Get Adobe Flash player

 

كشف خطاب رئيس حكومة الاحتلال «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو في الكونغرس حدود نفوذ آيباك وغيرها من المنظمات اليهودية الأميركية داخل الولايات المتحدة عموماً، ووسط صفوف النخب السياسية الأميركية خصوصاً. هنا لا نتكلم عن عدم التأثير على النخب الأميركية التي يتم شراؤها وتحضيرها من قبل اللوبيات الصهيونية في الولايات المتّحدة وفقاً للمنهج الذي رسّخه كتب «بروتوكولات حكماء صهيون»، بقدر ما نتحدث عن انحسار النفوذ اليهودي على النخب الأميركية في ما يتعلق بالخلاف السياسي الواضح على أمرين: الأول مصالح الولايات المتّحدة الدولية عموماً والإقليمية خصوصاً في محيط الكيان الغاصب، والثاني اختلاف الرؤيتين الأميركية والصهيونية حول الموضوع الأكثر حساسية في فكر النخب الأميركية وهو أمن «إسرائيل».

نتنياهو ذهب إلى الكونغرس لكي يقطع الطريق على أي اتفاق نووي أميركي ـ إيراني محتمل، استحضر التاريخ والهولوكوست، حاول الربط بطريقة هزلية بين النظام الإيراني وهتلر، صفّق له بعض أعضاء الكونغرس، والمسيحية الصهيونية في المقدمة، لكن ردود الفعل التي ظهرت في الإعلام، وتلك التي صدرت على لسان الرئيس الأميركي شخصياً، وإن تؤشر في مجملها إلى أزمة في العلاقات الأميركية «الإسرائيلية»، إلا أنها تنقل في جزء منها التركيز حول نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتّحدة وتراجعه في السنوات الأخيرة، على رغم الامتيازات التي يحظى بها اليهود الأميركيون داخل الولايات المتّحدة والتي يقول حولها الكاتب فيليب ويس في صحيفة «يو إس بوليتيكز»: «اليهود أغنى قطاع ديني في الولايات المتحدة، فثلاثة منهم من بين أربعة ديمقراطيين معينون في المحكمة الأميركية العليا»، كما أن الإصدارات الإعلامية التي يتحكم اليهود في تحريرها هي «نيويورك ريفيو أوف بوكس، نيويوركر، ويكلي ستاندارد، أتلانتك، فورين أفيرز، فورين بوليسي، فوكس، بازفيد، بوليتيكو، وصفحات الرأي في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست».

تحدى نتنياهو الرئيس الأميركي في الكونغرس، وتحدى سياساته، دعا إلى شنّ حربٍ على إيران، أو على الأقل عرقلة أيّ اتفاق معها، لكن من دون جدوى، لم يسمع سوى بعص التصفيق، فيما استمرت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا وتتالت التصريحات الإيجابية عنها. والواضح من ردود الفعل الأميركية ومقاطعة بعض الديمقراطيين خطاب نتنياهو، أن لا مصلحة قومية أميركية في الانسياق وراء مطالب اللوبي اليهودي في واشنطن والذي يقف إلى جانب نتنياهو، وهو ما يؤشر إلى افتراق أولاً، وانحسار ثانياً في نفوذ هذا اللوبي داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة ناتج عن العوامل التالية:

الحاجة إلى تغيير أسالبيب عمل اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة بعد استنفاد فكرة الهولوكوست والخطر الوجودي الذي يتهدد الكيان الهصيوني مصداقيتها، في ضوء أوضاع الشرق الأوسط، واصطفاف عدد من الدول العربية والإقليمية في منظومة تتجاوز التطبيع إلى التخندق إلى جانب الكيان الصهيوني.

الانكفاء الأميركي عن الحروب الوقائية، والعودة إلى سياسة الاحتواء الإقليمي وإدارة السياسات في المنطقة، وهو ما تعكسه سياسات البيت الأبيض تجاه إيران.

فقدان التشدد الصهيوني تجاه حقوق الفلسطينيين مبررات وجوده، والحاجة الأميركية إلى وضع أسس لعودة عملية السلام بين الفلسطينيين والحكومة الصهيونية إلى سابق عهدها، في ضوء عدم قدرة الغرب على الاستمرار في تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية على أرض فلسطين، وحتى الدولية على مستوى المنظمات والمؤسسات الأممية.

اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ليس دولة داخل الدولة، فالافتراق والخلاف بين واشنطن و«تل أبيب» يتّسع، والنخب الأميركية معنية أولاً بإدارة الوضع الاقتصادي بما يتوافق ومصالحها بالدرجة الأولى، والقرار الأول والأخير يبقى بيد الرئيس أوباما حتى عام 2017.

(البناء)