطرة الحوثيين على اليمن، وآليات إدارة الصراع في العراق وتنامي النفوذ الإيراني فيه.

بوضوح، هما محوران تشكلا فعلاً على الأرض، أو هما في طور التشكيل النهائي، وبعيداً عن المفردات الدبلوماسية، نحن أمام محور شيعي مكتمل، يقابله محور سني قيد التشكيل. ربما تكون نقطة الاتفاق الوحيدة بينهما هي القضاء على داعش. ولكن، حتى هذه تحمل في داخلها بذور خلاف كبيرة حول الوسائل والأساليب، والأهم من يرث نفوذها وسيطرتها، ويرسم إعادة تشكيل المنطقة بعد سقوطها، ووفق أي معادلات.

قد يعتقد بعضهم أن في تبلور الأمور على هذا النحو قد تفتح نافذة للحوار بين المحورين، لمحاولة الاتفاق على القضايا الخلافية الكثيرة والمتراكمة. ولكن، هذا يعني، في الوقت نفسه، احتمال تأجيج الصراع الإقليمي، وتغذية الصراعات المحلية، وزيادة وتيرة الانقسام الطائفي والمذهبي، واستمرار استنزاف منطقتنا في حروبٍ ينهزم فيها الجميع، بل وتنفتح ثغرة كبرى ينفذ منها العدو الصهيوني ليغدو أحد الأطراف الفاعلة في صراعاتها الداخلية. ففي التجربة الفلسطينية المعاصرة، كان تضامن العرب واتفاقهم يحمي الثورة، وانشقاقاتهم ونزاعاتهم توفر المناخ اللازم للتآمر عليها وضربها، بل ولقيام العدو بالاجتياحات والحروب، بما فيها اجتياح لبنان 1982 الذي جاء في ظل ابتعاد مصر عن الوضع العربي.

ترى، هل من حق جيلنا وجيل الشباب أن يحلم، وأن يعمل على محور آخر، تركي إيراني عربي موحد، من شأنه أن يدفن، وإلى الأبد، كل الصراعات المذهبية، ويحقق استقلال المنطقة وقوتها ومنعتها عن القوى الكبرى الطامعة فينا، ويضمن حلاً عادلاً لكل مشكلاتها في سورية واليمن والعراق، ويعزز الاستقرار والأمن للبلاد والعباد، بل ويشكل خطوة كبرى في اتجاه القضية التي يزعم الجميع أنها قضيتهم الأولى.. فلسطين.

 

بعد أقل من 24 ساعة على تقدمه في المرتفع 1715 ومنطقة شعيب الألد، بسط الجيش السوري سيطرته على كامل السلسلة الغربية من جبال الزبداني، في وقتٍ شهدت فيه منطقة سلمية في حماه مجزرة ارتكبها مسلحو «داعش» بحق مدنيين

Read more: السلسلة الغربية للزبداني محرَّرة ... ومجزرة في ريف سلمية  أحمد حسان

اكتب هذه السطور بقلب ثقيل وانطلاقا من خيبة أمل مريرة، ولكن بعينين مفتوحتين على مصراعيهما وكنتيجة واضحة لنتائج الانتخابات. ودون الاستخفاف بالاخطاء الكثيرة التي ارتكبت في اثناء حملة المعسكر الصهيوني والكثير قبله، ثبت في 18 اذار مرة اخرى، لشدة الاسف، بانه في الواقع القائم اليوم في الشرق الاوسط، فان الجمهور الاسرائيلي بعمومه ليس ناضجا لزعيم يساري ليس ذا ماض عسكري ـ امني صرف.

لا جديد تحت الشمس الصهيونية. فالمجتمع الاسرائيلي يعجب بالاستراتيجيين العسكريين. وبينما تقوم رواية اليمين في جوهرها على اساس القومية والامن، ولهذا فثمة اهمية ثانوية للخلفية العسكرية لمن يقف على رأسه، في اليسار ـ الذي يقوم موقفه على اساس القيم الكونية وبقدر أقل على المفاهيم الكفاحية ـ فان للامر معنى كبير.

في الحملتين الانتخابيتين الاخيرتين نصب حزب العمل على رأسه امرأة ورجل كفؤين كل واحد وواحدة بطريقته/ها ـ شيلي يحيموفيتش واسحق هرتسوغ مما ليسا ذوا خلفية عسكرية ـ امنية صرفة. يحيموفيتش، صحافية في ماضيها، هي نائبة ذات فكر اجتماعي ـ ديمقراطي، وهرتسوغ هو محامي وسياسي مجرب. اما النتائج البشعة فمعروفة للجميع.

فوز تسيبي لفني كرئيسة كديما في انتخابات 2009 بـ 28 مقعدا ـ بمقعد واحد فقط اكثر مما حصل عليه الليكود ـ منح اليسار ـ الوسط أملا لحظيا، ولكن كتلة اليمين كانت أقوى وذلك حتى عندما لم يكن كديما يصف نفسه كحزب يساري، بل كحزب وسط براغماتي.

تكتب هذه الامور بحزن، أن يكون للنساء زعامة ـ ولاسباب عديدة ومتنوعة ليس لهن تقريبا قدرة على جمع التجربة الامنية الواسعة مثلما للرجال ـ فان لهذا ميزات عديدة. فالمجتمع الاسرائيلي هو مجتمع يعاني من مظاهر ما بعد الصدمة.

الخوف ووعي البقاء لديه يشكلان منذ الازل ارضية خصبة لتنمية مخاوف وجودية من جانب زعماء اليمين. واذا ما استعرنا تعبيرا دارجا من مجال علم النفس وعلاج الازواج ـ فان اسرائيل لا تزال «غير ناضجة عاطفيا» لزعامة لا تجلب معها سندات من المجال الامني. ومهما كان هذا محزنا ـ الا انه كذلك.

من أجل اقناع المقترعين ممن لا ينتمون مسبقا لكتلة اليسار ـ الوسط في التصويت في صالح القيم والسياسات التي يمثلها اليسار، يجب تغليف هذه القيم بغلاف امني محترم. هكذا كان في حالة اسحق رابين، في انتخابات 1992، وهكذا ايضا كان في حالة ايهود باراك في انتخابات 1999.

لقد اشرف على الانتخابات الحالية من مقعد الاحتياط عدة لاعبين محتملين في الملعب السياسي، يستجيبون للمطالب التي عددناها اعلاه: رئيس الاركان المسرح بيني غانتس، رئيس المخابرات السابق يوفال ديسكن ورئيس الاركان الاسبق غابي اشكنازي. رئيس الموساد الاسبق مئير داغان صرح أمام الملأ انه ليس لديه الان تطلعات سياسية. وسنضطر إلى تصديقه. ويأمر القانون الاسرائيلي بفترة تجميد لثلاث سنوات، تنطبق على من أنهى منصبا رفيع المستوى في جهاز الامن وعني بان يتنافس في الكنيست. في حينه كانت محاولة لتقصير هذه الفترة لسنة واحدة ـ او ما سمي في حينه «قانون اشكنازي» وكان يستهدف تقريب موعد دخول رئيس الاركان الاسبق إلى الكنيست مباشرة إلى اذرع حزب العمل. وينتظر اشكنازي اليوم انتهاء قضية هيرباز الذي كان مشاركا فيها، وقد خضع في اطارها للتحقيق تحت طائلة التحذير، ومشكوك فيه أن يسارع في الانضمام إلى السياسة.

ومقارنة به، يدير رئيس المخابرات السابق يوفال ديسكن علاقات «الحب ـ الكراهبة» مع الساحة السياسية منذ اعتزل الخدمة في العام 2011. وفي حملة الانتخابات الاخيرة أكثر ديسكن من مهاجمة نتنياهو وأعرب عن مواقف سياسية يسارية واضحة. ولكنه أعلن بانه لا يعتزم حاليا القفز إلى المياه السياسية. هناك من يدعي بانه لو كانوا غازلون، لاستجاب. وعلى اي حال، مرت أربع سنوات منذ اعتزل، ويبدو ان لحظته المناسبة آخذة في الاقتراب.

غانتس اعتزل لتوه، ولكنه ملزم بالانتظار ثلاث سنوات من التجميد، ولكن هذه فترة زمنية معقولة لغرض تهيئة التربة والقلوب حتى الانتخابات التالية. غانتس، رئيس اركان شقائق النعمان، يعتبره الجمهور رجلا معتدلا، مرتاحا ومسؤولا.

مقبولا من فئات عديدة من السكان. رجلا يمكن ان يوضع على رأسه اضافة إلى التيجان الامنية، تيجان الانسانية والمبالاة الاجتماعية.

ومع ذلك فان غانتس أزرق العينين وجميل الطلعة، يعاني ظاهرا من صورة الزعامة الرقيقة التي لا تبث ردعا وصلابة، المزايا التي يبحث الجمهور الاسرائيلي عنها لدى زعيمه مثلما تبين الان مرة اخرى.

صحيح أننا لم نسمع من المواطن غانتس اي تصريح سياسي منذ نزع بزته، ولكنه لن يكون تخمينا غير مسنود اذا افترضنا بان الرجل الذي تربى على قيم حركة القرى الزراعية يمكنه ان يجد مكانه في حزب العمل.

مهما يكن من أمر، يبدو أن غانتس وديسكن على حد سواء هما ذخر ها لمعسكر اليسار، وينبغي التوقع والامل بان يتمكن مهندسو هذا المعسكر ان يسارعا إلى ادخالهما في التحدي المستقبلي لتغيير الحكم في اسرائيل في الانتخابات القادمة.

هآرتس