Get Adobe Flash player

 

في تعامل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الغرب ومع العقوبات التي فُرضت عليها على مدى عقود، أسقطت كلّ الذرائع التي يتذرّع بها الكثير من العرب لعدم قدرتهم على إحداث تقدم نوعي في بلدانهم على مدى عقود، فقد عانت إيران من حرب اقتصادية شرسة شنّها الغرب عليها، وحصار قاتل ومحاولات شيطنة وعزل. ولا يستطيع أحد أن يُنكر أن التفاهم الذي توصّلت إليه مع القوى الغربية في الثاني من نيسان 2015 كان انتصاراً حقيقياً للشعب الإيراني برمّته واعترافاً أكيداً من قبل الغرب بندّية إيران واحترامها كعضو في النادي الدولي وكقوة إقليمية لا يُستهان بها، بل ولا يمكن تجاوزها في تحديد مستقبل المنطقة وهويتها. لقد عبّر الرئيس أوباما عن فرحته واعتزازه بالتوصّل لهذا الاتفاق حتى على حساب تفاهماته مع الكيان الصهيوني. وعلّها المرة الأولى التي يقف فيها رئيس الولايات المتحدة ينساب من بين كلماته احترام للطاقات الإيرانية، بينما يوضح الخلافات بينه وبين رئيس وزراء الكيان حول تقييمهما لدولة إيران ودور إيران.

أن تتمكن إيران التي فاوضت بصبر وثبات وذكاء من تعميق هذا الشرخ بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فهذا بحدّ ذاته شرف وإنجاز لا يُستهان به على الإطلاق. أما أن يُصرّ رئيس الولايات المتحدة أنّ الغرب تمكّن من منع إيران من إنتاج قنبلة نووية، فقد صرّحت إيران مراراً وتكراراً، وأصدر آية الله خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتوى بتحريم السلاح النووي قبل أن تصل هذه المفاوضات نقاطها المفصلية، ولكن لا بأس من أن يتمّ استخدام هذا الإنجاز ذريعة لإقناع الشعوب الغربية أنّ ما تحقق هام، ولتأمين مخرج للدعايات الكاذبة التي كانت تشنّها الدوائر الصهيونية في الغرب والتي أكّدت، وعلى مدى عقود، على اقتراب إيران من إنجاز قنبلة نووية، وقد حدّد الكثيرون في الكيان الصهيوني أكثر من مرّة مواعيد وأوقاتاً لإنتاج هذه القنبلة ما لم تتدخل القوى الغربية لوضع حدّ لجموح إيران النووي ولو بالقوّة العسكرية. والحقّ يُقال، فإنّ الرئيس باراك أوباما قد أظهر صلابة واستقلالية وتفكيراً أمريكياً مستقلاً في بعض جوانبه عمّا أراده وسعى إليه الكيان الصهيوني، ومن هنا انبثقت إمكانية التوصّل إلى تفاهم مع دولة لا تقبل أن تنتج السلاح النووي ولكنها تطمح أن تمتلك كلّ الأدوات المعرفية لبرنامجها النووي السلمي كي تكون في مصافّ الدول المتقدمة علماً ومعرفةً وتقنيةً وتطوراً وازدهاراً.

وقد كان الوصول إلى هذا الحدّ من المعرفة العلمية هو بيت القصيد من كلّ العقوبات التي صدرت بحقّ إيران لأن الغرب يريد أن يحتكر إنتاج المعرفة لنفسه ويحوّل كلّ الآخرين إلى زبائن ومستهلكين، إلا أنّ المستوى الذي وصلت إليه إيران في العلوم النووية، ومستوى جامعاتها وعلمائها وأبحاثها العلمية قد فرض نفسه على الغرب، ولم يعد الغرب قادراً على إيقاف هذا المسار، فقرّر الاعتراف به والتصالح معه، وربما الاستفادة منه، ولو بعد حين. فقد نشرت دوائر غربية أرقاماً مذهلة عن تطوّر البحث العلمي في إيران في العقد الأخير وعن المستوى الرفيع الذي وصلت إليه جامعاتها وعن الأبحاث المدهشة التي نافست الأبحاث الصادرة عن أهمّ الجامعات الأمريكية.

السؤال هو كيف تمكّنت إيران من فعل كلّ ذلك رغم كلّ الصعوبات التي وضعت في طريقها؟ الجواب سهل وصعب في آن. الجواب سهل لأن الإيرانيين في إيران وفي كلّ أصقاع الأرض انحازوا لإيران حتى حين لم يعجبهم شكل الحكم أو أشخاصه، فقد كان ولاؤهم لإيران وعزّة إيران وقدرات إيران مطلقاً وفي جميع الأوقات والأزمان. والجواب سهل لأن الطريق الذي سلكته إيران هو طريق العلم والمعرفة والعدل، ومثل هذا الطريق لا يمكن إلا أن يؤدي إلى النتائج السليمة. إذ أن الأوطان تبنى من الداخل والاستثمارات الحقّة لا يأتي بها المال الخارجي، بل يقوم بها أبناء البلد أنفسهم. إنّ ما توصّلت إليه إيران يدعو إلى التساؤل عن كلّ النظريات التي تمّ الترويج لها في عالمنا العربي من رأس المال الأجنبي، ومن الاعتماد على الآخر، ومن الاقتتال بين أبناء العرب لتغيير شكل الحكم، متناسين أنّ الأوطان هي التي تنزف. في كلّ مفصل من مفاصل الحكم درست إيران التجارب الغربية وأقلمت ما يناسبها منها لمصلحتها. هل فات الوقت أن يدرس العرب تجارب الغرب وتجربة إيران في بناء الأوطان كي نصبح أمة عزيزة تحت الشمس؟ كم تتوق أجيالنا الشابة إلى مثل هذا الدرب.