أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة استطلاع أميركية فوق اللاذقية في شمال شرقي البلاد. خبرٌ تولّى الإعلام السوري الإعلان عنه وتغطيته بالصوت والصورة، من دون أن يصدر أيّ موقف آخر. فيما حاولت القيادة الأميركية الوسطى التنصّل من الأمر بدايةً، إلا أنها وتحت ضغط إعلان الخبر، اضطرّت للإعلان عن «فقدانها الاتصال» بإحدى طائراتها من دون طيار فوق أراضي الجمهورية العربية السورية.

يأتي ذلك بعد يومين فقط من تصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن حتمية «التفاوض مع الأسد في النهاية وتحت الضغط»، ولعل في كلمة ضغط ما يثير السخرية، كونها في مكانها إنما معكوسة، بمعنى أن الصمود السوري وضغط أولوية الملفات الأخرى ومن ضمنها الملف النووي الإيراني والمفاوضات الجارية في شأنه، والتقدم الميداني للجيش العربي السوري والقوات المتحالفة معه في جبهة جنوب سورية قرب الحدود مع الجولان المحتل، كل ذلك أفرز الموقف الأميركي الجديد ودفع إدارة أوباما إلى النطق بلسان كيري عن استعدادها لتغيير مقاربتها الملف السوري. وعلى رغم كل التوضيحات، إلا أن ذلك لا يخفي هذا التوجّه الذي ورد على صفحات صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في التاسع عشر من كانون الثاني الماضي عندما أشارت إلى تأييد الوزير كيري المبادرة الروسية الخاصة بحلّ الأزمة السورية، وذلك عشية مؤتمر «موسكو 1»، فضلاً عن تأييد جون كيري مبادرة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا لتجميد القتال في مدينة حلب. وهو ما انسحب على افتتاحية «واشنطن بوست» الأميركية أول من أمس. الصحيفتان يسيطر اليهود على أعمدة الرأي فيهما، التي أشارت إلى أنه «منذ فترة طويلة، تبنّت الإدارة الأميركية موقفاً يقبل بأن يكون النظام السوري جزءاً من الحل». وحول الضغط على الأسد قالت الصحيفة: «إن الولايات المتحدة لن تقوم بهذه الضغوط، وعوضاً عن ذلك لا يزال كيري يأمل أن تحقق روسيا وإيران هذا الأمر، ولا سبب يدعونا إلى تصديق أنهما ستفعلان ذلك». وهذا يعني، بحسب الصحيفة، أن واشنطن تركت سورية. فتصريحات كيري الأخيرة تعكس «الواقعية السياسية» للإدارة، بمعنى أنها «تغسل يديها من سورية، وتأمل بشكل منفصل التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، والتعاون معها في العراق لمحاربة داعش».

ما سبق يجرّنا إلى دلالات إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية فوق سورية، والرسائل السورية التي تتماشى إلى حدٍّ كبير مع استنتاجات الصحافة الأميركية ومعلوماتها، وتدفعها لتبلور توجّهاً أميركياً جديداً في مقاربة الملف السوري. إذ يمكن تثبيت الدلالات التالية:

ـ هذه هي المرة الأولى التي تُسقط فيها الدفاعات الجوّية السورية طائرةً لتحالف أوباما فوق الأراضي السورية منذ بدء هجمات التحالف ضدّ «داعش» في أيلول 2014. تُسقطها في منطقة عمل ليست ضمن نطاق عمل التحالف الموجّه، بحسب الاستراتيجية الناظمة لعمله ضدّ «داعش». فالمنطقة التي أُسقطت فيها الطائرة لا وجود فيها لهذا التنظيم، وبالتالي ترسم القيادة العسكرية السورية حدود عمل التحالف ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية، والتي تتركز في الرقة وحلب وريف إدلب.

ـ منذ بدء الأحداث في سورية، انبرت مراكز أبحاث أميركية عدّة، والعديد من عسكر الناتو للحديث عن اختلاف قدرات الجيش السوري عن نظيره العراقي وعن الوضع في أفغانستان، في مواجهة دعاة التدخل العسكري الأميركي الأطلسي المباشر في سورية. ويأتي هذا الحادث ليؤكد ما ذهبوا إليه ويكرّس وجهة النظر القائلة بالانكفاء عن سورية.

ـ وزير الخارجية السوري وليد المعلم أكّد السنة الماضية أن واشنطن تنسّق مع القيادة السورية في ضرباتها الجوّية داخل حدود الجمهورية، وأن عمليات التحالف في سورية بدأت بعد إخطار القيادة السورية بذلك، ملمحاً إلى أن عمليات التحالف لا تشمل الجيش السوري. ويبدو أن السوريين، تحت الضغط العسكري، يحاولون تأكيد ما قاله المعلم لضبط الشطط الأميركي.

ـ الساحل السوري غير قابل للاختراق والتواجد الروسي في قاعدة طرطوس ليس تواجداً رمزياً. فهذه المنطقة شهدت إسقاط صواريخ «إسرائيلية» في البحر عام 2013 عند التهديد الأميركي بضرب سورية على خلفية ملف كيماوي الغوطة، وشهدت إسقاط طائرة تركية، واليوم طائرة استطلاع أميركية.

تختلف سورية عن غيرها، والورطة الأميركية فيها تتوضح يوماً بعد يوم، ما يرجح إلى حدٍّ كبير سيناريو الانكفاء عن سورية وتحت الضغط.

(البناء)