Get Adobe Flash player

 

ليس مستبعداً أن يحفظ التاريخ المعاصر يوم 25 آذار 2015، كمعلم يدل على إنعطافة جديدة نهائية، أو بالأحرى ما قبل النهائية، نحو طي صفحة دون أن يكون بالإمكان في الراهن، تصور ماذا سيكون عليه المستقبل. في هذا اليوم إشتعلت حرب أخرى في بلاد العرب، توجد أوجه شبه كثيرة بينها وبين الحرب التي وقعت تحت عنوان «عاصفة الصحراء» بحجة تحرير الكويت من «الإحتلال العراقي». العنوان هذه المرة «عاصفة الحزم»، والحجة هي تحرير اليمن من «الحوثيين».

من المحتمل أن يكون آل سعود قد إنصاعوا لنصائح مستشاريهم وقرروا إعتبار «الحوثيين» غير يمنيين. لن أناقش هنا الترهات التي تصدر عن الكتبة الذين تطوعوا في جيش آل سعود للدعاية والكذب والخداع. أقتضب فأقول أن «الحوثيين» ليسوا بنظر آل سعود يمنيين لأنهم إرتبطوا بعلاقة سياسية وربما تكون عقائدية أيضا، بإيران.

لماذا لا يحق «للحوثيين» الإتصال بالإيرانيين دون إذن من آل سعود؟ لا إجابة منطقية على سؤال كهذا. إنه قانون السلطة في بلاد الإسلام التي تأسر الدين وتتصرف به كما لو كان إمتيازا بيد الشعب المختار ! من المعروف أن اللبنانيين الذين إحتل الإسرائيليون أرضهم في سنة 1982 إرتكبوا أيضا « خطيئة» التحالف مع الإيرانيين. ما حمل آل سعود وأنصارهم في لبنان على التشكيك في وطنية هؤلاء اللبنانيين الذين تصدوا لمقاومة إحتلال المستعمرين الإسرائيليين حتى أجبروهم على الإنسحاب من الأراضي اللبنانية دون إتفاقية في كامب دافيد أو في أوسلو.

أكتفي بهذه التوطئة تمهيداً للعودة إلى موضوع المحور الذي ظهر في 25 آذار 2015، تحت زعامة آل سعود الشكلية، الذين أعلنوا بدء حرب تحرير اليمن من «الحوثيين». اللافت للنظر أن جميع المراقبين يتفقون على القول ان هذه الحرب لم تكن مفاجئة، اللهم إلا من حيث التوقيت. إذ أن البعض كان ينتظرها بعد إنعقاد مؤتمر قمة دول محور آل سعود في 28/5/2015، في شرم الشيخ. الدليل على ذلك أن سفناً حربية أميركية وفرنسية وبريطانية كانت قد حولت منذ شهر كانون الثاني الماضي، وجهتها نحو بحر العرب وأنها تجمعت في المدة الأخيرة قبالة السواحل اليمنية، حيث وضعت هذه السفن تحت قيادة أميركية.

مجمل القول، أن القوة العسكرية المشتركة للـ»محور السعودي» أنشئت قبل القمة في شرم الشيخ، وانها بادرت إلى الهجوم والعدوان على اليمن دون تفويض من مجلس الأمن، كمثل الحرب على العراق في سنة 2003. أما جامعة الدول العربية وأمينها العام، أي «نبيلها العربي»، فحدث عنهما ولا حرج! السؤال الذي ينهض هنا هو : لماذا «كان لهم على شرم الشيخ لدعم العار مؤتمرٌ»؟ أمن أجل :

ـ القوة المشتركة: وهي بالمناسبة ليست عربية خالصة. لقد إنضمت إليها تركيا والباكستان. لم يتطلب تشكيل هذه القوة مؤتمراً كما نستنتج من كون الأخيرة سبقت المؤتمر وبادرت إلى الحرب على اليمن. يحق لنا إذن أن نقول إن قمة شرم الشيخ، بحثت في الخطوات التالية، بعد مرحلة التمهيد بواسطة القصف الجوي، أي في موضوع الهجوم البري!.

لم يجد الغزاة الأميركيون في العراق القنابل الذرية !. فهل سيجد محور آل سعود في اليمن، القوات الإيرانية ؟ حتى نقتنع بأن اليمن كان تحت الإحتلال الفارسي؟! أم أن آل سعود سيعترفون، كمثل رئيس وزراء بريطانيا بعد حرب العراق، الذي زعم أنه اضطر إلى الكذب خدمة للسلم في العالم؟

وفي سياق آخر، لا مفر من السؤال أيضا، عن مستقبل هذه القوة المشتركة الخليجية المصرية التركية والباكستانية. هل ستنتهي مهمتها بعد تحرير اليمن، على إفتراض أن اليمنيين كانوا بحاجة لآل سعود لينتزعوا حريتهم ويقرروا مصيرهم. أم أنها ستبقى قوة مشتركة دائمة؟! في هذه الحال لا مفر من الغوص عن المهام التي ستتوكل بها وعن الجهة التي ستتولى تحديد هذه المهام..

يحسن التذكير هنا، لعل في التذكير عبرة لمن يعتبر، بالجهاز الأمني الفلسطيني الذي أنشئ في الضفة الغربية الفلسطينية بإشراف أميركي. علما أن مهمة هذا الجهاز الأساسية هي السيطرة الأمنية على الضفة، نزع السلاح من المقاومين، وملاحقتهم، فضلا عن التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. نحن هنا لا نأتي بجديد. هذه معطيات يعرفها في الضفة الغربية الأطفال الفلسطينيون.

بناء عليه لا أظن أننا نتجنى على أحد إذا طرحنا للنقاش فرضية تفيد بأن دور القوة المشتركة التي أشرنا أعلاه إلى أن مكوناتها مصرية خليجية تركية باكستانية سيكون على الأرجح شبيها بالدور الذي يؤدية الجهاز الأمني الفلسطيني في الضفة إلى جانب السلطة في رام الله.

ـ لا شك في أن المؤتمرين «على شرم الشيخ» إنكبوا أيضا على المسألة السورية. لا أدري إذا كان وزير خارجية آل سعود ما يزال، كمثل وزير خارجية الحزب الإشتراكي الفرنسي، مصراً على نزع الشرعية عن الرئيس السوري. ليس مستبعدا في هذه الحال أن تقوم القوة المشتركة بعد اليمن بعمل ما في سوريا. ولكن يبدو أن الأمور مرشحة إلى أن تتبدل وتتغير بموازة الحرب على اليمن. أفهم هذا من المناقشات التي دارت بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، في مؤتمر شرم الشيخ، حول دعوة الحكومة السورية إلى المشاركة في القمة ! أعتقد أنه علينا الإنتظار بعض الوقت قبل تناول هذا الموضوع !. ولكن من البديهي أن أزمة المنطقة وصلت إلى مفترق. أتذكر طارق عزيز مجتمعا بوزير الخارجية الأميركية أثناء أزمة الكويت. يومها وضع أمام خيارين الإستسلام أو الحرب.

ـ يبقى أن نتساءل في ختام هذا الفصل عن الدور المصري ! عن أسباب إنضمام السلطة المصرية إلى محور آل سعود والمشاركة في الحرب ضد اليمن. قد تظهر في الأيام القادمة معطيات تسلط الضوء على هذه المسألة. ولكن أعتقد أني لا أجانب الصواب في قولي أن القوات المسلحة في مصر هي التي تمسك بالسلطة. وأن هذه القوات تحتل إلى جانب كونها مؤسسة أمنية وطنية، حيزاً واسعاً في المجال الإقتصادي، وتحديدا في الإنتاج الصناعي. بمعنى آخر أن الجيش في مصر يتوكل في الدفاع عن التراب الوطني وعن مصالحه الإقتصادية، كرب عمل، في داخل مصر في آن واحد.

إستنادا إليه لا بد من أن نفحص حرب السلطة المصرية على اليمن من زاويتين: هل أن إرسال الجيش المصري إلى اليمن هذه المرة، غايته الدفاع عن التراب الوطني المصري؟ أم أن مصالح الجيش المصري، بما هو رب عمل، هي التي أملت إقحام هذا الجيش في حرب ضد اليمن وشعبه، رغم أن هذا الأخير شهد إحدى أهم تجليات التجربة الناصرية بعد الوحدة مع سوريا. التي بذل آل سعود كل ما في وسعهم من أجل إفشالها.

مجمل القول وقصاراه أنه كان لهم « على شرم الشيخ لدعم العار مؤتمر»!

(الديار)