Get Adobe Flash player

في الوقت الذي كان بومبيو وزير خارجية أميركا ينفذ جولته في الشرق الأوسط بعد محطة باريسية، كانت النيويورك تايمز تفشي سراً مضمونه ان ترامب كان ينوي توجيه ضربة تدميريّة الى مركز نووي إيراني وإسرائيل تعلن عن “اكتشاف ألغام ومتفجرات” قرب خط فضّ الاشتباك في الجولان، وتتخذه ذريعة مباشرة لقصف مركز عسكريّ سوري ما أدّى الى استشهاد بعض مَن فيه من العسكريين بعد ان افلتت صواريخ عدة من منظومة الدفاع الجوي السوري التي اسقطت معظم الصواريخ التي أطلقها العدو، ولنكمل الصورة نذكر بالقرار الأميركي بسحب جنود أميركيين من العراق وأفغانستان والإبقاء على 2500 عسكري أميركي فقط في كل من البلدين.

 

هذا المشهد المتشكل على هذا النحو يعيد طرح السؤال مجددا ما الذي يريده ترامب بالضبط في منطقة الشرق الأوسط، وما الذي ستسمح به الدولة العميقة في أميركا إذا قرّر ترامب شيئاً لا يناسب رؤيتها للمصالح الأميركية والإسرائيلية العليا؟

في كلام سابق كنا قد استبعدنا وبشكل شبه مطلق إمكان ذهاب أميركا الى فتح جبهات حرب جديدة شاملة في المنطقة، والآن نعود ونؤكد على هذا الموقف لا بل نذهب الى أبعد من ذلك ونقول إن أميركا التي لم تخرج مما أحدثته في جسمها النزاعات الداخلية والانقسامات التي لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال، إنّ أميركا هذه ليست مؤهّلة بواقعها الحالي لخوض حرب شاملة ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في كلّ أنحاء العالم وانّ الزمن الذي كانت فيه أميركا تقرّر الحروب وتطلق صفارة التحشد ويلتمّ حولها الأطراف من أربع جهات الأرض لتكوين تحالف دولي تخوض به الحروب بقيادتها كما فعلت في الخليج وأفغانستان والعراق، إنّ أميركا هذه لم تعد موجودة وان هذا الزمن ولّى ولا يبدو انّ بالإمكان العودة إليه.

فلو كانت أميركا هي أميركا التسعينيات لما كانت سمحت لروسيا أن تسجل ذاك النصر الاستراتيجي الهائل في أذربيجان وأرمينيا ولما كانت تركت أرمينيا تتجرّع كأس الهزيمة المرّة التي حرصت على تفاديها 30 عاماً منذ أن آل إليها إقليم ناغورني قره باغ، ولو كانت أميركا هي أميركا التي تخيف وتفعل ما تريد لما كانت فاوضت طالبان وانتهت معها الى قرار يفضي في نهاية المطاف الى الانسحاب الأميركي من البلاد حتى ولو كان الانسحاب متدرجاً، ولو كانت أميركا كما يحب بعض عملائها أن تكون لما كنت فشلت في سورية؛ هذا الفشل الاستراتيجي الذي حولها الى سارق نفط، أذكر هذا لأقول بانّ أميركا ومعها حلفاؤها الاوروبيون دخلوا عهد الانكماش والانكفاء. واذا كانت بعض سلوكياتهم تشير الى عكس ذلك وتوحي بأنهم مستمرون في سياسة التدخل وفرض الإرادة الغربية على العالم، فإنّ ذلك منتظر منهم لا بل ضروري حتى لا يظهروا سريعاً في مظهر المهزوم المتهالك الذي يفرّ مذعوراً من الميدان.

على ضوء ذلك تطرح مسألتان: الأولى، كيف سيكون التصرف الميداني للقوى الغربية بقيادة أميركا وهم في مرحلة الانكماش؟ والثاني ما هي الاستراتجيات الأفضل لخصوم أميركا في مرحلة الانكماش الأميركي هذه؟

أما عن تصرف القوى المعادية اثناء انكفائها فنقول إنّ مرحلة الانكماش لا تعني الامتناع الكلي عن استعمال القوة، لا بل إنّ القوة تكون ضرورية ووواجبة الاستعمال أحياناً من قبل تلك القوى من أجل حماية عملية التراجع ومنع إنزال الخسائر بها. وهنا يكون وجوب البحث في أمرين: الأول، طبيعة الأعمال العسكرية التي تنفذ هنا، والثاني الغاية من هذه الأعمال.

فمن حيث الطبيعة نرى أنّ العمليات العسكرية التي ينفذها المتراجع او المنسحب من الميدان تهدف الى زرع الخوف في صفوف القوى المعادية لردعها عن ملاحقته. وهنا يركز بشكل أساسي على عمليات الاغتيال التي تشغل القيادات بأمنها وتمنعها من الإعداد والتحضير لعمليات المواجهة والتحضير. ويمكن في هذا الإطار اعتبار اغتيال الشهيد قاسم سليماني نموذجاً من عمليات الإعداد لبيئة الإعداد للانسحاب، وحسناً قالت إيران إنّ ثمن دماء سليماني هو إخراج المحتلّ الأميركي من العراق. قول فيه فهم للحال وعمق استراتيجي واضح، وعليه نقول إنّ تكرار مثل تلك الجرائم أمر مرجّح في كلّ مرة تستطيع أميركا ان تصل الى قيادي مميّز من قياديّي محور المقاومة وكذلك ندخل في هذه النوع من العمليات ما تمّ تسريبه عن قرار كان اتخذه ترامب للنيل من الرئيس بشار الأسد.

وإضافة الى الاغتيالات تكون عمليّات نوعيّة تخريبية في عمق العدو عمليات أمنية فتنوية أو سيبيرانية او نارية، كما يحدث الآن بين الحين والآخر في مناطق محور المقاومة، ينفذ كلّ ذلك مع الإصرار على متابعة سياسة ما تسمّى العقوبات وهو ما تنفذه أميركا تحت سياسة الضغوط القصوى، لأنّ المهمّ لديها ان لا يرتاح عدوّها ولا يكون لديه الوقت للتفكير بكيفية ملاحقتها أو تنفيذ أيّ عمل عسكري في هذا السياق.

إنّ مرحلة الانكماش والانكفاء التي دخلتها أميركا هي واقع فرضته تطوّرات الأحداث، واقع تخطى الآن مسألة من يكون في البيت الأبيض جمهورياً او ديمقراطياً ترامب ام بايدن، فقد يختلف أسلوب التصرف وكيفيته أما طبيعة المرحلة ومقتضياتها فقد باتت نهائية مفروضة لا مجال لتغييرها. وهذا هو الثمن الذي ستجد أميركا أنّ عليها دفعه بسبب فشلها في تثبيت النظام الأحادي القطبية وهزائمها على أكثر من جبهة في العالم، وكان الشرق الأوسط أهمّها، اما ما يُقال عن نجاح أميركا في المنطقة من باب صفقة القرن وبدء التطبيع مع بعض الدول الكرتونية فهو قول يثير السخرية ولا يستحق النقاش. فالمشهد الاستراتيجي العام أبعد من ذلك وأعمق منه.

أما عن سلوك أعداء أميركا وخصومهم، فإنّ عليهم ان يعلموا انّ هدف السلوك المعادي ضدّهم يتركز على الإشغال والترهيب والدفع الى التنازل في الساعات الأخيرة قبل الرحيل، لذلك يكون من مصلحتهم أن يعوا هذه الحقيقة ويحيطوا بهذه الأهداف وان يعملوا بما يعاكسها، ولذلك نرى انّ طليعة أعمال الدفاع تكون بالموقف الرافض للإملاء وعدم الاستعجال في الرضوخ لأيّ طلب يطلب منهم. فإنْ شاءت أميركا التوجيه للقيام بعمل تفاوضي او غير ذلك فعلى المعني بالأمر أن يتصرف بما يحفظ الحق الوطني ولا يكون في قوله أو فعله أيّ تنازل عنه، وليعلم انّ رفض الإملاء الغربي هو واجب وطني عليه القيام به. وانّ التهويل عليهم بالعقوبات ينبغي ان لا يثنيهم عن التمسك بالحق الوطني.

ومن الوجهة العسكرية ينبغي اتخاذ أقصى درجات الحذر والحيطة وتأمين الدفاع الناجع عن الذات قادة ومؤسسات وتنظيمات ودولاً وأن يُعمل بقاعدة “التناسب والضرورة” في الردّ على الاستفزازات المعادية او الاعتداءات التي تسبّب الخسائر. وهنا يكون العمل بما أطلقه السيد حسن نصر الله من استراتيجية “الهدف بالهدف” أمراً مفيداً وواقعاً في موقعه العملاني والاستراتيجي السليم من دون أن يكون في التطبيق إفراط او تفريط.

إنّ العالم عامة والشرق الأوسط بخاصة بحاجة الى اعتماد استراتيجية فاعلة ومرنة ليتمّ بموجبها التعامل مع “امبراطورية قيد الانكفاء والانكماش”، امبراطورية خسرت مشروعها الكوني واضطرت للتراجع وخطورة ما في أمر هذه الإمبراطورية أثناء انكفائها أنها لا تزال تملك أكبر قوة عسكرية تدميريّة في العالم، وهي أول دولة نووية في الكون ولا يردعها عن الإجرام وازع، ما يفرض ان تتجنّب القوى المناهضة لها عمليات الاستفزاز غير الضروري المستوجب للردّ الانتقامي. فبقليل من الهدوء والتأني والوعي نعبر مرحلة انتقالية لا بدّ منها لتعود أميركا الى ارض الواقع الذي ينبئها بأنها لن تحكم العالم وأنّ امبراطورتيها اندثرت او تكاد.

*أستاذ جامعي – باحث استراتيجي

(البناء)