Get Adobe Flash player

 

اعتاد خصوم الرئيس الأميركي باراك أوباما داخل الولايات المتحدة، سواء أعضاء في الحزب الجمهوري مثل السيناتور «جون ماكين»، أو عناصر من داخل الإدارة من الذين يؤيدون الكيان الصهيوني، توجيه انتقادات حادة إلى إدارة أوباما وتوجيه الاتهام لها باللين وقلة الحزم في التدخل في سورية، إنْ لجهة التدخل العسكري المباشر، أو لجهة تقديم دعم واسع للجماعات المسلحة، ولكن من الواضح أنّ هذه الاتهامات لا تستند إلى أيّ أساس، وهي أقرب إلى المزايدات في إطار التنافس الحزبي منه إلى صراع الخيارات. صحيح أنّ الحزب الجمهوري عموماً يتبنى سياسة أكثر تطرّفاً، ويدعو إلى استخدام القوة للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة في العالم، ولكن الصحيح أيضاً أنّ الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، يلتزمان الدفاع عن المصالح الأميركية، وهذه المصالح تحدّدها المصالح الاقتصادية ومصالح الشركات على وجه الخصوص. والمصالح هي التي ترسم السياسات الفعلية والممارسات التي تقوم بها الإدارات الأميركية، سواءً كانت جمهورية أو ديمقراطية، أما المزايدات السياسية فهي في إطار التنافس على السلطة وليس لها تأثير كبير على الخيارات.

المثال الساطع الذي يؤكد هذه الحقيقة هي سياسة الولايات المتحدة الأميركية في سورية. ففي الوقت الذي وجّه الكونغرس انتقادات حادة إلى إدارة الرئيس أوباما على سياستها في سورية، حيث أحجمت عن التدخل العسكري المباشر، ولم تقدّم دعماً عسكرياً واسعاً للجماعات المسلحة، سارع الكونغرس في خريف عام 2013 إلى عدم الاستجابة لطلب الرئيس أوباما من الكونغرس تشريع شنّ ضربة عسكرية ضدّ سورية، على عكس مزايدات قادة الكونغرس، الجمهوريين والديمقراطيين، على إدارة أوباما.

مثال آخر يعكس المزايدات والأوهام التي تحكم سلوك عناصر النخبة الأميركية هو المقال الأخير الذي نشره السفير الأميركي السابق في دمشق، ومبعوث الرئيس أوباما لدى المعارضة السورية، روبرت فورد، في فصلية «فورين أفيرز» الأميركية، حيث أنّ المقال تضمّن انتقادات حادّة لإدارة أوباما في سورية، ولكن عندما قدَّم اقتراحات لتحديد السياسة المطلوبة، عاد إلى تبنّي ما تمارسه إدارة أوباما منذ بداية الأزمة، مع تغيير ملموس يعكس تبدّد الأوهام الأميركية حول سقوط الدولة السورية والقضاء على الجيش العربي السوري، فالاقتراحات الستة التي جاءت في مقال فورد هي عكس انتقاداته للإدارة إذ يقترح:

أن تطيع الجماعات المسلحة التي تتلقى مساعدات من القيادة المركزية الحديثة المنشأ، أوامر هذه القيادة فقط.

أن توقف المعارضة المسلحة الأعمال الوحشية ضدّ المجتمعات المدنية التي تدعم نظام الأسد، وأن تتحمّل قيادة المعارضة المسلحة مسؤولية أعمال الجماعات المكوّنة لها.

قطع جميع العلاقات مع «جبهة النصرة».

أن تكرّر قيادة المعارضة المسلحة باستمرار أنها لا تسعى إلى تدمير المسيحية والعلوية، أو أيّ من الأقليات الأخرى، وأن تبدي استعدادها للتفاوض بشأن ترتيبات الأمن المحلية، والتي يجب أن تتضمّن عناصر الجيش العربي السوري، لحماية جميع السوريين.

التفاوض على اتفاق سياسي وطني لإنهاء الصراع، من دون أن يكون رحيل الأسد شرطاً مسبقاً.

أي ائتلاف سياسي يدّعي أنه يقود المعارضة ويمتلك تمثيلاً حقيقياً، يجب أن يكون ضمن مكوّناته أقليات ورجال أعمال كبار في سورية، وهي المجتمعات التي تدعم حكومة الأسد عموماً، وألا يعتمد هذا الائتلاف، بشكل أساسي، على المغتربين.

ومن يدقق في هذه الاقتراحات يجد أنها أقلّ قوة واندفاعاً من سياسة إدارة أوباما في سورية، وبالتالي فانتقاد هذه السياسة الذي جاء في مقدّمة مقاله، هو مزايدة سياسة لا أكثر ولا أقلّ.

(البناء)