Get Adobe Flash player

 

قبيل زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى القاهرة اليوم الخميس، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الولايات المتحدة إلى زيادة المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، وإنشاء تحالف إقليمي لمحاربة تنظيم «داعش». وقال السيسي في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية: «إنه من المهم جداً للولايات المتحدة أن تتفهّم حاجة مصر الملحة للأسلحة والمعدّات». مضيفاً: «إن المصريين يريدون أن يشعروا بأن الولايات المتحدة تقف إلى جوارهم وهم يحاربون الإرهاب».

تصريحات السيسي جاءت لتؤطر المطالب المصرية من واشنطن في ملف مكافحة الإرهاب الذي يبدو ضاغطاً على القيادة المصرية في ضوء العقيدة الجديدة للأمن القومي المصري التي يتبناها السيسي، والتي دفعته إلى المطالبة بقيام تحالف دولي لمحاربة الإرهاب في ليبيا عبر مجلس الأمن الدولي، والقيام بضربات جويّة منفردة على قواعد تنظيم «داعش» في عدد من المدن الليبية. فهل تلبي واشنطن مطالب السيسي وماذا عن مطالبها؟

يدرك الرئيس المصري جيداً حدود انفتاح واشنطن على إدارته والتي يمكن تأطيرها من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس المصري إلى الرياض والمتزامنة مع زيارة الرئيس التركي أردوغان إليها. فالمطلوب من القاهرة الانخراط في عملية إعادة صوغ التحالف الإقليمي لمواجهة النفوذ الإيراني بحسب المصطلح الغربي، وتأمين الغطاء لاستراتجية أوباما القائمة على «الصبر الاستراتيجي» لمحاربة «داعش» في العراق وسورية. جملةُ أمورٍ تستوجب تنحية نقاط الخلاف التي تعتبرها سعودية سلمان ومن ورائها إدارة أوباما «ثانوية» في سبيل تحقيق عملية صوغ المحاور في المنطقة، وفي طليعتها تنظيم الإخوان ودوره في الدول التي شملها الربيع الأميركي وتحديداً مصر. فالتقارب بين أنقرة والقاهرة مشروط بتقدم القاهرة خطوةً من أنقرة عبر إسقاط ملف الإخوان من السياسة الداخلية لمصر السيسي، وبالتالي عقيدة الأمن القومي المصري، بهدف تشكيل التحالف «السنّي». فهل هذا ممكن؟

لم ينجح الملك السعودي في تقريب وجهات النظر بين السيسي وأردوغان، ما يعني أن ملف الإخوان ليس في وارد المساومة بالنسبة إلى القاهرة التي تخسر مرتين إن حاولت المضي في مسايرة رغبات واشنطن. المرة الأولى على المستوى الداخلي، فالسيسي جاء إلى الحكم بغطاء تحركٍ شعبي رافضٍ للإخوان وسياساتهم ونظريتهم. والمرة الثانية على المستوى الخارجي، فحجم التهديد الذي تستشعره الدولة العميقة في مصر تجاه الحركات الإسلامية، والمخاوف من تآكل بنية الدولة القومية العربية، كل ذلك دفع القاهرة إلى تبنّي خيار عدم الدخول في لعبة المحاور في المنطقة، ونأت بنفسها في الملف السوري عن خيار تقسيم الدولة السورية وضرب وحدة جيشها، داعيةً إلى حلٍّ سلمي سياسي تفاوضي للأزمة السورية، ما يفسّر على أنه نأي بالنفس عن لعبة المحاور الطائفية.

فضلاً عن ذلك كلّه، فإن المؤشرات متعددة عن نشاط السياسة الخارجية المصرية في شتى المحاور بعيداً عن الأميركي إدراكاً من القاهرة بصعوبة العودة في العلاقات مع واشنطن إلى ما كانت عليه في حقبتي مبارك ومرسي. فقد أعقبت الزيارة التي قام بها السيسي إلى موسكو عام 2014 وزيارة الرئيس بوتين إلى القاهرة في شباط 2015، إبرام صفقات تسليح بين الجانبين والتزام روسيا بناء محطة للطاقة النووية في مصر، إضافةً إلى التقارب المصري الفرنسي الذي نتج عنه توقيع صفقة طائرات «رافال» في شباط 2015. هذه الأمور مجتمعة تعقّد مشهد زيارة وزير الخارجية الأميركية إلى مصر، وتضعها في سياق محاولة إبقاء التواصل مع الدولة المصرية على أعلى المستويات من دون أن يفضي ذلك إلى التزام جدّي بدعم التوجهات السياسية للسيسي الذي يدرك ذلك. فورقة الإخوان بيد واشنطن، وربما هذا ما دفعه إلى مطالبة الإدارة الأميركية بدعم مصر وشعبها في الحرب على الإرهاب قبل الحديث عن أيّ شيءٍ آخر.

(البناء)