لا يمكن الفصل بين حدة ارتفاع الخطاب السياسي من قبل تيار المستقبل تجاه حزب الله وبين التطورات الاقليمية المرتبطة بالقلق السعودي من حصول التسوية النووية الايرانية -الاميركية وتداعياتها في المنطقة، فحالة «الهلع» ترجمت على الساحة اللبنانية تصعيدا ممنهجا لا يهدف الى «اطلاق النار» على الحوار بين «التيار الزرق» وحزب الله، وانما كان قرارا اقليميا مركزيا يحمل في طياته التصويب على قضايا اخرى لا تندرج على جدول اعمال الحوار بين الطرفين، فما هي الاهداف المضمرة؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

ووفقا لاوساط بارزة في 8 آذار، لم يكن الرئيس فؤاد السنيورة خلال تلاوة بيان لقاء «البيال»، بما حمله من تصعيد ممنهج ضد حزب الله، يغرد خارج «سرب» رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري، فهذا الاخير لم يكن سقف بيانه عشية ذكرى «ثورة الارز» اقل حدة من كلام السنيورة، وما قاله السنيورة حرفيا يعبر عن موقف زعيم «المستقبل» الذي لم تغب «ملائكته» عن اجواء التحضيرات الذكرى العاشرة، وما صدر بعد ساعات من السجالات عبر بيان «كتلة المستقبل» يشير بوضوح الى ان ثمة موقف موحد داخل «التيار الازرق» يتبنى كل ما قيل خلال الايام القليلة الماضية، لكن الفرق الجوهري بين الرجلين ان السنيورة لا يريد لهذا الحوار ان ينجح ويتمنى ان تؤدي هذه الحملات الى وقفه، ولكنه لا يملك القدرة على تخريبه، اما الحريري فهو لا يريد وقف الحوار مع حزب الله، لاسباب داخلية وخارجية، لكنه يريد ان يوازن بين الاستمرار في الجلوس على «الطاولة» وبين رفع سقف الضغوط الداخلية على الحزب لابقائه في دائرة «الارباك».

وتشير تلك الاوساط الى ان حدة الرد من قبل حزب الله شكلت نوعا من «المفاجأة» غير السارة لدى الحريري، فطوال الاسابيع الماضية كان الحزب يتجنب الدخول في رد مباشر على الانتقادات التي لم تتوقف من قبل ما تم تصنيفه بتيار «الصقور» داخل المستقبل، والردود ان حصلت كانت تاتي على شكل تفنيد للادعاءات المستقبلية دون الاقتراب من ملف الحوار الثنائي، لكن هذه المرة حملت «الرسالة» في طياتها ردا قاسيا من قبل عدد من قيادات الحزب الرئيسية وكان لسؤال رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد عن الجدوى من الحوار في ظل استمرار مناخات التحريض، الوقع الاكثر تاثيرا، وهو الاشارة الاكثر وضوحا بان هذا التصعيد بدأ يلامس «الخطوط الحمراء» بدليل ان تجاوز مسالة توزيع الادوار داخل «تيار المستقبل». فهل كان الحزب في وارد الانسحاب من الحوار؟

على العكس من ذلك، تقول تلك الاوساط، فرد فعل حزب الله «القاسي»كان مقصودا لحماية الحوار ومنع انحرافه نحو قضايا اخرى تم التفاهم على انها ستبقى خارج جدول الاعمال، فالحزب لديه مصلحة وقناعة بالايجابيات الكبيرة لهذا الحوار، لكنه في الوقت نفسه اراد ان تفهم «القيادة الزرقاء» ومن خلفها الرعاة الاقليميين انه لن يسمح بأن يتحول حرصه على انجاح التواصل مع «المستقبل» الى عملية ابتزاز غير «شريفة» من قبل الطرف الاخر الذي يواصل التلاعب بجمهوره وبالرأي العام، فيقول الشيء ونقيضه، في الغرف المغلقة وفي العلن، ولذلك كانت «الرسالة» واضحة في هذا السياق «نحن مع الحوار ولكن ليس بأي ثمن ومن يظن انه يمكن لي ذراع الحزب انطلاقا من رهان على حاجته لهذا الحوار، فهو مخطىء، لأن «الجلوس على الطاولة» هو حاجة مشتركة ونتائجه الايجابية تنعكس على الطرفين وليست محصورة بطرف واحد، وكذلك النتائج السلبية، ولذلك كان لا بد من اعادة الكرة الى ملعب «المستقبل» كي يبنى على الشيء مقتضاه». وهذا ما حصل بالفعل حيث تم الحصول على توضيح للملابسات وجدد المعنيون في هذا التيار قناعتهم بجلسات الحوار مع التأكيد على الحرص على اكمال ما تم البدء به. لكن هل بددت هذه التوضيحات المخاوف من المقاصد المضمرة لهذه الحملة؟

طبعا لا، تقول تلك الاوساط، فاذا كان حزب الله قد نجح في تثبيت معادلة الاستمرار في الحوار، فان ما حصل خلال الايام القليلة الماضية لم يكن «بريئا»، ففي سياق معادلة «توحيد الجبهات» ثمة تقاطع معلومات استخباراتية من اكثر من دولة اقليمية تحدثت عن تطورات «دراماتيكية» خلال الاسابيع القليلة الماضية على ثلاث جبهات متوازية، العراق، سوريا، القلمون على الحدود اللبنانية السورية، ووفقا لهذه المعلومات فان ثمة شيء يجري العمل عليه من قبل محور المقاومة لتحقيق انجازات نوعية في منطقة تكريت وفي المنطقة الجنوبية السورية وفي ريف حلب الشمالي، وكذلك في جرود السلسلة الشرقية، ومن المرتقب ان يتزامن هذا الحراك مع التبلور النهائي للتسوية النووية الايرانية، وبحسب تلك المعلومات فان نتائج هذه «الصفقة» لن تؤثر ابدا في بدء العمليات العسكرية من عدمه، فسواء انتهت المفاوضات الى التوقيع على الاتفاق او انتهت الى الفشل، فان ثمة قرار قد اتخذ لتغيير الوقائع على الارض بما يسمح بتغيير جذري «لقواعد اللعبة».

وانطلاقا من هذه المعطيات، فإن تيار المستقبل المنخرط في اطار المنظومة الاقليمية التي تسعى الى الحفاظ على ما تبقى من مجموعات سورية «معتدلة» يمكن التعويل عليها في سياق الحرب لاسقاط النظام السوري، لا يرغب ولا يريد اي مواجهة عسكرية مفتوحة على الحدود تنهي وجود المسلحين على المقلب الاخر، ووفقا لتقارير اجهزة امنية محسوبة على التيار الازرق، فان حزب الله قد انهى استعداداته لخوض غمار هذه المواجهة، وتأتي الحملة الاخيرة المركزة على الحزب ودوره في الحرب السورية، في سياق «حرب استباقية» تهويلية لردعه عن القيام بهذه المعركة من خلال التلويح بالانعكاسات الداخلية الخطيرة التي يمكن ان تتسبب بها، ومن ضمنها الانعكاسات السلبية على الحوار.

وما يزيد من قلق هذا الفريق «البرود» الاميركي تجاه تلك المعلومات التي تؤكد وجود رضى «ضمني» لدى واشنطن ازاء دور الحزب في قتال التنظيمات الارهابية في سوريا، وهذا ما يضع «جبهة» الحدود اللبنانية في سياق التفاهمات الكبرى التي تجري مع طهران وبدات ترجمتها العملية في العراق وسوريا واليمن، وبالتالي لن تكون الساحة اللبنانية خارج اطار «التسوية الكبرى» التي لن تكون بكافة الاحوال في صالح تيار المستقبل وحلفائه في المنطقة.

ووفقا لتلك الاوساط، فان حزب الله ليس غفلا عن تلك الخلفيات والهواجس التي يتحرك في سياقها الطرف الاخر، ضمن الدور المتاح والمطلوب منه اقليميا، ولذلك اراد هذه المرة افهام من يعنيهم الامر في الداخل والخارج ان محاولات التصعيد لن تدفعه الى التراجع «خطوة الى الوراء» بل بات جاهزا للتقدم باتجاه «مواجهة سياسية» لحماية المكتسبات التي تحققت حتى الان داخليا، وهو عمليا نجح في اعادة تذكير تيار المستقبل بأن «ربط النزاع» يعني «فك» الارتباط بين القضايا السياسية التي يمكن التحاور حولها والوصول الى نتائج مرضية للطرفين وبين مشاركته في الحرب ضد الارهاب في سوريا وعلى الحدود، «فالصراخ العالي» والتهديد والوعيد لن يغير قيد انملة من استراتيجية عسكرية وامنية وضعت لخوض تلك المواجهة المفتوحة، وحسمها مرتبط فقط «بساعة صفر» حددتها قيادة المقاومة وفقا لمعايير ذاتية تتعلق بتهيئة الظروف المناسبة لكسب المعركة بأقل الخسائر الممكنة.

(الديار)