Get Adobe Flash player

 

تسعى موسكو إلى عقد جولة جديدة من الحوار حول الأزمة السورية في 6 نيسان المقبل، رغم عدم تحقيق أيّ نتائج تذكر في الجولة الأولى من الحوار في موسكو، شأنها شأن جولات جنيف، لأنّ الدول التي انخرطت في الحرب على سورية تتوزع الآن بين مجموعة تصرّ على مواصلة الحرب بمعزل عن مخاطرها وتداعياتها، ومجموعة أخرى لم تصل بعد إلى مراجعة السياسة القديمة وتقف مرتبكة إزاء اعتماد خيار الانسحاب في هذه الحرب.

وقد رحبت دمشق على أعلى المستويات من جديد بالجهود التي تبذلها موسكو لعقد جولة جديدة من الحوار، وقرّرت دعم الجهود الروسية مع التأكيد على أنّ أيّ انفراج أو حلّ للأزمة في سورية يبدأ بتغيير مواقف الدول التي تقدّم الدعم للجماعات الإرهابية بأشكاله العسكرية والمالية والإعلامية والسياسية.

لكن لماذا تصرّ موسكو على عقد اجتماع جديد رغم معرفتها بعدم توفر شروط نجاحه، إنْ لجهة حدوث أيّ تغيير في مواقف الحكومات الغربية، أو لجهة إعلان الائتلاف المعارض الذي يمثل الدول والحكومات المنخرطة في الحرب على سورية مقاطعة لقاء الحوار في موسكو.

لا شك أنّ لموسكو حسابات هي التي تجعلها تصرّ على عقد هذا الاجتماع من دون ضمان نجاحه بشكل مسبق، أو على الأقلّ توفير الحدّ الأدنى من فرص نجاحه، وفي مقدّمة هذه الحسابات، أنّ الديبلوماسية الروسية بشكل عام وليس إزاء الأزمة في سورية تعتمد على خيار ملازمة المسار السياسي مع المسار الميداني، أو a الحلّ والتسوية مع مسار المواجهة الميدانية، هذا ما تعتمده روسيا في أوكرانيا، وبديهي أن تعتمده في سورية، فعلى الرغم من استمرار فرض العقوبات على روسيا، واستمرار الحكومات الغربية في تقديم الدعم للحكومة الأوكرانية، إلا أنّ روسيا لم ترفض خيار المفاوضات والديبلوماسية، رغم كلّ هذه الاستفزازات، وتنطلق الحسابات الروسية من اعتقاد بأنّ الأزمات في النهاية تنتهي باتفاقات سياسية، وحتى لو لم تحدث مثل هذه الاتفاقات أو التسويات، فإنّ المسار الديبلوماسي لا يتعارض مع المسار الميداني، بل يعززه من خلال تقديم روسيا وحلفائها بأنهم دعاة حوار وحلول سياسية، والمسؤولية في فشل مثل هذه الخيارات تقع على الذين يعتمدون الخيارات الأخرى.

في ضوء هذه الحسابات لا يحتلّ نجاح أو فشل أيّ حوار أو أيّ مبادرة إزاء أيّ أزمة، سواء كانت الأزمة السورية أو الأوكرانية، أية أهمية في الحسابات الروسية طالما أنّ هذه هي الفلسفة التي تعتمدها الديبلوماسية الروسية.

عقد مؤتمر جديد للحوار حول الأزمة السورية بمبادرة من موسكو لا تترتب على فشله أيّ نتائج سلبية، ولكن في حال نجاحه، ومهما كان هذا النجاح محدوداً، فإنّ تبعاته الإيجابية مفيدة، انطلاقاً من هذه الحسابات، فالحوار من وجهة نظر موسكو ليس هدفاً بحدّ ذاته وليس حواراً من أجل الحوار، بل الحوار يعزز العمل الميداني إذا لم ينجح، وإذا نجح يوفر المزيد من الأعباء على الأعمال الميدانية.

(البناء)