Get Adobe Flash player

بعد «الربيع العربي» لم تعد المنطقة خريطة نمطية جامدة كما عهدناها في الماضي. تفككت معظم أوصالها، وزالت الكيانيّة عن دولها التقليدية بفعل الهامش الواسع من الصراعات والاضطرابات التي مرّت بمراحل مختلفة وأدوار متعددة فاقمت من حالة الشعوب سوءاً على سوء وكأنّها توردها موارد الهلاك والفناء. ومع هذا الهامش المفتوح باتت الحدود مستباحة، سيّالة، مؤهلة للتمدد أو التقلّص بحسب حرارة الأحداث التي بدأت منطقية في تونس وأصبحت طائشة ومتهورة في اليمن على خلفية أساسية هي قرب التوّصل إلى اتفاق بين إيران والدول الكبرى.

هذا الاتفاق حول برنامج إيران النووي زاد من المخاطر الأمنية على حلفاء واشنطن في المنطقة ودفع بالسعودية إلى شن حرب على اليمن تبدو ظاهرياً كإجراء لا بدّ منه لقطع الطريق أمام تمدد الحوثيين واستعادة «الشرعية» لكنّها في العمق هي اعتراض حازم على علاقات التفاعل بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. فعلى مدى السنتين الماضيتين تراكمت بين الدولتين قواعد وقوانين ومصالح مشتركة أدّت إلى تقارب محدود في بعض الملفات، فاعتبرت السعودية ذلك تغييراً خطيراً يمسّ جوهر العلاقات التاريخية والاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، وأنّ أميركا تكّرس ميزان قوى جديداً لمصلحة إيران في إطار سياستها القائمة على تنزيل حلفاء سابقين وتحميل لاعبين جدد، ما يعني أنّ السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي أمام منعطف وجودي خصوصاً مع توجهات أوباما تقليل حجم الارتباطات العسكرية الخارجية، أي إدارة الظهر لأي طلبات بالتدخل العسكري المباشر. ففي مقابلة مع توماس فريدمان الكاتب في صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت يوم الأحد 5 أبريل/ نيسان، قال أوباما: «إنه سيبلغ دول الخليج أنّ عليها أن تكون أكثر فعالية في معالجة الأزمات الإقليمية». وأضاف: «أعتقد أنّه عند التفكير بما يحدث في سوريا على سبيل المثال، فهناك رغبة كبيرة لدخول الولايات المتحدة هناك والقيام بشيء. لكن السؤال هو: لماذا لا نرى عرباً يقاتلون ضد ما يفعله (الرئيس السوري بشار) الأسد؟».

بالنسبة للولايات المتحدة فقد كشفت أزمات المنطقة وتعقيداتها الكبيرة أنّ التوسع في الالتزامات الخارجية يستنزف قدراتها وثرواتها ولا يحقق مصالحها بنحو تام، بل يورطها بمزيد من المشاكل والحروب، وما تفعله مع إيران محاولة لصنع طريق وُسطى تقبل معها طهران الامتثال لشروط وقيود الدول الكبرى في ما خصّ برنامجها النووي في مقابل السماح لإيران أن تكون شريكة في ترتيب أوضاع المنطقة. وهذا ما شكّل صدمة للسعودية التي أعلنت أكثر من مرة جام غضبها بسبب سياسات أوباما التي تميل إلى التسوية التفاوضية لقضية النووي الإيراني بدل الحل العسكري، وهذا ما يقود فعلياً إلى نظام إقليمي جديد تتوزع على أساسه قيم القوة والنفوذ السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة والمحور المنافس الذي تتزعمه إيران من جهة أخرى. بالنسبة للسعودية ثمة تطور إضافي استدعى من قبلها التهديد باستخدام القوة في اليمن هو نتاج أصيل لأسلوب الحكم الجديد، بعد استشعاره ضعف وضع السعودية الاستراتيجي وانخفاض وزنها الإقليمي لحساب كل من إيران وتركيا، وحجم انكشافها الجيوسياسي في اليمن والعراق والبحرين فضلاً عن التحديات الأمنية الداخلية وآثارها العميقة على بنية النظام الملكي. شعرت السعودية أنّه لا ينبغي الاطمئنان إلى ما يحصل في محيطها، ولذلك لا بدّ من إعادة تعريف دورها الاستراتيجي باستخدام القوة الفظة والصلبة وإن كانت تشتمل على مخاطر لا يمكن التنبؤ بها، لكن سقوط اليمن على سبيل المثال بيد قوى مناوئة للسعودية لن يكون اهتزازاً لمفهوم الأمن في دول الخليج، وإنما بحسب زعمها سيكون تهديداً وجودياً مباشراً لها يستدعي الخروج من الصورة التقليدية الساكنة، والمبادرة إلى المواجهة بالاستفادة من غطاء التحالف (الإسلامي) ودعم استخباراتي ولوجستي أميركي ومن عدد من الدول الأوروبية. وتعكس هذه الحرب وجهة نظر الحكم الجديد الذي ينظر إلى ما يجري في اليمن كنتيجة لاستراتيجيات المساومة بين مجموعة (5+1) وإيران حول ملفها النووي، كما ويتقاطع مع وجهة نظر الجمهوريين التي عزت ما يحصل في المنطقة من تراجع لمكانة حلفاء أميركا وتقدّم لمحور المقاومة إلى عامل رئيسي وهو غياب القيادة الأميركية بسبب سياسات أوباما الرخوة التي شجعت حلفاء إيران للقيام بمجهودات طموحة لتوسيع مناطق نفوذها.

بدأ خطأ السعودية عندما لم تنشد توافقات حول الأزمة السورية ولم ترغب بحلول سياسية واقعية في اليمن والعراق والبحرين، ولا تصرّفت في إطار فهمٍ لحدودها، أي باتخاذ الإجراءات الكفيلة لضمان الاستقرار وإعادة الاتصال بينها وبين السياق التاريخي الناشئ بعد «الربيع العربي» بطريقة صحيحة ومنطقية للخروج من الأزمات وليس تحويلها إلى صراعات نشطة. وعليه، فإننا أمام مسار تحولي في الجزيرة العربية وبيئة ضاغطة كما حذر الرئيس الأميركي، واستراتيجيات متحركة، وسياسات متوترة، وتناقضات تسد الأفق أمام علاقات مستقرة بين دول تشهد المزيد الأزمات المصيرية. ويكفينا قول المفكر المصري الشهير محمد حسنين هيكل بأن «اليمن بركان نائم جنوب شبه الجزيرة العربية، اذا انفجر... فإنه سيجرف كل المنطقة»! فهل وقعت السعودية ضحية التحولات الكبرى فلم تحسن التعامل مع شروطها وتوازناتها، أم أنّها صدّقت أنّ بإمكانها اعتراض الوقائع الاستراتيجية والتداعيات الجيوسياسية من حولها باستخدام قوة الردع؟

تجربة العدوان السعودي على اليمن تشبه إلى حدّ بعيد تجربة العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 لكن العقل الإسرائيلي مرن تجاه التسويات فيما العقل السعودي يدرك الأشياء على قدر أحقاده وعصبيته لا على ضوء براغماتيته ومصالحه. الإسرائيلي يسارع للتأقلم فيما السعودي يصرّ على التكلّس والمراوحة في مكانه. العدوان على اليمن ليس حرباً بين بلدين، إنه جزء من حركة التحولات الكبرى على مستوى المنطقة والأحمق من لا يعرف بداية الأهوال ولا يقدّر نهايتها!

لم يتوقع آل سعود صموداً يمنيّاً، وظنوا أنّ حرباً أهلية ستنشب مع أول غارة على عدن أو صنعاء، وأنّ الحوثيين سينكفئون إلى جحور صعدة لا أن توالي سحبهم بالصعود إلى السماء عزاً وانتصاراً. لكن سرعان ما أخذهم الروع وبدأوا يفقدون كبرياءهم وغرورهم مع الأسبوع الأول للعدوان حتى خرجت الأمور عن السيطرة وجاء من يقول لهم «باب النجار مخلّع»!

(الأخبار)

بعد تأكيد ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» على رفضه دخول الائتلاف «الانتهازي» كما وصفه بزعامة نتنياهو (وكأنه عميد للأخلاق الثورية!) لجأ رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو إلى تشكيل حكومة ضيقة (يؤيدها 61 صوتاً في الكنيست – الليكود 30 وحزب كولانو 10 والبيت اليهودي 8 وشاس 7 ويهودات هتوراه 6أعضاء)!. لحسابات حزبية داخلية بحتة وانطلاقاً من سياسة الابتزاز لتحصيل أكبر عدد من المكاسب الوزارية تعثر التشكيل إلى ما قبل الدقائق الأخيرة لانتهاء المهلة الثانية الممنوحة لزعيم حزب الليكود!.

بالطبع، تسارعت التحركات السياسية في اليومين الأخيرين لتشكيل الحكومة. بعد أن تمكن نتنياهو وحزبه في تحصيل المرتبة الأولى في الانتخابات وحصوله على 30 مقعداً في الكنيست انسجاماً مع تحولات الشارع الصهيوني خلال العقدين الاخيرين وعنوانها: المزيد من الإغراق في التحول نحو المزيد من التطرف في عناصر ومكونات هذا الشارع اعتقادا ومسلكاً! ذلك بحكم العناصر العديدة ذات التربة الخصبة لنمو هذا التطرف!

جاء تشكيل الحكومة بعد الاتفاق مع نفتالي بينيت زعيم حزب «البيت اليهودي» الذي ابتز نتنياهو إلى حد كبير. من حيث توزيع الحقائب الوزارية: حصل حزب «كولانو» بزعامة كحلون على 3 حقائب: المالية تولاها كحلون، وزارة البناء والإسكان تولاها يو آف غالانتو عضو ثالث لوزارة حماية البيئة.

أما حزب «البيت اليهودي» فحصل على وزارة المعارف ويتولاها بينيت ووزارة القضاء تتولاها ايليت شيكيد، ووزارة الزراعة يتولاها أوري أرييل. أما «حركة شاس» فنالت 3 وزارات.

أما حزب «يهودوت هاتوراه» فنال بعض المناصب بالإضافة إلى رئاسة اللجنة المالية للكنيست.

ملخص القول، إن نتنياهو يترأس حكومة من غلاة المستوطنين الحاقدين على كل ما هو فلسطيني وعربي ومسلم ومسيحي وحتى إنساني! تاريخ كل منهم يشهد على ما نقول.

خذوا مثلًا، ايليت شيكيد: يهودية من أصل عراقي, دعت منذ ما يقارب السنة إلى إبادة جميع الفلسطينيين من الوجود! حرّضت على قتل «الأمهات الفلسطينيات» لأنهن ينجبن «مخربين»، ووصفت الفلسطينيين ب«الثعابين الإرهابيين»! عملت مديرة لمكتب نتنياهو بين عامي 2006-2008، ومدرّبة للمشاة في أحد ألوية الجيش الصهيوني،

وعلى ذلك قس باقي الأعضاء. لم يفارقهم الحلم ب إنشاء دولة «إسرائيل» الكبرى بل ما زال يراود أدمغتهم.

هم الأشد تطرفاً في الكيان الصهيوني, يدعون إلى ضم أراضي الضفة الغربية إلى الكيان، يدعون إلى تدمير غزة واستئناف الحرب العدوانية عليها حتى تدمير كل الأسلحة الفلسطينية، وقفوا في الكنيست ضد شارون في الانكفاء المباشر عن قطاع غزة.

باختصار، هي حكومة عدوانيةعنصرية متطرفة. أعضاؤها هم الأكثر تعبيراً عن حقيقة الحركة الصهيونية.

لا يلبسون قفازات حريرية لتغطية قبضاتهم الحديدية في التنكيل بشعبنا.

حكومة ستُلهب معدلات الاستيطان, ستشن المزيد من الحروب العدوانية على غزة، وستشدد من قبضتها الحديدية على أهلنا في المنطقة المحتلة عام 48.

بالنسبة للحقوق الفلسطينية هم أكثر تشدداً من كل زعامات الليكود وعلى رأسهم نتنياهو: لا يعترفون من الأساس بوجود الشعب الفلسطيني،فكيف ببعض حقوقة؟ يسمّون الضفة الغربية ب «يهودا والسامرة». يعتبرون الأردن جزءاً من «أرض إسرائيل». ينادون بالترانسفير لفلسطينيي 48 ولأهالي الضفة الغربية. ويدعون إلى تشكيل دولة للفلسطينيين في الأردن.

هذا يعتبرونه»تنازلا عن جزء من أرض ««إسرائيل»».أما الوجه «الألطف» في الحكومة فهو «نتنياهو» الذي وعد المستوطنين وتعهد لنفتالي بينيت في اتفاقه معه على تطبيق مخطط «برافر» لاقتلاع فلسطينيي النقب من قراهم (قانون برافر يقضي بتدمير 30 قرية فلسطينية في النقب,وتهجير ما يزيد على 40 ألفاً من فلسطينييه وتجميعهم في بلدات محاصرة بالمستوطنات، ومن ثم استكمال مصادرة 800 ألف دونم من أراضي النقب). هذا في الوقت الذي رفضت فيه ما تسمى ب «محكمة العدل العليا» «الإسرائيلية» «التماس أهالي قرية» أم الحيران «الذي يطالب بعدم هدمها وعدم توطين مستوطنين في أماكنهم. سيُسكنون المستوطنين الجدد في مستوطنة أنقاض القرية! البعد القانوني لقرار المحكمة (الديمقراطية بامتياز! كما ديمقراطية الكيان المزعومة؟) إن «من حق الدولة التصرف بالأرض». لوحة تبدو أمامنا بفصولها الدراماتيكية الحقيقية، سيكون لها تداعياتها بالمزيد من الويلات والمآسي على شعبنا وأمتنا!

بربكم، هل يمكن إقامة السلام مع هؤلاء؟ هل يمكن التعايش مع هؤلاء؟ هل بقي هناك من يؤمن بنهج المفاوضات مع العدو؟ ألا يلزم لمكافحة هؤلاء ومجابهتهم كفاحاً مسلحاً من نمط جديد لم يجربه أحد؟ هل يستجيب هؤلاء لنهج التفاوض والمناشدات والتسول والتوسل؟ أسئلة أطرحها برسم المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، وبرسم المسؤولين العرب القادرين على اتخاذ القرارات الصعبة! حيث لن يسمع شكاوينا أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يقول في محكم كتابه: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل»والقائل «وقاتلوا الذين يقاتلونكم».

هل نحلم؟

(الخليج)

اذا خرقت إيران صيغة الاتفاق المتبلور مع القوى العظمى واصرت على الوصول إلى سلاح نووي، ينبغي للرد الاسرائيلي أن يكون معاكسا للخط التقليدي: الا تواصل التهديد بهجوم قصير المنفعة على المنظومة النووية الإيرانية، بل أن تحذر من أن اسرائيل ستعرقل احتفاظ إيران بالاحتكار النووي في الخليج العربي وستساعد السعودية على ان تصل هي ايضا إلى النووي.

تتعارض الفكرة والنهج الدارج، الذي يخيف اسرائيل من رد فعل متسلسل لنووي مصري، تركي وسعودي في اعقاب الإيراني، ككابوس للمخططين الاستراتيجيين في القدس وفي تل أبيب (وكذا في واشنطن). نقطة المنطلق المختلفة للبحث تفتش عن مبرر يقنع الإيرانيين من أنه من المجدي لهم ان يمتنعوا عن الوصول إلى سلاح نووي. فالمحفز، او سلة المحفزات، التي في مركزها حتى الان العقوبات الاقتصادية (ورفعها). صحيح أن التهديد الاسرائيلي والأمريكي بالعمل العسكري لا يزال على حاله، ولكن مصداقيته التنفيذية والسياسية اشكالية.

لقد نبعت الرغبة الإيرانية في السلاح النووي، والتي ولدت لدى الشاه، لجملة من الدوافع: فكرة القوة العظمى الاقليمية العتيقة والفخورة، رمز المكانة، والتخوف من التخلف في السباق. ليس حيال اسرائيل، بل ضد العراق، العدو الملاصق المتحول نوويا هو الاخر. الهجوم الاول على منشأة نووية (الهجوم الذي فشل) كان طلعة لطائرات الفانتوم الإيرانية ضد المفاعل في ضواحي بغداد في تشرين الاول 1980.

لقد ولد السلاح النووي في ثنائيات متكاثرة. اذا كان للأمريكيين ـ فالسوفييت ملزمون بان يحصلوا عليه، وعندها فان هذا حيوي للصينيين ايضا، الذين يخافون من السوفييت، والنووي الصيني يستوجب من الهند أن تتزود بمنظومة متوازية، مما يستدعي النووي الباكستاني ايضا؛ واذا كان الأمريكيون يتعاونون مع البريطانيين، فينبغي للفرنسيين هم ايضا الا يتنازلوا عن النووي المستقل.

السؤال الاساس هو، متى اغلق النادي. كل مرشح جديد يدق أبوابه يريد أن يكون الاخير وكفى. وما أن يكون في الداخل، حتى يكون مريحا له ان يتبنى معارضة الاعضاء القدامى لمزيد من الاعضاء. لا تزال هذه هي الحجة الاساس لنظام الميثاق ضد الانتشار النووي، منذ ان كان احد الجهود الاساس لادارتي جون كندي وليندون جونسون في 54 سنة منذ تأسيسه: اغلاق النادي والرقابة على من اختاروا ان يكونوا معفيين من حقوقه وواجباته معا ـ الهند، الباكستان، اسرائيل ـ وكذا الاشراف على من في داخله ولكنه يحاول الاثقال على الادارة ـ إيران، العراق، كوريا الشمالية وفي فترات سابقة كوريا الجنوبية، تايوان وجنوب افريقيا.

وقد تحقق احباط السباقات الاقليمية للتسلح النووي حتى الان بوسيلتين: الاتفاق بين متنافسين متساويي القوة (البرازيل والارجنتين)، أو ضمانة أمريكية للدفاع عن الحليف (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان) في وجه عدوان نووي (من جانب كوريا الشمالية أو الصين)، اضافة إلى التزام عام تجاه اعضاء الناتو ممن حبذوا التعفف عن النووي، وعلى رأسهم ألمانيا.

بدون مظلة أمريكية مصداقة، تتضمن الدفاع عن المملكة في مواجهة الخصم الاقليمي الكبير إيران، فان السعودية كفيلة ـ وكان لذلك مؤشرات في السنوات السابقة ـ بالسعي إلى احداث قفزة في المجال المركب للحصول على سلاح نووي وشراءه كمنتج ناجز، ولا سيما من الباكستان. في نظر اسرائيل يعد هذا تطورا سلبيا، ولكن يجب قلب العدسة لنرى الايجابي الكامن في ذلك.

اسرائيل، كمراقبة في لجنة المتابعة للميثاق ضد الانتشار النووي، والتي تنعقد في نيويورك في مداولاتها الدورية، يمكنها ان تعلن انها لن تسمح لإيران بان تحتفظ باحتكار نووي (او احتكار مشارك معها، على حد رواية وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف)، بل ستعمل على توسيعه وستساعد السعودية على الوصول إلى وضع متساو، سواء بالكف عن الفعل، أي دون العمل ضدها، ام بالفعل. وهكذا ستكون طهران طالبة بان تعيد النظر في جدوى جهودها. وستقف امام خيار جديد: فالاستثمار الهائل سينعدم، لانها لن تكون وحدها في الفرع الاقليمي للنادي ـ إن لم يكن تجريد من السلاح ـ فتجرد منه.

هآرتس

يعرب الكثيرون الان عن الشك في قدرة بنيامين نتنياهو على ادارة حكومة يدعمها 61 نائبا فقط. فباغلبية طفيفة كهذه، كما يعتقدون، لا يمكن عمل شيء. يدا رئيس الوزراء مكبلة. هذه رؤية مغلوطة، ولا سيما في مرآة التاريخ. الحكومة لن تفعل شيئا لانها تعطل نفسها، الاحزاب الاعضاء فيها ليست منسجمة ولا يقف على رأسها زعيم ومدير حقيقي، ذو رؤيا وطريق. أما التاريخ فيدل على أن قرارات دراماتيكية، تغير وجه العالم، اتخذت بفارق صوت واحد. فالزعامة المصممة قفزت من فوق هذا العائق وتغلبت عليه.

في 1941، عندما احتلت اوروبا امبريالية هتلر، بقيت بريطانيا شبه وحيدة في صراعها ضد ألمانيا. وكانت الرأي العام في الولايات المتحدة يميل إلى الحيادية العاطفة، وفقا لعقيدة مورنو وليس للتدخل الحقيقي. وجاء الرئيس فرانكلين دلانو روزفيلد فبادر إلى حملة «أقرض وأجر»، والتي اقرض فيها لبريطانيا عتادا عسكريا متنوعا وضروريا. وعندما توجه هتلر نحو روسيا، ادخل روزفيلد الاتحاد السوفييتي ايضا في خطة المساعدة هذه.

واجاز روزفيلد قانون المساعدة في الكونغرس باغلبية فارق صوت واحد. وانطلقت حملة هزيمة النازية إلى طريق بفارق صوت واحد. ويلي براندت كان مستشار ألمانيا في سنوات 1969 ـ 1974 وخلافا لاسلافه في المنصب سعى إلى تبديد التوتر مع العالم الشيوعي ومع المانيا الشرقية. ورفض «عقيدة هولشتاين»، والتي كانت تقول ان من يقيم علاقات دبلوماسية مع المانيا الشرقية ستقطع علاقاته مع المانيا الاخرى. وكجزء من سياسته اعترف براندت في 1970 في حدود بولندا كما تصممت بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك القسم الذي اسكن بالالمان في الماضي.

وهكذا خلق الصدع الاول في سور برلين، رغم مرور سنوات حتى سقوطه التام. قراره التاريخي اجازه براندت في البوندستاغ باغلبية صوت واحد فقط. ما الذي يمكن ان نتعلمه من النماذج التاريخية؟ يمكن ان نتعلم بان سياسة حكيمة، متوازنة وتنظر إلى البعيد تنجح في التحقق حتى بفارق صوت واحد، اذا كانت توجد قدرة قيادية، ثقة جماهيرية، ومعسكر مؤيدين متبلور ليوم الامر.

ليس لنتنياهو شيء من كل هذا. فهو لا يتميز بشخصية المهام، المشاركة والحاسمة. وبخلاف معظم رؤساء الوزراء في اسرائيل في الماضي، يبدو كزعيم عديم الهدف، هدفه البقاء والحفاظ على ما هو موجود بكل ثمن، حتى بثمن منح حقيبة العدل للنائبة التي تتحدى النظام الديمقراطي، فصل السلطات واستقلالية المحكمة العليا.

المشكلة التي نقف امامها ليست مشكلة الاغلبية الطفيفة فقط. من تجربتي في الكنيست اعرف بان الائتلاف المتبلور والذي توجد له مهامة قادر على اداء وظيفته. ولكن ليس مع الغام مثل بتسليئيل سموتريتش واوري ارئيل، وليس مع رئيس وزراء يتحدث عن وحدة الشعب ويضع امام مدخله قنابل الصوت في وزارتي التعليم والعدل.

لقد جلب نتنياهو على نفسه هذه الحكومة. فلو كان حدد موعدا لانهاء المفاوضات واعلن بانه اذا لم يتمكن من تشكيل حكومة فانه سيبادر إلى انتخابات جديدة ـ لحسن الاوراق التي في يده. واضح ان في مثل هذه الخطوة خطورة، ولكن الاحتمال كان سيكون أكبر، وهكذا كان الاصوليون سيخرجون ونصف ما يريدون في ايديهم، ناهيك عن قدرة المساومة لدى نفتالي بينيت، بغياب بديل لرئيس الوزراء.

صحيح، ليس لدينا روزفيلد ولا براندت ولكن قالوا انه يوجد لدينا رئيس وزراء هو ساحر حقيقي. وهذا الساحر جلب علينا وعليه هذه الحكومة البشعة.

هآرتس

من جرد القلمون «اللبناني» سيسلك التمديد الثاني في قيادة الجيش طريقه الى التنفيذ. هذه ليست انطباعات بقدر ما يقول مطلقو هذه المعادلة انها حقيقة يحاول الجميع تجنّب إعلانها صراحة!

وفي موازاة طبول الانتفاضة التي تقرع في الرابية، ثمّة مسار يشير اليه العارفون تحكمه قراءة هادئة ستفضي بالنهاية الى جعل العماد ميشال عون، وبعد ان رفع السقف كثيرا بشأن الاحتمالات الممكنة في مواجهة التمديد، ان يفتّش عن مخارج تبقيه لاعبا مؤثرا في إدارة التوازنات وليس متّهما بتفجير ستاتيكو رسمته التوافقات الاقليمية مذ ابصرت حكومة تمام سلام النور.

في الاسابيع الماضية، وبموازاة مضيّ الفريق العوني بالتلويح بخيارات قد تقلب المعادلات ردّا على توقيع وزير الدفاع قرارا إداريا يتيح تأجيل تسريح العماد جان قهوجي للمرة الثانية، برز معطى حسّاس عكسه على التوالي عون في إطلالته في 28 نيسان الماضي من منبر «التكتل» بعد صمت طويل، وثم خلال زيارة وزير الخارجية جبران باسيل الى الضنية يوم الاحد. الاول اشار الى احتمال الطعن بكل تواقيع قائد الجيش لان تعيينه غير شرعي. والثاني إعادة تأكيده بأن لن يكون هناك جيش من دون قيادة شرعية.

الرسالة الموازية في كلام باسيل الاشارة علنا من جانب الرابية، للمرّة الاولى، بأن القبول بـ «التكامل» (على مستوى فريق سياسي او شخص) بين رئاسة الحكومة وقيادة قوى الامن الداخلي لدى السنّة، وبين رئاسة مجلس النواب ومديرية الامن العام لدى الشيعة، يجب ان لا يُحجَب لدى الموارنة (لدى الفريق المسيحي الذي يتمتع بالصفة التمثيلية الاوسع)، في إشارة واضحة الى ان احتمال تعيين العميد شامل روكز قائدا للجيش لا يلغي حق عون نفسه بالرئاسة.

في هذا السياق، ثمّة من بدأ يطلق في الرابية تلميحات جدّية بأن الردّ لن يكون فقط على مستوى الحكومة، وبأن الكرة ستوضع في ملعب قهوجي نفسه لناحية إعداد «جردة حساب» قد «يفجّرها» عون في اللحظة الاخيرة!

على الضفة الاخرى، تبدو الامور أهدأ بكثير. كان لافتا للانتباه أن من التقى قائد الجيش مؤخّرا لاحظ أنه لم يغادر هدوءه وأنه يصر على تثبيت معادلة رفض المس بها منذ اللحظة الأولى لتحمل المسؤولية، ألا وهي معادلة ابعاد الجيش عن التجاذبات السياسية ومنع السياسة من الدخول الى المؤسسة العسكرية، وأنه اذا في يوم من الأيام سيغادر المؤسسة مرتاح البال لأنه تمكن من تثبيت هذه المعادلة في أصعب مرحلة واجهها الجيش اللبناني بعد الطائف.

ونقل زوار قهوجي عنه أنه لم ولن يفاتح أحدا بالرئاسة ولا بالتمديد، بل سيستمر بالقيام بواجباته الوطنية من زاوية حرصه على حماية بلده وشعبه لا من زاوية التعلق بمنصب أو الطموح لمنصب آخر، ويردد أنه في مواجهة وضع سياسي وأمني مفصلي وحسّاس لبنانيا واقليميا، علينا أن نضع الاعتبارات الفئوية جانبا وأن نغلب الاعتبارات الوطنية على ما عداها.

غالبا ما سئل العماد قهوجي، وفق العارفين، عن الاسماء التي يراها مناسبة لتولي قيادة الجيش بعده. من دون تردّد، كان قهوجي يذكر أسماء بضعة ضباط موارنة من أصحاب الكفاءة والخبرة الميدانية الذين لا غبار عليهم، بينهم قائد فوج المغاوير العميد شامل روكز الذي تلقى نصائح من العماد قهوجي بعد معركة عبرا طلب منه فيها توخي الحذر وتعزيز إجراءات حمايته.

لكن الدائرة الضيقة المحيطة بقهوجي تنقل استياء عارما من التداول المكشوف بموضوع قيادة الجيش من دون ضوابط، بما يعرّض المؤسسة لسياسة الابتزاز وشدّ الحبال وإرسال رسالة خاطئة للخارج في أصعب مرحلة يواجهها الجيش منذ اتفاق الطائف.

يتصرّف قهوجي على أنه قائد جيش حتى 23 ايلول، واي تغيير على مستوى التمديد او التعيين سيلتزم بموجباته. يضيف المتحمسون أن تعيين اي قائد جيش جديد، مهما كان اسمه، سيفرض حدوث مرحلة انتقالية قد تطول يتعرّف من خلالها، الضابط المعيّن في مجلس الوزراء، على تفاصيل الميدان، خصوصا في ما يتعلّق بملف الارهاب والتحكّم بالعسكر والادارة، العنصران الاساسيان في المؤسسة العسكرية، وهو ترف سياسي غير متاح، برأيهم، في ظل وجود لبنان في عين عاصفة الارهاب.

وعليه، يجزم هؤلاء ان التعيينات قدر لا مفرّ منه، وستشمل في هذه الحال أيضا رئيس الاركان اللواء وليد سلمان. أما داخل المؤسسة فثمّة ضباط كبار سيحالون تباعا الى التقاعد هذا العام بينهم نائب مدير المخابرات العميد عبد الكريم يونس ورئيس فرع مخابرات الجنوب العميد علي شحرور وكلاهما في الاول من تموز. وسيصار الى إصدار تشكيلات يتمّ بموجبها ملء الشواغر بعد ان وصل اقتراح رفع سن التقاعد للضباط واقتراح تأجيل تسريح عدد محدود من الضباط الى الحائط المسدود.

وقد صدرت مذكرة خدمة مؤخرا ضمن المؤسسة طلب فيها من الضباط العمداء، حفاظا على حقوقهم، الاستفادة من إجازاتهم المتبقية لهم مع قرب إحالتهم الى التقاعد. وهذا يعني ان عددا من الضباط، بينهم قادة ألوية وأفواج، بإمكانهم من الآن المكوث في منازلهم قبل ان يحين أوان التقاعد.

(السفير)