أعلنت أرمينيا انسحابها من آلية التصديق على الاتفاقات التاريخية التي كانت قد وقعتها عام 2009 مع تركيا.

وتشكل هذه الخطوة رصاصة الرحمة على سياسة «صفر مشاكل» التي كانت الشعار الأبرز الذي أوصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا في ثلاث انتخابات تشريعية متتالية.

فمن المعروف أن سياسة صفر مشاكل مع دول جوار تركيا كان المقصود فيها سورية والعراق واليونان وأرمينيا وبدرجة أقل إيران، كون العلاقات التركية- الإيرانية كانت مقبولة في عهد الأحزاب العلمانية الموالية للغرب.

اليوم لم تعد هناك علاقات سورية- تركية، وبات من الصعب، بل من المستحيل إصلاح هذه العلاقات إذا ما استمر أردوغان في سدة الحكم في تركيا، بل أكثر من ذلك إن مستوى التوتر بين سورية وتركيا أردوغان قد يصل في لحظة ما إلى شكل من أشكال المواجهة العسكرية، ولاسيما بعد تطهير الجيش السوري الريف الشمالي لحلب من الجماعات الإرهابية المسلحة المدعومة من تركيا. أما علاقات تركيا مع العراق فهي في تقهقر مستمر، وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تسعى لاحتواء التوتر لضرورات تتعلق بإقناع الحكومة التركية بضرورة مراجعة سياستها القائمة على دعم التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش، إلا أن ذلك لم يصل إلى حد يحول دون مزيدٍ من تدهور العلاقات بين البلدين.

أما العلاقات التركية- اليونانية فقد عادت إلى ما كانت عليه قبل سياسة الانفتاح والانفراج التي عبّرت عنها «سياسة صفر مشاكل» في سنواتها الأولى، والأرجح أن هذه العلاقات إلى مزيد من التصادم استناداً إلى قضايا الخلاف المزمنة والتاريخية، واستناداً إلى وجود حكومة يونانية جديدة أقل ارتباطاً بالسياسات الأوروبية ومساومات الاتحاد الأوروبي مع تركيا.

اليوم يأتي قرار انسحاب أرمينيا من آلية التصديق على الاتفاقات التاريخية ليشكل رصاصة الرحمة ضد حكم أردوغان، ليس لأنه أنهى آخر إنجاز كان يتغنى به، بل لأن لهذا القرار تداعياتٌ دولية كثيرة لا تصب في مصلحة حكم حزب العدالة والتنمية، فقرار أرمينيا سيكون لـه انعكاسات على مواقف روسيا من تركيا، صحيح أنه لن يقود إلى إحداث القطيعة بين موسكو وأنقرة، لأن ثمة مصالح متبادلة تجعل الطرفين حريصين على استمرار العلاقة، ولكنها تضيف إلى الحسابات الروسية معطىً جديد، إذ أن تركيا تناصب العداء لسورية وأرمينيا وكلا الدولتين حليفين قويين لروسيا، وسيكون من الصعب، بل المستحيل، الاعتقاد بأن ذلك لن يترك أي أثر على العلاقات الروسية التركية، كما أن جماعات النفوذ الأرمينية المنتشرة في الغرب والتي تحوز على تأثير مهم على الرأي العام وحتى على صانعي القرار في أوروبا وفي الولايات المتحدة، ستمارس دوراً مهماً في التعبئة ضد السياسة التركية التي ينفذها أردوغان، وسيجد ذلك آذاناً صاغية، لاسيما وأن العلاقات بين الغرب وتركيا تشهد توتراً ملحوظاً على خلفية مجموعة من القضايا بينها حدود الدعم الذي تقدمه أنقرة للتحالف ضد داعش، وحملات الحكومة التركية ضد جماعة فتح الله غولين الذي يمثل أهم مرتكزات النفوذ الأميركي والغربي في وسط الإسلاميين الأتراك.

(البناء)