Get Adobe Flash player

 

لا أظن أننا نجافي المنطق إذا قلنا انه يجب أن نأخذ بعين الإعتبار موقف أعدائنا من المقاومة في لبنان، في إطلاق الأحكام على هذه الأخيرة. مثلما أن من أسباب الإرتياب بما سمي «ثورة» في سوريا كانت العصبية المذهبية التي اتسمت بها هذه «الثورة» المزيفة منذ الأيام الأولى. تمظهر ذلك في التحشيد والتجييش في احرام المساجد «ضد سلطة بيد المشركين ومقاومة يرفع لواءها المرتدون تحالفتا مع إيران ما بعد الصديق الشاه!». ولا نغالي في القول أن المنازعة المستمرة في لبنان، بين الذين قاوموا إحتلال المستعمرين الإسرائيليين لجزء من التراب الوطني من جهة وبين الذين تقاعسوا عن المقاومة والذين تعاونوا مع قوات الإحتلال من جهة ثانية، إنتقلت هذه المنازعة بتشكيلاتها كاملة إلى الساحة السورية. النأي بالنفس كذبة تضاف إلى سجل الكذِب الطويل في مجال العمل السياسي في لبنان! لمحنا في مقالات سابقة إلى أن المقاومة كانت الخيار الوحيد المتاح أمام الذين كانوا يرزحون تحت وطأة إحتلال المستعمرين الإسرائيليين. ولكن يبدو أن ممثلي السلطتين الفاشلتين، المارونية والسنية، كانوا يرون غير ذلك، ما جعلهم يقبلون السيرورة التي أوصلت إلى إتفاقية 17 أيار! لا حرج في القول أن هذه الأخيرة هي من نسق إتفاقية كامب دافيد. وبالتالي من المرجح أنها تمت بموافقة ضمنية مصرية ـ خليجية.

تأسيسا عليه، يمكن القول اننا في الواقع حيال تجليات منازعة بين الذين قاوموا ويقاومون المستعمرين الإسرائيليين من جهة وبين الذين لم يقاوموا ويعترضون ضد مقاومة هؤلاء المستعمرين من من جهة ثانية. هكذا تبدو الأمور على السطح، أو قل هذا الجزء العائم من جبل الجليد. من البديهي أن الحقيقة هي أكثر تعقيدا، بل أكاد أن أقول أكثر غرابة. إذ أني لا أستبعد فرضية مفادها أن المنازعة التي نحن بصددها هنا، دخلت الآن في مرحلة استقواء خصوم المقاومة بالمستعمرين الإسرائيليين. بمعنى أن تحالفا فعليا يجمع سلطات الخليج والمستعمرين الإسرائيليين من جهة ضد المقاومة اللبنانية وإيران من جهة ثانية. هذان هما طرفا الصراع الحقيقيان. أما الآخرون فإنهم يصطفون في هذا الجانب أو ذاك، النأي بالنفس أو عدم الإنحياز لا يعدو خداع ألفاظ، إنطلاقا من مواقفهم من الرجعية الخليجية ومن المستعمرين الإسرائيليين، أو إستجابة لمصالحهم!

إن جوهر المسألة هو «الثورة الإسلامية» التي مثل إنتصارها على نظام الشاه في ايران، المرحلة التأسيسية. لقد أفصح عن ذلك بوضوح أمين عام حزب الله في خطابه الأخير، عندما قال أن «داعش» تريد السيطرة على مكة والمدينة، وأن حزبه يدافع عن الإسلام عندما يقاتل في سوريا وفي العراق ضد «داعش» والإرهاب التكفيري. لذا هو يدعو الذين يحرصون مثله على الإسلام إلى الذهاب معه إلى سوريا.

إستنادا إليه، يبدو أن حزب الله أو السلطة التي يمثلها هي جزء من «ثورة» إسلامية، ضد سلطة «إسلامية» هي بنظر هذه «الثورة» منحرفة ضالة. مجمل القول أن الوطنيين التقدميين القوميين العلمانيين في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق يتواجدون في وسط معمعة الحرب بين «الثورة» الإسلامية وبين الرجعية الخليجية. ليس أمامهم خيار غير التصدي للدفاع عن النفس ضد الهجوم الذي تشنه الأخيرة مستقوية بالأمبريالية وبالمستعمرين الإسرائيليين.

(الديار)