لا بحر أمام «داعش» في الشرق. البصرة باتت بعيدة. فتوى «الجهاد الكفائي» للسيد السيستاني في حزيران الماضي، جعلت مياه الخليج صعبة المنال. «الحشد الشعبي» وقوات الجيش العراقي تسترجع تدريجياً ـ ولو بصعوبة ـ مواقع احتلها «داعش» في وسط العراق وغربه في الصيف الماضي. لا منافذ بحرية لـ«جهاديي التكفير» في بلاد الرافدين.

الساحل شريان حياة. احتلال كسب السورية قبل عام بالتمام، كان محاولة خطيرة من جانب «جبهة النصرة» ـ وتركيا ـ لفتح منفذ بحري يخفف الحرج نسبياً عن الاتراك، في مدّ المسلحين بخط إمداد جديد. العيون على ساحلي الشمال اللبناني والشمال السوري، تقول مصادر مطلعة وهي ترصد حركة الفصائل «التكفيرية» في الميدان، من أقصى ريف اللاذقية شمالاً، وصولاً الى ريف حمص والقلمون وخطوط النار الساكنة والمشتعلة في أكثر من محور مواجهة.

محاولتان للاستيلاء على حقل الشاعر في الريف الشرقي لحمص في تموز وتشرين الثاني الماضيين. الموقع لا يبعد سوى نحو 100 كلم عن مدينة حمص. والى الان، لا تزال الاشتباكات مستمرة هناك مع استمرار قوات النخبة في الجيش السوري في المبادرة الى الهجوم لدرء الخطر عن المنطقة.

ما بين حمص ودمشق 200 كلم فقط. ونجاح «داعش» في الصمود في مواقعه بما يبقي حقل الشاعر تحت الخطر، تهديد مباشر لخط «الأوتوستراد» ما بين العاصمة السورية وحمص، وصولاً الى القصير نفسها، بكل ما تعنيه هذه البلدة من معان إستراتيجية لمشهد الصراع وتأثيراته على معارك القلمون.

بدء ذوبان الثلوج في قمم الجبال اللبنانية، يشي بالراحة. الربيع آت، وكذلك احتمالات اشتعال المواجهات في القلمون ومحيطها. الثلاثة الاف مسلّح، المتحصنون في مغاوير وجرود القلمون، ينتظرون المعركة التي لم تبدأ بعد. كل ما جرى في السابق من مواجهات مسلّحة لا تعدو اكثر من مناوشات. المعركة الكبرى تنتظر خطوط امداد لهؤلاء المسلحين وتعزيزات من الداخل السوري، ومن الريف الحمصي بالتحديد، اذا ما كتب لـ«داعش» وغيرها، إحداث اختراقات تبدّل في المشهد القائم على هذه الجبهة: 80 كلم فقط نحو العريضة، الى الشمال من طرابلس.

الى الشمال قليلا، لا يختلف التهديد كثيرا. المسافة بين مدينة اللاذقية ومواقع المسلحين «التكفيريين» في بلدة سلمى مثلا، لا تتعدى الـ35 كلم. هذه الجبهة شهدت في الايام الماضية، تصعيدا ساخنا. ومثلما بادر الجيش السوري وحلفاؤه في حقل الشاعر الى الهجوم هناك، فقد بادر ايضا في ريف اللاذقية الى محاولة امتلاك زمام الامور بسيطرته قبل نحو اسبوع على تلة دورين، المطلة على بلدة سلمى، المعقل الذي تطلق منه المعارضة المسلحة صواريخها باتجاه عاصمة الساحل السوري.

هناك من يرى ملامح الخطر الآتي من الشرق الى الغرب، نحو الساحلين. سيناريو مسح الحدود السورية – العراقية في حزيران الماضي، قائم كاحتمال هنا، على الحدود اللبنانية مع سوريا. معدل ضربات ما يسمى «التحالف الدولي» ضد «داعش» في العراق يبلغ اكثر بكثير من ضعف ما يشنه طيران «التحالف» على الاراضي السورية. قال مسؤولون اميركيون مراراً مع بداية الحرب على «داعش» في الصيف الماضي، إن الهدف الامثل، إبعاد خطر «الدولة الاسلامية» عن بغداد وأربيل، ودفعه باتجاه الاراضي السورية.

هل يتحالف ذوبان الثلج وتواطؤ «طيران التحالف»، فيدفعان نحو تسخين «الجبهة اللبنانية»؟ هذا هو ربما، السؤال المركزي في الاسابيع المقبلة على الرغم من ان التقديرات التي تنظر بريبة الى تراجع صقيع الجرود، لا تلحظ ايضا، ان ذوبان الثلوج يسمح في الوقت ذاته للجيش اللبناني و «حزب الله» مرونة لوجستية مقابلة.

وحتى الان، تشير المعطيات الميدانية الى ان المسلحين الثلاثة الاف في القلمون، لا يمتلكون لا القدرة ولا القرار لفتح معركة باتجاه الداخل اللبناني. وتقول مصادر اخرى إن المناخ السائد بين قيادات «داعش» أن تنظيم «الدولة الاسلامية» لا يملك ما يكفي من القوة من اجل خوص معركة لبنانية، او التركيز على هذه الجبهة، خصوصا في ظل الخلافات التي عصفت بقيادات التنظيم في القلمون والتي توجت بمقتل اميرهم ابو عائشة البانياسي مؤخرا، واستمرار التعايش القسري مع أمير «النصرة» في القلمون ابو مالك التلي.

الا ان استبعاد الخيار اللبناني إن صحَّ التعبير، ليس قاطعا. يقول المصدر المطلع ميدانيا إن اولويات «داعش» قابلة للتعديل اذا ما جرى فصل دمشق عن حمص، اذ قد يتيح ذلك فتح خطوط الامداد نحو القلمون وتحريك الجبهة، مثلما تروج بعض التقديرات العسكرية من رأس بعلبك والقاع باتجاه وادي خالد وعكار.

لكن تلك الاحتمالات لا تلغي اسئلة اكبر من ذلك بكثير. هل ما زال «داعش» قادر على المبادرة في المشهد الإستراتيجي الأوسع؟ وبمعنى آخر، هل ما زال يمتلك ترف الخيارات التوسعية في المشهدين السوري والعراقي؟ صحيح ان «داعش» بادر الى شن هجمات مؤخرا في الحسكة ضد الاشوريين والاكراد، وضد القوات العراقية المتقدمة في اكثر من موقع، الا ان ثقل الفعل الميداني على الجبهة المشرقية بما يشمل العراق وسوريا، وخصوصا في ما يجري في معركة تكريت، يبرهن على رسوخ المعادلة التي تقول إن «الأجواء للأميركيين والأرض للإيرانيين». وهذا بطبيعة الحال، ليس وليد صدفة، تماما مثلما شهدت جبهة عين العرب قبل ذلك انكسارا للمد «الداعشي» امام مقاومة الاكراد السوريين وضربات طيران التحالف الذي ربما ما كان من الممكن تحقيقه لولا الدعم الايراني العاجل والحاسم الذي أقرّ به مسعود البرزاني بعدما كان الجنرال قاسم سلمياني اول من اسرع الى نجدة اربيل وبغداد.

«داعش» بهذا المعنى الاوسع، انتقلت من مرحلة الهجوم الى مرحلة محاولة الثبات او بدء التراجع والدفاع. فهل تبحث عن اختراق لبناني؟ يقول مصدر آخر مطلع لـ «السفير» إن العوامل لا تبدو أقلّه حتى الآن مشجّعة لـ «الدولة الاسلامية» للمبادرة الى هجوم لبناني. يعدد الاسباب:

1 - القلمون ليست معقلا مريحا لـ «داعش» لاسباب عدة من بينها الصراع الداخلي في صفوفه

2 - عدم قدرته على احتواء الثقل الذي تمثّله «النصرة».

3 - ألوية «الجيش الحر» التي تبايع «داعش» يدفعها الخوف او الطمع المالي.

4 - لم يظهر «داعش» فرقا نوعيا في المواجهات مع الجيش اللبناني و «حزب الله» في القلمون.

ويذهب المصدر الى ابعد من ذلك. يذكر مثلا بأن «داعش» انسحب من ريف اللاذقية منذ العام الماضي. اما في ريف حمص الشرقي، فان الجيش السوري منذ استعاد حقل الشاعر وهو يمارس عمليات هجومية تضع «داعش» في حالة الدفاع. ويضيف انه «اذا نجح الجيش وحلفاؤه في حسم معركة جبل الشاعر وتلال حمد في بادية تدمر، سيكونون عندها قادرين على فتح الطريق امام تبديل المشهد في البادية باتجاه دير الزور».

وبهذا المعنى، فان معركة البحر، كما يقول المصدر، عبر تبدلات مرتجاة من مشهد ريف حمص الشرقي، تفتقر حتى الان الى ما يعززها مع افتقاد «داعش» للقدرة على المبادرة الكبرى، بالاضافة الى ان «جبهة النصرة» برغم الضربات التي المّت بها في المرحلة الماضية، الا انها لا تزال قادرة على فرض نفسها في المعادلة الميدانية، كما فعلت مثلا في المواجهة مع «حركة حزم» في ريف ادلب، او حتى في ريف درعا جنوبا، وعلى مرمى حجر من الجولان... وشبعا اللبنانية.

وتبقى الاسئلة: هل من بحر امام «داعش» من هنا؟ هل من تنسيق لبناني ـ سوري على امتداد الجبهة المرشحة لتقدم الخطر نحوها؟ هل أعدَّ لبنان العدة لمواجهة ما بعد الثلوج؟ وماذا ينتظر اللبنانيين في هذا الربيع الذي قد يكون حارا؟.

(السفير)