اتسمت سياسة تركيا تجاه العراق بالعداء الكامل لنهج رئيس الحكومة السابق نوري المالكي. العداء مصدره أن الفريق السني الذي تعتمد عليه تركيا، أي «الحزب الإسلامي» بقيادة طارق الهاشمي، أصبح خارج المعادلة بل حتى خارج العراق. الهاشمي وحزبه لا يمثلون بالطبع كل السنة، لكنه كان «القناة» التركية في السلطة العراقية.

سبب آخر للعداء، وهو أن موقف المالكي في دعم النظام في سوريا أفسد حسابات أنقرة وصعّب عليها مهمة إسقاط الرئيس بشار الأسد، فقامت القيامة على المالكي وشرعت أنقرة بحرب ضروس لإسقاطه. لم تنجح في ذلك، إلا عبر إطلاق العنان لتنظيم «داعش» بالتواطؤ مع فئات سنية داخل الجيش وفي الإدارة العراقية ولا سيما في الموصل، وفي رأس هؤلاء محافظ النجف أثيل النجيفي شقيق المعتمد الجديد لأنقرة في العراق أسامة النجيفي نائب الرئيس العراقي الجديد.

استقال المالكي وجاء حيدر العبادي بدلاً منه، وكانت نافذة ليس لتغيير سياسة تركيا، ولا السعودية، في العراق بل لمحاولة العودة الى المعادلة الداخلية.

ذهب العبادي إلى أنقرة ومثله جاء أحمد داود أوغلو إلى بغداد، وكذلك تبادل وزراء الخارجية الزيارات بل حتى وزراء الدفاع.

لا أحد يعارض تحسين العلاقات بين تركيا والعراق ولا بين أي دولتين في المنطقة العربية والإسلامية، غير أن النهج السابق لتركيا في العراق، فضلاً عن سوريا، لم يشهد عملياً أي تغيير. المشهد الإعلامي أو الخارجي ربما يوحي بذلك، لكن المواقف الفعلية بقيت على حالها برغم محاولات التذاكي التركية في بعض العناوين.

وفي حين وقفت تركيا، ودول أخرى، وراء «غزوة داعش» إلى العراق، تأتي الآن وتقول إنها مستعدة لتدريب عناصر من الجيش العراقي أو الحرس الوطني لمحاربة «داعش».

وعشية التحضير، كما يُقال، لمعركة تحرير الموصل، لفتت تلك الحركة غير المبررة، لكن المفهومة جداً من جانب وزير الدفاع التركي كما تصريحات لمسؤولين أتراك وعراقيين ومنهم أثيل النجيفي، إلى أن تركيا مستعدة للمشاركة في معركة تحرير الموصل وأن إخلاء ضريح سليمان شاه قد يكون من أسبابه منع «داعش» من الانتقام من الضريح والجنود هناك في حال شاركت تركيا في تلك المعركة.

يبيع الأتراك سمكاً في الماء للرأي العام العراقي والتركي والعربي. فبعد الدور الإيراني الفاعل على الجبهة العراقية ضد «داعش» وظهور قاسم سليماني مع الجيش العراقي على تخوم تكريت وقبلها مع البشمركة على تخوم أربيل، تنظر تركيا إلى الصورة وتدرك مدى تخلّيها حتى عمّن تعتبرهم، نظرياً، حلفاءها، أي أكراد العراق.

تصريحات اثيل النجيفي ومن ثم زيارة أسامة النجيفي إلى تركيا محاولات لاستعادة نفوذ تركي متآكل في العراق ولا سيما في المناطق السنية.

هذه الاستعادة مدخلها متواضع جداً، ولا يرقى إلى مستوى التهديد الذي يمثله «داعش».

ووفقاً لمصادر «حزب العدالة والتنمية»، فإن تركيا ستكتفي، في حال شاركت في المعركة، بإرسال بعض الأسلحة وبالسماح لطائرات «التحالف الدولي»، ليس الإقلاع من قاعدة «إينجيرليك» بل الهبوط فيها عند الضرورة. أما سلاح الجو التركي فلن يكون له أي دور. فمحصلة المشاركة التركية المحتملة هذه خجولة جداً وهي من باب رفع العتب، كي تخرج على العراقيين وتبرر مطالبتها بحصة داخلية من المعادلة السياسية العراقية.

معركة الموصل في حال انطلقت لن تكون سوى بمشاركة الجيش العراقي والحشد الشعبي وقوات البشمركة الكردية و «حزب العمال الكردستاني»، وهي كلها قوى معنية بتحرير الموصل لكونها رمزاً لسيطرة «داعش» و «دولته الإسلامية».

لكن على ما يبدو فإن اتجاهات معركة الموصل أكثر تعقيدًا، إذ أن قوات الحرس الوطني في الموصل والتابعة للنجيفيين، لن تكون مستعدة للموافقة على مشاركة الحشد الشعبي من جهة، كما أن الأكراد لن يكونوا مستعدين للمشاركة في تحرير مدينة عربية من دون أثمان سياسية أو جغرافية.

غير أن إحدى العقبات جاءت من تركيا نفسها، حيث قال داود أوغلو إن الموصل يجب أن يحررها أبناء الموصل حتى لا تنفتح الطريق أمام صدام سني شيعي. وأكد أن تركيا لن تشارك في المعارك.

ويركز داود أوغلو على النزعة المذهبية لبلاده بالقول إن «القلق الأكبر لمحافظ الموصل أثيل النجيفي هو حلول ميليشيات شيعية بدلاً من داعش بعد خروجها من المدينة». ويقول إنه يجب أن تدخل الى الموصل «فقط قوات الحرس الوطني السنية»، مضيفاً أنه مهم أن تحرر قوات التحالف الموصل لكن الأهم لتركيا هو ما الذي سيحصل بعد ذلك.

ويوغل رئيس الحكومة التركية في توسيع دائرة التحليل، بالقول إن «الأمكنة التي تخليها داعش سواء في سوريا أو في العراق يجب ألا تدخل إليها ميليشيات شيعية بل سنية»، وهذا ما لا يراه التحالف الدولي.

واعتبر داود اوغلو أن استراتيجية التحالف ضد «داعش» المتمثلة في: «لننظف أي منطقة من داعش ومن ثم نرى»، هي استراتيجية خاطئة، قائلاً: «إننا لا نريد للخطر أن يقترب من حدودنا».

من الواضح أولاً أن تركيا لا تزال تنظر إلى التطورات في العراق وسوريا والمنطقة عموماً بعين مذهبية. وثانياً، في وقت تخاف على أمنها من وصول «ميليشيات شيعية» إلى حدودها، فإنها لا تبدي أي خشية من احتلال «داعش» للموصل ومن كون «داعش» موجوداً الآن مباشرة على حدودها.

وثالثاً، في ظل استحالة تمكن قوات الحرس الوطني في الموصل، غير الموجود عملياً أو غير الفاعل، فإن موقف أنقرة الفعلي هو إبقاء «داعش» في الموصل بل في كل سوريا والعراق إذا كان البديل تحريرها على يد الجيش العراقي أو البشمركة فقط.

وبعد كل هذا، هل يحتاج المرء إلى مزيد كي يتيقن للمرة الألف من وجود تحالف وثيق بين تركيا و «داعش»؟ ومن أن الرهان على تغيير في الموقف التركي من العراق هو مجرد وهم؟

(السفير)