وضعت السعودية صراحةً وعلى لسان الناطقين العسكريين باسم حملتها العسكرية، هدف اقتلاع الحوثيين لحربهم على اليمن. فهل تنجح الحملة العسكرية التي بدأتها دول التحالف الجديد بقيادة السعودية في تحقيق هذا الهدف المعلن؟

إذا استمرّت الحملة في إطار القصف الجوي، فإنها لن تحقق أيّ شيء على الإطلاق قياساً إلى كلّ التجارب في المنطقة وعلى مستوى العالم، تجارب خاضتها جيوش وتحالفات أقوى وأوسع من التحالف الذي تقوده السعودية اليوم.

تجارب «إسرائيل» في لبنان وفي غزة، وقبلها تجارب «الناتو» والتحالف الغربي في يوغسلافيا وباكستان والعراق شواهد لا تدحض. لا تستطيع السعودية حشد قوات جوية أكثر تطوراً في القدرات الجوية من القوى حشدتها الولايات المتحدة ضدّ «داعش» في سورية والعراق، ومعروف أنّ أيّ تقدّم ضدّ «داعش» في هذين البلدين حصل فقط في المناطق التي شهدت معارك برية.

أما إذا كانت السعودية تراهن على حشد قوات برية والبدء بغزو بري في وقت لاحق، أيضاً لن تكون قادرة على القضاء على الحوثيين، حتى لو كان هؤلاء وحدهم يقاتلون التحالف الذي تقوده السعودية. ففي لبنان عام 1982 غزا الجيش «الإسرائيلي» لبنان ولن تقاتله منظمة التحرير التي فضّلت الانسحاب إلى البقاع وإلى تونس وإلى اليمن، ولكن عندما نهضت المقاومة اللبنانية، التي كان مؤيدوها محصورين في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، تمكنت هذه المقاومة من دحر الاحتلال الذي كان مدعوماً من السلطة اللبنانية في ذلك الوقت، وكان الجيش اللبناني ينسّق مع قوات الاحتلال، وكان عدد القوات «الإسرائيلية» التي تحتلّ لبنان تقدّر بحدود 80 ألف جندي، ونجحت المقاومة في التصدّي لقوات «الناتو» التي كانت تنتشر في بيروت وعلى سواحلها وحطمت أسطورة البارجة البحرية الشهيرة «نيوجيرسي» هذا علماً أنّ مساحة لبنان محدودة بالمقارنة مع مساحة اليمن وعدد سكانه أقلّ بكثير من عدد سكان اليمن.

في العراق نجحت المقاومة التي كانت تضمّ أعداداً محدودة من سكان الأنبار والمتعاطفين معها في بغداد والجنوب في استنزاف قوات التحالف الغربية، ولم تتمكن الجيوش الغربية من قهر المقاومة والسيطرة على العراق على الرغم من أنّ الولايات المتحدة وحدها حشدت 140 ألف جندي، إضافةً إلى عشرات آلاف الجنود من بريطانيا وغيرها من الدول الحليفة التي شاركت في احتلال اليمن. وقد نجحت المقاومة على الرغم من أنّ كلّ دول المنطقة، باستثناء سورية، أيدت ودعمت ما عرف بالعملية السياسية التي كان يقودها الاحتلال الأميركي بعد احتلال العراق، فهل الحوثيون أقلّ إقداماً من نظرائهم في المقاومتين اللبنانية والعراقية؟ أبداً التجارب السابقة، وحتى تجربة السعودية مع هؤلاء الثوار في جولة عام 2009 أكدت أنهم شجعان ويمتلكون القدرة على إلحاق الهزيمة بمن يريد القضاء عليهم وعلى تطلعاتهم.

كما أنّ تجربة أفغانستان تصبّ في الوجهة ذاتها، فحركة طالبان المحرومة من أيّ دعم دولي وإقليمي، يوازي الدعم والتفهّم الذي تحظى به حركة أنصار الله، نجحت في قهر «الناتو» الذي يستجدي اليوم، وبعد مرور أكثر من 13 عاماً على الاحتلال، التوصل إلى تفاهم معها.

هكذا من يراهن على قهر الحوثيين، يراهن على السراب ويحرث في البحر.

(البناء)