Get Adobe Flash player

 

اهتزاز الساحة اللبنانية على وقع الحرب السعودية على اليمن لم يكن مفاجئا لاحد، فالحدث بضخامته كان لا بد ان يترك ارتدادات طبيعية على الواقع اللبناني «الهش» المنقسم على خلفيات سياسية ومذهبية لم تكن تنتظر العدوان السعودي كي يتم تظهيرها، لكن ثمة تقويم جدي قامت وتقوم به جهات فاعلة في فريق 8 آذار للتداعيات المفترضة على الداخل اللبناني، ويمكن القول ان التصنيف المبدئي لتلك المواقف تراوح بين ما هو هامشي وغير مؤثر، وهذا ينطبق على تصعيد النائب وليد جنبلاط، وبين ما يستحق المتابعة لادراك المدى او «السقف» الذي سيقف عنده هذا التصعيد، والمقصود هنا تيار المستقبل، ام التصنيف الاكثر خطورة فيتعلق بما هو ابعد من «التراشق» السياسي، وهنا يمكن الحديث عن «المحظور» الامني.

اوساط متابعة لهذا الملف تشير الى ان مسارعة الرئيس سعد الحريري الى «مباركة» الغارات السعودية على اليمن، وتبني «كتلة المستقبل» لكلام السفير السعودي في بيروت، واعتبار نفسها معنية بالرد على كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، يبقى تحت «السقف» المنطقي الذي تفرضه تبعية «التيار الازرق» للمملكة، لكن ما يستحق المتابعة في الايام والاسابيع المقبلة هو كيفية مواكبة «التيار الازرق» للتطورات والاحداث، فاذا استمرت المواقف على حالها لجهة الاكتفاء بتقديم الدعم الاعلامي «واللفظي» دون الاقدام على محاولة ترجمة ذلك في السياسة، فان ذلك سيكون مؤشرا على استمرار القرار السعودي بتحييد الساحة اللبنانية عن التداعيات الاقليمية، ومن هنا جاءت «الطلقة» التحذيرية من قبل حزب الله لرئيس الحكومة تمام سلام «لضبط» ايقاعه والتأكيد على عدم التسامح مع اي «اندفاعة» غير محسوبة بعد كلمته في مؤتمر شرم الشيخ. وثمة استحقاقين جديرين بالمتابعة لمعرفة طبيعة «التعليمة» السعودية لادارة المرحلة المقبلة، الاستحقاق الاول يتعلق بكيفية مقاربة تيار المستقبل لملف التمديد للقيادات العسكرية، والاستحقاق الثاني يرتبط بالمعركة المرتقبة في القلمون والتي بدأت طلائعها في جبال الزبداني، في الملف الاول ستكون الحكومة على المحك، وفي الملف الثاني ستكون العلاقة مع حزب الله امام اختبار جديد على قدر كبير من الاهمية خصوصا ان عرسال ستكون جزءا من الازمة.

في المقابل لا تتوقف تلك الاوساط كثيرا عند تصريحات النائب وليد جنبلاط «الانتهازية»، ففي خضم المواجهة المفتوحة في المنطقة يصبح الكلام العبثي غير ذات معنى او جدوى لان ترجمته على الارض تعادل «الصفر»، فالدور الذي لعبه «البيك» ابان احداث السابع من ايار بعد ان ورط فريقه السياسي بقرار «نزع» سلاح الاشارة الخاص بالمقاومة، لم يعد قائما اليوم، وقدرته على التأثير في السياق العام للامور ينحصر اليوم «بالثرثرة» وصفصفة الكلام، وهو في هذا السياق يرتكز في مواقفه على خبرته الكبيرة في «اللعب» على «حبال» المواقف السياسية، هذه الخبرة جعلته يدرك ان «خط الرجعة» مع السعودية اصعب بكثير منه مع حزب الله ومحور المقاومة، فالمملكة تتعامل في السياسة «بحقد» وبدوافع شخصية تجعل اصلاح ذات البين شديد الصعوبة، وقد وصلت محاولات «اعادة المياه الى مجاريها»، الى حدود الاذلال، وفي المقابل يتعامل معه الطرف الاخر على انه جزء من «الديكور» او «التراث» اللبناني المطلوب المحافظة عليه حفاظا على التوازنات اللبنانية الداخلية بعد نجاحه في وأد اي محاولة جادة لبروز شخصية درزية يمكن ان تشكل مرجعية صالحة لخلافته. جنبلاط يدرك ان محور المقاومة لن «يكسر الجرة» معه طالما ان الاذى الذي يسبب به لا يترك مفاعيل جدية على الارض، ومن هنا فانه يتعامل مع التطورات في سياق استراتيجية «انتهازية» دون دفع اثمان مهما كانت هوية الرابح في المواجهة الدائرة، فاذا مال ميزان القوى لصالح المحور السعودي فهو اعلن تموضعه مسبقا ويمكنه المطالبة بقبض الثمن، واذا فشل رهانه الجديد فهو يعول على «القلب الكبير» لحزب الله، وبشكل خاص على حكمة السيد حسن نصرالله في التعامل مع الملفات المحلية، ولديه اطمئنان ان فريقا سياسيا يضم رئيس مجلس النواب نبيه بري ليس بوارد اقصائه سياسيا، وعندما ينقشع غبار المعركة يكفيه عندها الاعتراف مرة جديدة بانه مر «بساعة تخل» وغرق مجددا «بلعبة امم» أكبر منه»، «وكان الله يحب المحسنين».

في المقابل تؤكد اوساط مطلعة على «قراءات» «البيك»، ان ثمة رهان لديه على استمرار التفاهم الضمني الدولي والاقليمي على تحييد لبنان عن صراع المنطقة وعدم انزلاقه الى اتون الحروب الدائرة في محيطه، استمرار هذه «المعادلة» تعطيه هامشا كبيرا للمناورة «وبيع» المواقف للداخل والخارج، لكن الكثير من الاسئلة تقلقه ومنها: ماذا لو سقط هذا «الحرم» الدولي وامتدت «حفلة الجنون» مجددا الى الساحة اللبنانية؟ سؤال يثير «هلع» جنبلاط كثيرا لان عودة الخلاف الى الشارع تعني انه سيكون مطالبا بتسييل مواقفه الى افعال، وعندها تبدا الخيارات الصعبة، فهو يريد «ابتزاز» كل الاطراف دون «اكلاف»، ويريد حماية الدروز وعزلهم عن «حريق» المنطقة، لكنه في نفس الوقت يورطهم بمواقف قد يطلب اليه ان لا تبقى «حبرا على ورق»، فاي خيار سيتخذه حينها؟ وكيف سيتنصل من تسديد «الفواتير»؟ فهل سينسحب حينها ويعود الى تبني نظرية الحياد؟ وهل يملك اصلا ترف الوقوف «فوق التلة»؟ وكيف سيوازن موقف بين الدخول في «مغامرة» مع حلفاء سبق وورطوه ثم تركوه في «العراء»، او التراجع امام «خصوم» يعرف جيدا انهما لا يجيدون «المزاح» عند الاستحقاقات المصيرية؟ انها اسئلة تشكل «هواجس» كبيرة لدى جنبلاط، هو لا يملك الاجابات عنها، لكن يبقى الهاجس الاكبر بالنسبة اليه انتصار الرئيس بشار الاسد في سوريا عبر «صفقة» دولية تقودها الولايات المتحدة، هذا السيناريو يزيده توترا وخشية على مستقبل دوره السياسي في معادلة يفترض انها ستكون على حسابه وحساب كل الذين «صفقوا» «وهللوا» لقرب سقوط الاسد، واي تسوية مستقبلية لن يكون لهم اي مكان فيها. وهنا ايضا ما يزال يعول على «الحقد» السعودي لمنع بشار من الانتصار، وهو شعر بسعادة كبيرة امس الاول عند سماع وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يتحدث عن «سفاح دمشق».

وبعيدا عن رهانات جنبلاط، و«استراتيجيات» تيار المستقبل، فان ثمة قلق جدي لدى تلك الاوساط من عودة الاختراقات الامنية مجددا الى الساحة اللبنانية من بوابة تزخيم العمل الاستخباراتي التخريبي كبديل عن مواجهة مباشرة مع حزب الله غير مضمونة النتائج، هذا حصل سابقا في العراق وسوريا ومؤخرا في اليمن بعد ان قدمت اجهزة الاستخبارات السعودية تسهيلات لوجستية للانتحاريين الذين نفذوا عملية تفجير المساجد في صنعاء كرد مباشر على تقدم انصار الله على الارض، وكانت المؤشر الاول لدخول الصراع مرحلة دموية جديدة، وفي هذا السياق ثمة رفع للجهوزية لمواجهة هذا الاحتمال الذي قد يعيد الى البلاد مشهد الانتحاريين الذي شهد انحصارا ملحوظا في الآونة الاخيرة. وهذا الامر دفع بالاطراف المعنية بهذا الملف الى تكثيف المتابعات الامنية لرصد اي اختراقات محتملة. كما لا يغيب عن المتابعات في هذه المرحلة رصد تفاعل اسرائيل مع الاحداث والتطورات في المنطقة خشية ان يستغل بنيامين نتانياهو حالة الاضطراب القائمة بعد نجاح السعوديين في «شيطنة» ايران وتحويلها الى العدو الاول للعرب في المنطقة، وهذا ما يفتح شهيته للدخول في «مغامرة» جديدة للتخلص من «قدرات»المقاومة، وهو ما حذرت منه مصادر ديبلوماسية في بيروت، ودعت الى عدم اهمال هذه الفرضية.

(الديار)