Get Adobe Flash player

 

لم يعد أوباما إلى العراق من أجل تكريس الخطوط الحمراء الأميركية حول الأكراد فقط، بل إن العودة الرمزية للوجود العسكري على الأراضي العراقية بعد ثلاث سنوات على الانسحاب منها، جاء بهدف احتواء الانعطاف السياسيّ الذي أبدته الحكومة العراقية في عدد من الملفات والأزمات الحساسة في المنطقة، ومنها ملف الأزمة السورية. ما جعل المشهد السياسي في العراق أقرب إلى محور المقاومة منه إلى المحور الأميركي، وهو أمر غير مقبول البتة. فقد تزامنت العودة العسكرية الأميركية مع مطالب واضحة ومحددة بتغيير نهج الحكومة العراقية، واستُنسخت التجربة السورية بشيطنة نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية السابق، ومع تركيز الضغوط، قام محور المقاومة بخطوة أدت إلى تنفيس الاحتقان، إذ عُيّن حيدر العبادي مكان المالكي وسط إجماع من المراقبين على أن الخطوة جاءت للتكيّف مع معطيات انفلاش «داعش» في المنطقة، والتغيير اعترافاً بأخطاء ارتُكبت في فترة حكم المالكي على مستوى الداخل العراقي، لكن من دون أن يشمل التغيير السياسة العراقية وتموضع العراق في الإقليم، وهو ما ظهر واضحاً في صفقات التسليح التي أبرمتها الحكومة العراقية الجديدة مع روسيا والتي تمَّ وضعها موضع التنفيذ مباشرةً والتي تزامنت مع تبلور أسس تحالف أوباما للحرب على داعش في العراق قبل سورية والذي جاء ليغطي على عملية تشكيل «الحشد الشعبي» وهي قوات من المتطوعين العراقيين لرفد جهد الجيش العراقي الذي أصبح في بؤرة تركيز واشنطن كما طهران، حيث تمّ الإجماع على عدم قدرة الجيش العراقي الذي درّبته وشكّلته الولايات المتحدة إبان احتلال العراق على القتال منفرداً في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وبدأت مشاريع واشنطن وحلفائها لتشكيل «حرس وطني» من القبائل العراقية في مناطق وسط العراق تميزها الصفتان القبلية والطائفية للعمل منفردة مع تحالف أوباما مع تقييد حركة الجيش العراقي و«الحشد الشعبي». لكن مع تواتر الحديث عن عملية الموصل واختيار الإدارة الأميركية على لسان رئيس أركان جيشها مارتن ديمبسي «الصبر الاستراتيجي» لبقاء حال الاستنزاف في العراق، تغيّرت المعطيات على المشهد العراقي، ودخل مقتدى الصدر على خط العمل العسكري مرةً أخرى معلناً، بعيد زيارة قام بها لإيران استمرت خمسة أيام، عن العودة عن قراره بتجميد عمل «سرايا السلام» في شباط الماضي وهي جناح عسكري للتيار الصدري أنشئ خلال الصيف الماضي لحماية الأماكن المقدسة ومواجهة «داعش»، وقال الصدر في بيان «صار لزاماً علينا إعطاء الأمر لمسؤول سرايا السلام بالعمل على التنسيق مع الجيش العراقي والحكومة العراقية لإنهاء التجميد والعمل على التحشيد الشعبي» مطالباً «بعدم التدخل الأميركي في تلك الحرب، فنحن قادرون على إنهاء داعش».

إن دخول الصدر على خط المعركة العسكرية في العراق ضد تنظيم داعش والعودة إلى صفوف الحشد الشعبي يحمل في طياته العديد من الرسائل أهمها، مواجهة النفوذ الأميركي في العراق وضبط إيقاع التنسيق الأميركي العراقي في الحرب على داعش، فضلاً عن إعادة تشكيل المشهد العسكري في العراق ودخول «الحشد الشعبي» على خط المنظمات الرديفة للجيش العراقي تمهيداً لأي احتمالية مستقبلية لإعادة تشكيل الجيش العراقي أو القوات المسلّحة العراقية بشكل عام، لخلق نوعٍ من التوازن وضمان تموضع العراق في محوره الحالي في المنطقة وموقفه من الأحداث التي تدور فيها، ولعل في الموقف الأميركي من هجوم تكريت دون التنسيق مع قوات تحالف أوباما والذي تمّ بجهد من «الحشد الشعبي» والقوات الحليفة له، ما يعكس حجم التجاذب القائم على أرض العراق، ومحاولة الطبقة السياسية العراقية الحاكمة قطع الطريق على أي محاولة أميركية لإعادة الإمساك بالورقة العراقية وورقة الحرب على «داعش» لابتزاز الساسة والعسكر العراقي غير المنضوي تحت الراية الأميركية.

هي إعادة لتشكيل المشهد العسكري في العراق وإدارة الحرب على «داعش» وفق أجندة الحنور المضاد للمحور الأميركي، مراكمة إنجازات من شأنها إحراج الإدارة الأميركية وسلبية «صبرها الاستراتيجي».

(البناء)