غلبت الروم على بوابات الشام، ومن ثم على أسوار غزة، وبعدها على تخوم بغداد، وبعد ذلك على سواحل باب المندب بعد فتح صنعاء، حتى تجرع أوباما كأس السم الخامسة والسادسة في كل من مسقط وفيينا، ولم تشفع له وساطة السلطان قابوس المعظم… إلى أن قرر الإيراني أن يواجهه في عقر داره ويقول له «كش ملك» بلعبته التاريخية المفضلة مذ بز بها ملوك الهند.

هي لعبة الشطرنج إذن التي يتقنها اللاعب الإيراني جيداً وها هو قد نفذ حركاتها بلباقة وخفة حركة عالية مع أعتى إمبراطورية، وهي تكاد تصل إلى خواتيمها الإيرانية المرسومة بعد مضي ما يزيد على أحد عشر عاماً وهو يتحكم بأعصابه وأعصاب الخصم ببرودة قاتلة.

كان واضحاً في كلامه السيد علي خامنئي وهو يخاطب الإدارة ومجلس الشيوخ الأميركيين مجتمعين:

نعرف جيداً كيف نلزمكم بها – أي التوافقات – فيما لو حصلت، مهما كانت أخلاقكم السياسية المنحطة – وهذه لمجلس الشيوخ – ومهما تعنتم معنا أو صعدتم ضدنا أو اتهمتمونا بالتفلت من الالتزامات أو طعنتمونا بالظهر بخناجركم في لعبة شد الحبل بينكم وبين الجمهوريين – وهذه لإدارة أوباما – … نعم نعرف كيف نلزمكم بأي اتفاق قد نتوصل إليه معكم… إلى مجلس الأمن الدولي در.

يوم غلبت الروم في أدنى الأرض السورية في باب عمرو وكان الجنرال قاسم سليماني حاضراً هناك ثبت الإيرانيون حليفهم الراسخ بشار حافظ الأسد رئيساً شرعياً لسورية باقتراع الميدان أولاً ومن ثم بصناديق الاقتراع.

وعلى أسوار غزة عرفوا كيف يقفون بقوة إلى جانب فصائل المقاومة والشعب الفلسطيني بوحدة وطنية منقطعة النظير استطاعوا من خلالها إسقاط مشروع أوباما – كيري لتصفية القضية الفلسطينية وكسرت الروم هناك أيضاً.

وعلى تخوم بغداد كذلك عرفوا كيف يحولون حلم التحالف الدولي بوقف تمدد نفوذ محور المقاومة إلى سراب… يوم التفوا عليه باستيعاب وابتلاع خسارة حصانهم الرابح من أجل حصاد يوم الفتح الأكبر في تكريت… قصير العراق التي تمهد الآن إلى إسدال الستار على مسرحية الدواعش الصهيو- أميركية بفتح أكبر مرتقب في الفلوجة والموصل مع بداية الربيع «السليماني» النكهة.

ولم يتركوه لحظة ليستريح فيها يوم فكر بتحالف دولي جديد سماه «ضد داعش» وهو المعروف بأهدافه المبطنة والعلنية من أجل منع مزيد من التقدم والنفوذ لمحور المقاومة، فإذا بهم يطلعون عليه من صنعاء، فيصبح حلفاؤهم من أبناء الكهوف الصعداويين في الجوف وقصر النهدين في العاصمة ومن ثم أسياد اليمن بل والجزيرة العربية وهم يجرون أول مناورات من نوعها في تاريخ هذا البلد على حدود المملكة الآفل نفوذها، وقريباً سلاطين البحر الأحمر.

إنه هو هو، الإمبراطور المراوغ والمحتال والطاعن بخنجره المسموم يقف حائراً اليوم، لا هو بقادر على ترك طاولة المفاوضات، وهو المعتاد على نقض العهود ولفظ الوعود، ولا هو بقادر على المضي قدماً لأن عليه أن يرفع العقوبات كلها الأحادية منها والاتحادية والأوروبية وإخراج ملف إيران النووي من جدول أعمال مجلس الأمن الدولي كما هو السقف المحدد للوفد الإيراني المفاوض.

إنها المعركة هي هي، الإمبراطور يحاول نقل المعركة إلى الداخل السوري مرة والعراقي أخرى والفلسطيني ثالثة واليمني رابعة والإيراني خامسة، فيما المقاومون يدفعون بها إلى الخارج، بحربهم المشروعة على الإرهاب والتكفير وأم الكوارث والطاعون «إسرائيل».

إنه المشروع هو هو، وقف التمدد والنفوذ المقاوم وحصره في طائفة أو قوم أو مذهب أو طيف وداخل أسوار بعض العواصم، فيما المقاومون يزحفون باتجاه السواحل والبحار والمضائق وها هم يصلون إلى مضيق مالاقا أخيراً.

إنه يريد تفكيكهم ومقاتلتهم فراداً، فيما المقاومون مصرين أن يقاتلوه صفاً كأنهم بنيان مرصوص.

وكما في كل الملفات المفتوحة الأخرى فقد أرادها أن تدخل إلى الداخل الإيراني لتفجيره عندما بدأ بوضع الشروط التعجيزية، فما كان من السيد القائد علي خامنئي إلا أن نقل المعركة إلى عقر دار الإمبراطور.

باراك أوباما اليوم في وضع لا يحسد عليه، إما أن يرفض رفع العقوبات ويفركش المفاوضات ويترك الطاولة فتنفجر المنطقة بوجهه.

أو يستمر في المفاوضات ويذهب إلى مجلس الأمن الدولي مكرهاً ما يعني التدحرج بحسب موجبات التفاوض إلى ما يساوي «كش ملك» بلعبة الشطرنج.

ما يعني تفجير المعركة الداخلية مع الجمهوريين كما حذر بوغ غراهام.

بالمقابل فإن الإيراني القابض على كل فنون اللعبة النووية والمتوسع جغرافية ونفوذاً هو وحلفائه من محور المقاومة، فإنه سيحصد الامتيازات في كلا الحالتين، بعد أن أصبح وضعه كالمنشار يأكل في حالتي الصعود والنزول معاً.

فإن ألزم الأميركي نفسه بنتائج المفاوضات، فهي أفضل استراحة محارب عند المقاومين، وإن أنكر ونقض العهود والوعود وخرج عن طوره فهي المعارك التي يشتهيها المقاومون وينتظرونها لا سيما المنازلة الكبرى المؤجلة مع العدو الصهيوني، وبهت الذي كفر.

(البناء)