Get Adobe Flash player

 

على صدر صفحاتها الأولى، تحدثت الصحافة الفرنسية عن تصريحات وزير الخارجية الأميركية جون كيري، ما عدا «ليبيراسيون» التي أخرستها تصريحات كيري. فعمدت إلى تجاهلها حتى لحظة كتابة المقال. فيما حاولت «لوموند» «الوسطية» والتي قادت أكبر حملة لفبركة الأخبار عن سورية ولا تزال، التقليل من أهمية كلام كيري بتبنّي بيان لما يسمى «مجموعة التضامن مع سورية»، جاء فيه أن إعلان كيري حول السلام في سورية يهدف إلى «إعادة التذكير بعملية جنيف التي لا يريد بشار الأسد الالتزام بها».

أما «لوفيغارو» المحسوبة على حزب اتحاد من أجل حركة شعبية اليميني المعارض والذي في عهد توليه السلطة اتخذ قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سورية، فقد كان لها رأي آخر، إذ غطّت تصريحات كيري عبر مجموعة تقارير ولقاءات شدّدت على «الانعطافة التي يتم التحضير لها في واشنطن منذ أسابيع والتي تشكل اعترافاً دامغاً بفشل النهج الذي اتّبعته حكومة الولايات المتحدة الأميركية في سورية»، والذي ينسحب بالضرورة على الانقسام الفرنسي الداخلي بين تيار عنوانه زيارة البرلمانيين الفرنسيين الأربعة إلى سورية قبل حوالى أسبوعين واللقاء مع الرئيس الأسد، وتيار هولاند وفالس وفابيوس صاحب السياسة «الأخلاقية». فالموقف الأميركي الجديد من الأسد يضع «الدبلوماسية الفرنسية في اختبار قاسٍ» وهو ما علّق عليه جاك ميار، النائب عن حزب «اتحاد من أجل حركة شعبية»، ونائب رئيس جمعية «الصداقة الفرنسية ـ السورية»، والذي كان أحد البرلمانيين الذين التقوا الرئيس الأسد، بالقول: «إن تصريحات كيري تشكّل صفعة باردة للدبلوماسية الفرنسية التي تتمترس وراء موقف أخلاقي زائف». لكن هل تقف التصريحات الجديدة لكيري عند هذا الحد؟

استحضر وزير الخارجية الأميركية عملية الانتقال السياسي في سورية وفق مقرّرات «جنيف 1»، وهو يعلم علم اليقين أن الحديث عن هذا المؤتمر في ضوء نتائج «جنيف 2» أو بالأصح مجرياته، وما تلاه من عودة إلى مربع «موسكو 1» والتحضير لـ«موسكو 2»، لا يعدو كونه محاولةً لحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية في تغطيتها عملية بداية التحوّل في سورية، والذي لا يزال أمامه وقت طويل للتبلور مرهوناً بتطورات الوضع الميداني، خصوصاً على جبهتي شمال سورية وجنوبها. لكن الموقف الأميركي لافت، بحسب جورج مالبرونو كبير مراسلي «لوفيغارو»، من زاويتين: الأولى تتعلق بالموقف ذاته «الذي لم يذهب إليه أي مسؤول من قبل لجهة الاعتراف المباشر بدورٍ للرئيس السوري الذي يحاول الغرب منذ عام 2011 الإطاحة به»، مع ملاحظة أن الموقف جاء بعد سلسلة من تصريحات لمسؤولين أميركيين كان آخرهم جون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي أكد أن بلاده لا تريد انهيار الدولة السورية، والذي من شأنه أن يترك المجال مفتوحاً للمتطرّفين الإسلاميين، وهو ما فسّرته الصحيفة على أنه إعادة تكييف السياسات الأميركية تحت «ضغط معطى مكافحة الإرهاب الجهادي».

أما الزاوية الثانية، والأهم تتعلق بعملية الانتقال السياسي بحدّ ذاتها، والتي من الممكن استشفاف بعض ملامحها ربطاً بالسياسة الأميركية وتذبذباتها في الملف السوري. فوزير الخارجية الأميركية بموقفه الجديد يؤيّد علناً موقف المبعوث الأممي الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا القائم على معادلة «الأسد جزء من الحل»، والذي لاقى انتقادات من قادة المعارضة السورية وحلفائها الغربيين قبل شهر من الآن. حتى أنه ـ أي كيري ـ في مقابلته الأخيرة على «سي بي أس» لم يكرّر جملته حول فقدان الأسد الشرعية. جملة أمور تفسح في المجال أمام اعتماد تفسير غربي أكثر مرونة للمرحلة الانتقالية. «فالحديث عن التفاوض مع الأسد يجعل الرئيس السوري يتحسّس عملية إعادة المشروعية له، وبالتالي لن يكون على استعداد للتخلّي عن مكانه على رأس الدولة السورية»، ويكمن الخطر بحسب ما نقل مالبرونو عن مصدر دبلوماسي أممي متابع للملف السوري في «أن يؤدي الانتقال السياسي إلى تغييرات في قلب النظام، لا إفراز إدارة جديدة على رأس النظام». استنتاج هو أقرب إلى رؤية الدولة السورية للمرحلة الانتقالية، تلك الرؤية التي تضاف إلى مجموعة رؤى تطابق معها روبرت فورد المسؤول السابق الأشد تطرفاً في إدارة أوباما عن الملف السوري الذي اقترب بدوره من الدولة السورية حين دعا إلى تشجيع التفاوض مع الجيش السوري، وإبرام مصالحات محلية.

(البناء)