Get Adobe Flash player

 

أيقظ البيان الذي حرَّره 104 من أدميرالات البحرية التركية، حديث مؤامرة جديدة يعمل «حزب العدالة والتنمية» على استغلالها قدر الإمكان لتعزيز موقعه المتراجع، علّه بذلك يستعيد بعضاً من شعبيّته المتهاوية. ولكن ثمّة مَن ربط البيان «الانقلابي»، الذي يحذّر من هجر «اتفاقية مونترو» وشقّ «قناة إسطنبول»، بقوى خارجية، على رأسها الولايات المتحدة، التي «رعت» المجموعة لـ«وقف تقدُّم تركيا»، ولترسيخ موطئ قدمٍ لأوكرانيا على البحر الأسود

 

لم يكن أحد ليتوقَّع أن يَجرّ حديثُ رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب، عن إمكانية انسحاب بلاده من «اتفاقية مونترو»، كلّ هذا الصخب الذي عمّ تركيا في الساعات القليلة الماضية. وإذا كان حديث شنطوب هو الشرارة، فإن ظهور أحد أدميرالات القوّات البحرية التركية بِعمامة إحدى الطرق الدينية، قصَم ظهر البعير، وأفلت الأمور من عقالها. فبُعيد منتصف ليل السبت ــــ الأحد، أصدر مئة وأربعة من أدميرالات البحرية المتقاعدين بياناً وجّهوه إلى «الأُمَّة التركية العظيمة»، جاء فيه أنهم يواجهون بقلق فتح النقاش حول «اتفاقية مونترو» في إطار صلاحية إبطال الاتفاقيات الدولية، كما الحديث عن «قناة إسطنبول». وذكروا، في بيانهم، أن المضائق التركية تُعدُّ واحداً من أهمّ الممرّات المائية في العالم، وقد أُديرت، على مرّ التاريخ، وفقاً لاتفاقيات دولية. ونتيجة لهذه الاتفاقيات، فإن مونترو (وهي وثيقة أساسية لأمن الدول المتشاطئة في البحر الأسود)، التي حمت حقوق تركيا بأفضل الأشكال، لم تكن مجرّد اتفاقية تنظِّم المرور عبر المضائق التركية، بل مثّلت نصراً لدبلوماسية عظيمة أكسبت البلاد حقوق السيادة التامّة على إسطنبول وتشاناق قلعه (الدردنيل) وبحر مرمرة والمضائق، وأكملت اتفاقية السلام في لوزان. وتابع البيان: «مونترو هي اتفاقية تمنع دخول تركيا في أيّ حرب لا تريدها إلى جانب أحد الأطراف المتحاربين. وقد أتاحت لتركيا، أثناء الحرب العالمية الثانية، أن تَحمي حيادها. ونحن على اقتناع بأنه يجب تجنُّب أيّ كلام أو نشاط يمكن أن يكون سبباً ليَضع هذه الاتفاقية على الطاولة، أو أن تكون موضع نقاش، وهي الاتفاقية التي تحتلّ، لهذا السبب أو لغيره، موقعاً مهمّاً في مصير تركيا وبقائها». ومن ناحية ثانية، فإن «بعض الصور والأخبار والنقاشات غير المقبولة، والتي ظهرت في الصحافة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، هي مصدر حزن عميق جدّاً لنا، نحن الذين أفنَيْنا عمرنا في هذه الخدمة. إن قوّاتنا المسلّحة، وخصوصاً قوّاتنا البحرية، كانت، خلال السنوات الأخيرة، عرضة لعدوان متعمَّد مِن جماعة فتح الله غولن الإرهابية، والكثير من كوادرنا المهمّين جداً كانوا ضحية هذه المؤامرات الخائنة. والدرس الأهمّ الذي يخرج من هذه المؤامرات، هو ضرورة أن تستمر القوّات المسلّحة، وبكلّ حساسيّة، في حماية القيم الأساسية التي لا تتغيّر للدستور، والتي لا يمكن اقتراح تغييرها». لهذه الأسباب، يتابع البيان، فـ»(إننا) ندين الجهود التي تُظهر قوّاتنا المسلّحة وقوّاتنا البحرية على أنها خارج هذه القيم، وبعيدة من النهج المعاصر الذي رسمه أتاتورك، وسنقاومه بكلّ ما أوتينا من وجودنا. في الحال المعاكسة، فإن الجمهورية التركية، وكما هي حال الأمثلة في التاريخ، ستُواجِه مخاطر وتهديدات عيش مثل هذه الأحداث الخطيرة والمتأزّمة من أجل بقائها». وانتهى البيان إلى القول: «يجب تنشئة عناصر القوّات البحرية الذين يحمون الوطن الأمّ والوطن الأزرق، والذين هم أصحاب ماضٍ مشرّف منبعث من صرخة الأمّة التركية، وفقاً لمبادئ وثورة أتاتورك. نحن نقف إلى جانب رجال بحريّتنا الأتراك الذين يقومون، بفدائية، بمهماتهم في كلّ زاوية من وطننا، في البحر والبرّ والجو وفي منطقة الأمن الداخلي وما وراء الحدود، والذين يعملون بشجاعة ومن روحهم على الطريق الذي رسمه أتاتورك من أجل حماية حقوق ومصالح الوطن الأزرق. إننا إذ نتذكّر شهداءنا البحريين، نقف باحترام أمامهم».

قوبل بيان الأدميرالات الـ 104 بردود فعل حادّة من جانب أركان سلطة «حزب العدالة والتنمية»؛ وأوّلها بدء المدّعي العام للجمهورية في أنقرة التحقيق بالبيان، والجهة التي تقف وراءه، وأهدافه، ومدى ارتباط واضعيه بقوى خارجية. وبعدما ثَبت لدى المدعي العام، وفق صحيفة «حرييت»، ارتباط بعض واضعي البيان بتنظيم معيَّن، صدر الأمر باعتقالهم. وبالفعل، اعتَقل القضاء عشرة أدميرالات، فيما استُدعي إلى التحقيق أربعة آخرون. ومن أبرز المعتقلين، الأدميرال المتقاعد جيم غوردنيز، واضع عقيدة «الوطن الأزرق» (تدعو إلى فرض السيادة التركية على مناطق واسعة في شرق المتوسط)، أي الأكثر اهتماماً بوضع الممرّات والمضائق البحرية التركية. كما كتبت الصحف التركية أن حقّ الأدميرالات الـ 104 المتقاعدين في الحماية واستخدام المرافق العسكرية، قد رُفع عنهم.

قوبل بيان الأدميرالات الـ 104 بردود فعل حادّة من جانب أركان سلطة «حزب العدالة والتنمية»

في هذه الأثناء، توجَّهت الأنظار مباشرة إلى مُسبّب شرارة الأزمة، أي رئيس البرلمان، مصطفى شنطوب، الذي اتّهم الأدميرالات بالتسبُّب بالفوضى، قائلاً إن الدولة «تخوض معركة لا هوادة فيها مع أعداء الوطن والأمّة في الداخل والخارج». ولفت إلى أن «الأمّة التركية وجّهت في 15 تموز/ يوليو 2016 ضربة ليس لجماعة غولن فحسب، بل لكلّ عشّاق الانقلابات. فالتعبير عن الرأي شيء، وبيان يدعو إلى انقلاب شيء آخر». رَبْط البيان بفكرة الانقلاب لم يَغِب عن تصريح وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، الذي اعتبر أن حديث الأدميرالات يستحضر لغة المؤامرة، مشيراً إلى أنه «لا تأثير لقناة إسطنبول على مونترو، ولا تأثير لمونترو على قناة إسطنبول. إنه بيان بلغة الإنذار. ويحاولون إظهار العصا من تحت العباءة. ولو كانوا في الخدمة، لكان عملهم نوعاً من الانقلاب. لكن كونهم خارجها، فلسان حالهم: لسنا في الخدمة، لكنّنا ندعو إلى الانقلاب». وكانت وزارة الدفاع التركية أوّل مَن ردَّ على البيان، بالقول إن «مثل هذا البيان لن يفيد بشيء سوى في إلحاق الضرر بالديموقراطية»، فيما وصف الناطق الرئاسي، إبراهيم قالين، «مجموعة العسكريين المتقاعدين» بأنهم «يحنّون إلى عهد الانقلابات وهم تعيسون ومثيرون للضحك. أمّتنا لن تسمح لمثل هؤلاء بالمرور إلى شهواتهم وأطماعهم». من جهته، اعتبر نائب رئيس «العدالة والتنمية»، نعمان قورتولمش، البيان «فضيحة»، داعياً الأمّة إلى التحرُّك سريعاً ومن دون تأخير إلى وضع حدٍّ لهذه المجموعة.

وفي اليوم التالي لبيان الأدميرالات المتقاعدين، تداعى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وأركان حربه وسِلمه إلى اجتماع في رئاسة الجمهورية بعدَ ظهر يوم أمس، استغرق أكثر من ساعتين. واتّهم إردوغان المُوقّعين بوجود نيّات مغرضة لديهم، وبأنهم لم يقفوا يوماً مع الجيش في حروبه الخارجية. وقال إن «البيان مرفوض كليّاً، ولا يعبّر عن حقّ التعبير»، مضيفاً إنه «جزء من حملة واسعة تستهدف تركيا»، ومتّهماً «حزب الشعب الجمهوري» المعارِض بأنه «معادٍ للديموقراطية، ويستهدف استقرار تركيا واقتصادها». ووعد المُوقّعين بأن «ينالوا عقابهم»، معتبراً أن بيانهم «يشكِّل تهديداً للدستور». كما أعلن أن تركيا تُواصل الالتزام بـ»اتفاقية مونترو»، رافضاً الربط بينها وبين «قناة إسطنبول». كذلك، برزت ردّة فعل حادّة من جانب رئيس «حزب الحركة القوميّة»، دولت باهتشلي، الذي دعا إلى نزع الرتب العسكرية من موقّعي البيان وقطع الراتب التقاعدي عنهم وكلّ الحقوق التي يكفلها لهم القانون.

وفي الاتّجاه نفسه، تساءل الكاتب أحمد حاقان عمّا يقصد المُوقّعون بتحذيرهم ممّا يمكن أن يُجلَب على الجمهورية من مخاطر، وما إذا كان ذلك تهديداً من جهات عليا خلف الستار، وعن الطريقة التي اجتمع فيها الأدميرالات، ولماذا هذا العدد الكبير (104)، ولماذا كلّهم من القوّات البحرية، وهل هذه مسألة بحرية أم وطنية؟ وكتب فاتح تشيكيرغه، من جهته، أن تركيا تعبت من مثل هذه البيانات، داعياً إلى «تعزيز الديموقراطية وليس إيذاءها». وجاء الاتهام الأكبر للمجموعة بأنها تحت الحماية الأميركية، على لسان رئيس التحرير السابق لـ»يني شفق»، إبراهيم قره غول، الذي اعتبر أيضاً أن إسرائيل شريكة لها في بيانها الذي يُعتبر «تهديداً داخلياً» يهدف إلى «وقف تقدُّم تركيا». ويرى البعض، في هذا الإطار، أن الولايات المتحدة واجهت مأزقاً في أوكرانيا حيث لا منفذ بحريّاً لكييف سوى على البحر الأسود، ما يعرقل حركة أميركا لمساعدة حليفتها، وخصوصاً أن «مونترو» تفرض قيوداً على الحركة العسكرية للقوى التي من خارج البحر الأسود، فكان الضغط الأميركي عبر بيان الأدميرالات على إردوغان.

وبرز من أطراف المعارضة تعليق رئيسة «الحزب الجيّد»، مرال أقشنر، التي وصفت البيان بـ»الغبي»، قائلةً إن «تركيا انتهت من هذا منذ وقت طويل. لا يحقّ لهؤلاء القيام بذلك، ورئيس البرلمان قال إنه قد فُهم خطأ». في المقابل، انتقد «حزب الشعب الجمهوري»، على لسان الناطق باسمه، السلطة التي تُحرِّم على غيرها حريّة التعبير، مستنكراً اعتقال جيم غوردنيز. وقال إن «محاولة إردوغان الظهور بمظهر ضحيَّة محاولة انقلاب جديدة لن تمرّ على أحد، وهي مسرحية قد سبق عرضها. إذا كانوا يريدون عدم حدوث انقلابات، فعليهم تطهير الجيش من الضبّاط الذين يرتدون الجبّة الدينية»، داعياً إلى سحب «مونترو» من النقاش. وفي هذا الإطار، وقّع 124 نائباً سابقاً ينتمون إلى «حزب الشعب الجمهوري» اليساري العلماني عريضةً جاء فيها أنه لا يمكن مناقشة «اتفاقية مونترو»، كما لا يمكن شقّ «قناة إسطنبول»، مقدِّمين دعماً كبيراً للأدميرالات المتقاعدين. واتهمت العريضة إردوغان بـ»العبث بالأسس التي قامت عليها الجمهورية، وبتعريض سيادة البلاد للخطر». كما أصدر 126 سفيراً متقاعداً بياناً مناهِضاً لـ»قناة إسطنبول» ولفتح النقاش حول «مونترو»، وداعماً للأدميرالات. وتساءلت صحيفة «جمهورييت»، في افتتاحيتها أمس، عن سبب القلق الذي ينتاب حزبَي «العدالة والتنمية» و»الحركة القومية» من هذا النقاش، لتقول إن الهستيريا تأتي نتيجة تراجُع شعبية الحزبَين، اللذين صعّدا نبرة اتهاماتهما، علّها تعيد لهما شعبيَّة تتناقص.

(الاخبار)