Get Adobe Flash player

 

أيام قليلة تفصل سورية الأرض والجغرافيا قبل البشر، عن الذكرى السنوية الرابعة لتدمير سورية التاريخ والتراث والدولة والسياسة والاقتصاد والأمان. سنوات أربع، يتذكر فيها السوريون سعر ليتر المازوت، وعلبة الدواء، وأيام السفر بين المحافظات لقضاء الإجازة، للتحسّر على ما مضى، وللتعبير عن موقف ما ليس بالضرورة لحساب طرفٍ على آخر، بقدر ما هو حسرة على دولة اللامديونية عام 2011، ودولة الانفتاح والتطوير والعلم والبحبوحة، إن كان البعض ينزعج من كلمة رخاء.

أربع سنوات من صمود لمن اختار البقاء داخل سورية للعمل والقتال، أفرزت واقعاً مختلفاً، فمنذ الخامس عشر من آذار 2011 بدأت عدوى الوباء الأميركي، وبعد ذلك التاريخ بأسابيع لا تتجاوز الإثنين كنا على موعد مع «الشعب يريد الأطلسي»، على خلفية «حرب مقدّسة» حوّلت واشنطن إلى المفتي العام لـ«جهاديي» العالم المستلبين بعقيدة القتل والذبح للتوجه إلى سورية و«إسقاط نظامها» الذي شُيطن أكثر من الشيطان نفسه، لكن ما هي النتيجة اليوم؟

إن الدخول في تفاصيل السنوات الأربع وحجم التغيّرات في المواقف يفرض علينا عشرات آلاف الكلمات، وهو ما لا يتّسع له مقالنا، ويفرض مناقشة موقفين إعلاميين بارزين في الصحافة الغربية الصادرة هذا الأسبوع. أولهما مقال روبرت فورد المسؤول السابق عن الملف السوري والأكثر تطرفاً في إدارته، في مجلة «فورين آفيرز» التي كانت صاحبة السبق في اللقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد، يطالب فيه بوضع شرط تنحّي الأسد جانباً والقبول بالمصالحات المحليّة التي أطلقتها الدولة السورية استراتيجيةً موازيةً لاستراتيجية العمل العسكري منفصلة عنه وتسير بالتوازي معه. وعلى رغم مطالبة فورد بتفعيل استراتيجية أوباما باتجاه تبنّي المطالب التركية، لا باتجاه الحل السياسي الفوري، إلا أنه ركّز على تحقيق «اتفاق سياسي وطني من دون المطالبة برحيل الأسد كشرط مسبق»، مطالباً بأن تعلن قيادة المعارضة «الموحدة» بحسب تعبيره «استعدادها للتفاوض مع الجيش العربي السوري لوضع ترتيبات أمنية محليّة لحماية كل السوريين».

صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية نشرت بدورها مقالاً للصحافي جورج مالبرونو دحض كلّ ادّعاءات الحكومة الفرنسية وجهاز الدولة الفرنسي حول زيارة البرلمانيين الأربعة إلى سورية، فالوفد كان يضمّ مجموعة أخرى لتقوم «بجولة ضمن الجولة»، تضم ضابط احتياط فرنسياً يدعى باتريك باراكان نسّق زيارته إلى سورية مع جهازي الاستخبارات الفرنسية الداخلية والخارجية «ولم يكن هناك أي فيتو عليها»، إذ التقى باراكان «اللواء علي مملوك لمدة ساعة وناقش معه ملف الجهاديين الفرنسيين في سورية وأولئك المسجونين لدى النظام، ومصير جوازات السفر المحتجزة في دمشق، فضلاً عن حقيقة المعارك على الأرض، لأنه إن أردنا يوماً ضرب داعش علينا امتلاك معلومات عن الأرض»، ونقل مالبرونو عن مصدر استخباري فرنسي قوله «على عكس المحاولات السابقة، الزيارة لم تكن فاشلة»، والأمر لا يقف عند هذا الحدّ إذ أرسل الضابط الفرنسي الموفد إلى سورية وفور عودته من دمشق «تقريراً منفصلاً إلى مستشار الرئيس هولاند» حول الزيارة، كما توجّه على الفور للقاء مسؤولين في جهازي الاستخبارات الفرنسية الداخلية والخارجية.

إن الحديث عن نفاق السلطة الفرنسية والغرب في خصوص سورية، صار من الماضي. لكن الخلاف في فرنسا وداخل الولايات المتحدة الأميركية حول طريقة إدارة الملف السوري لم يعد محصوراً بحالات فردية بين النخب الفكرية، بل تحوّل إلى تيار وخيار له أسسه داخل البنية الحاكمة في الدول الغربية، أي داخل مؤسسة الدولة، وبالتالي فإن خيار التعامل مع الأسد والاعتراف بالوضع القائم في سورية لم يعد استنتاجاً مبنياً على معطيات، بقدر ما أصبح استراتيجية بديلة لإدارة الملف السوري ومن ورائه الحرب التي يقودها تحالف أوباما على «داعش»، من دون أن يعني ذلك اعتراف الغرب بهذا الخيار أو المضي فيه مباشرةً.

إن زيارة الوفد الفرنسي إلى دمشق ليست الأولى من نوعها فبين عامَي 2013 وأوائل 2014 أرسل الإليزيه وفدين منفصلين إلى دمشق وفقاً لـ«لوفيغارو»، فيما شهدت نهاية السنة الماضية وبداية السنة الحالية «افتتاح الأجهزة الأمنية الألمانية والإيطالية والإسبانية طريق دمشق»، فهل يتوازى الأمني والسياسي ونشهد عودةً للدبلومسية الأمنية؟ بمعنى هل يشهد الصيف المقبل، ومع دخول الأزمة السورية سنتها الخامسة، حركة افتتاح سفارات أوروبية في دمشق، في ظل إصرار القيادة السورية على ربط الأمني بالسياسي؟

(البناء)