توجّهت الأمم المتحدة إلى فرنسا بنداءٍ لإنقاذ المسيحيين في المشرق، سورية والعراق، من الإبادة الجماعية التي تستهدف تراثهم ووجودهم كسكان أصليين في المنطقة، إذ عُوّم هذا الملف مرةً أخرى على خلفية احتلال «داعش» قرى الخابور في سورية وتهجير سكانها من الآشوريين.

الحملة الإعلامية حظيت بتغطية لا بأس بها، وسُلّط الضوء فوراً على الوجود الآشوري السوري في المغترب باعتباره ملجأً حتمياً لمن غادر قرى الخابور بسورية ومن دون رجعة. في العراق لا يختلف الوضع كثيراً فقد انخفض عدد السكان الأصليين في سهل نينوى والموصل منذ الغزو الأميركي ثم «الداعشي» بمقدار 90 في المئة، بينما بقي 10 في المئة من المسيحيين الكلدان في مناطق النفوذ الكردي في ما يسمى «كردستان العراق»، والتي تم العمل عليها باعتبارها منطقةً للتعددية والديمقراطية والتسامح، مع أن التقارير الواردة من العراق تشير إلى معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية لا حقوق انتخابية لهم ولا تمثيل بعد تحوّلهم إلى رعايا تحت الحكم الذاتي للأكراد.

اليوم، ومع طرح الورقة الكردية في سورية والعراق باعتبارها أحد أسس محاربة «داعش»، وإحدى أوراق القوة لتحالف أوباما، تقود فرنسا حملةً مزدوجة الأهداف، أولاً لتسليح الأكراد والضغط على الاتحاد الأوروبي، والثانية لربط ملف المسيحيين العراقيين، ثم بعض السوريين بمصير الأكراد وأحلامهم المؤجلة بإقامة وطن قومي لهم على أراضي سورية والعراق، تفتيتٌ للهوية الوطنية يضع المسيحيين العراقيين تحديداً تحت الوصاية الكردية، هذا ما قاله برنار هنري ليفي منظّر «الربيع الأميركي» والموقف الرسمي الفرنسي منه في لقاء أجرته معه «لوفيغارو» على خلفية زيارة وزير البيشمركة العراقي وعدد من المسؤولين العسكريين الأكراد إلى فرنسا ولقائهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في الإليزيه، فالمدخل بحسب ليفي لمنع إبادة المسيحيين وتهجيرهم، ولهزيمة «داعش» هو تسليح الأكراد «لأنهم يقاتلون «داعش» على الأرض، ولأنه إذا كان هناك فرصة لاستعادة الموصل، ستكون بهم ومعهم. ويحاول ليفي قطع الطريق على التحفظ الأوروبي في ما يخص ملف تسليح الأكراد، وسط مخاوف بعض الدول الأوروبية من وقوع الأسلحة بالأيدي الخاطئة كما حصل في سورية، بالقول «هذ هي المرة الأولى التي أشعر بها بقليل من الشكوك حول إمكانية استخدام هذه الأسلحة ضدنا، الأكراد ليسوا فقط حلفاء بل تجمعنا بهم قيم مشتركة كالعلمانية والمساواة بين الجنسين»، ولا يتوقف طموح ليفي وتنظيره عند هذا الأمر، بل يربط عضوياً بين دعم الأكراد وبقاء المسيحيين في الشرق: «لا يوجد إلا الكرد يستطيعون مساعدة مسيحيي الشرق، علينا أن نساعد الأكراد لكي يعود مسيحيو الموصل، وعلى فرنسا تأمين المساعدة العسكرية للبيشمركة».

من الواضح أن ملف تسليح الأكراد وتطوير العلاقة معهم قد وُضِعَ على السكة الأوروبية برغبة فرنسية وغطاء أميركي لا يمكن إغفالهما، وسط تحفظٍ من دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين يتعدى المخاوف من وقوع الأسلحة في الأيدي الخطأ إلى مراعاة تركيا، والخوف من ترسيخ تقسيم العراق، فضلاً عن تداعيات الصراع الأوكراني الذي يحتل أولوية الأولويات لدى الدول الأوروبية، لكن لفرنسا رأياً آخر عبّر عنه وزير الخارجية لوران فابيوس بالقول: «علينا مساعدة الأكراد وتوفير وسائل المقاومة والقتال ضد الجهاديين»، موقفٌ وجد صداه في تصريحات لما يسمى وزير البيشمركة في حكومة البرزاني في باريس تعهّدَ فيها «بسحق داعش بنهاية السنة» إذا تمت الموافقة على تسليح المقاتلين الكرد، وبين هذا وذاك يدخل المعطى المسيحي على الملف الكردي لمنحه المزيد من عوامل القوة، مقابل إلغاء قومية مسيحيي الشرق وصهرهم إما في دول المهجر، أو في قومية تسعى إلى تفتيت المنطقة عبر دولة حلم تعادل مساحتها مساحة الدولة العراقية قبل الغزو الأميركي لها.

(البناء)